الحوار المتمدن - موبايل



مصر.. وتسويق النماذج الخطأ (كوريا الجنوبية وسنغافورة..)

السيد شبل

2018 / 6 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


في العالم هناك بلاد تبيح أراضيها للعواضم الغربية لتقيم عليها قواعدًا عسكرية، وهناك بلاد تبيح بلادها لتقيم عليها الرأسماليات الغربية متعدية الحدود قواعد للانطلاق، والعسكري طبعا متساوق ومتكامل مع الاقتصادي.

من نوع البلدان التي توفر للغرب قاعدة اقتصادية: سنغافورة، هذه بلد ببساطة تمت مساندتها حتى تنفصل في 1965 عن ماليزيا (والاستعمار كان له دور سابق في منع توحيد ماليزيا مع أندونيسا بزمن سوكارنو).. انطلاقا من هذا التفكك، ولدت الدولة ضعيفة وهشّة، بمساحة 720 كم2، فقط (أي تقريبا ثُلث مساحة محافظة المنوفية في مصر)، وبعدد سكان اليوم يساوي 5.7 مليون، إذن هذه دولة لا نجاه أمامها سوى بالاعتماد على الآخرين.

فتحت، أو كان لزامًا أن تفتح، أراضيها أمام الاستثمار الأجنبي، واعتمدت عليه، جاءتها الشركات الغربية الكبرى، لكن ليس فقط في صورة بضائع ومطاعم ومحلات.. إلخ، ولكن في صورة استثمار مباشر، أي مصانع ومؤسسات ومراكز للانطلاق، أي حولوها لقاعدة اقتصادية تتبعهم.

هذا، بالضرورة، خلق وظائف وانتعاشة واستهلاك.. إلخ، لكن البلد لم تعد ملك أهلها، وإنما صارت ملك هؤلاء المستثمرين، وبرحيلهم ستجوع حتمًا (لكنهم لا يرحلون عن سنغافورة، كما لن يرحلون عن دبي الامارتية).

التسويق المستمر لنموذج سنغافورة، هو لتزيين الخضوع، ولمباركة هذا النهج بالتحديد، الذي يقول: ((همّشوا حكوماتكم المحلية، وانسوا القطاع العام المملوك لكم، والتخطيط الاقتصادي لمواردكم، واسخروا من كل حديث متعلق بالسيادة الوطنية.. ثم أبيحوا بلادكم أمامنا، وقدموا لنا امتيازات، كما جرى في مؤتمر شرم الشيخ بربيع 2015، تتضمن تخفيضا للضرائب وتمكينا من الأراضي بالمجان، ونحن -الذين نفهم ونقدر.. بينما أنتم لا تفهمون ولا تقدرون- سنأتي لندير كل شيء، ونمنحكم وظائف ومرتبات ومعيشة سعيدة)).

وكما سنغافورة تأتي كوريا الجنوبية، عندما تقول أن المثال الذي على مصر أن تكونه هو "كوريا الجنوبية"، فأنت تسوّق لنموذج خاضع للولايات المتحدة تمامًا، وبمثابة قاعدة لها، وخاض معها حروبها (حتى في حرب احتلال العراق 2003، والتي لم تكن تحظى بأي نوع مما يسمى بـ"الشريعة الدولية"، شاركت بـ 3500 فرد). كذلك فهذه بلد تم دعمها من الرأسماليات الغربية لأغراض سياسية وعسكرية بالأساس,

الحقيقة الرأسماليات الغربية، ليست جمعيات خيرية، كما ليست صاحبة مصلحة في تكثير قواعدها الاقتصادية التي تستثمر فيها بشكل مباشر، كما أنها ليست ساذجة لتأتي لدولة بوزن مصر ومساحتها وتاريخها وكتلتها السكانية، لتصنع منها قاعدة، أو تقدم لشعبها انتعاشًا وتنمية.. هذا غير ممكن عمليًا، كما أن انتعاشة مصر، من أي مدخل، تضرها مستقبلا. (ومثل مصر تأتي العراق، الجزائر.. إلخ).

كذلك القاعدة الاقتصادية لا تخدم مصالح الاقتصاد فقط، بل لها مصالح سياسية، بمعنى الغرب عندما يدعم كوريا الجنوبية وتايوان فإن هذا يأتي مكايدة في الصين وكوريا الشمالية وروسيا، وعندما يدعم كولومبيا في أمريكا اللاتينية، أو تركيا بزمن الحرب الباردة وإلى ما بعد، يكون لنفس الأسباب، ولكي يقول لشعوب البلاد التي تتبنى أنظمتها نهجًا مقاومًا أو مستقلًا: "انظروا حلاوة الخضوع لنا، والدخول أسفل عباءتنا"، كذلك لكي يوفر لنفسه على أراضي تلك البلاد التابعة قواعدا عسكرية لتهديد خصومه، وضمان الهيمنة (قاعدة إنجرليك التركية ضد السوفيت وجمال عبد الناصر بالماضي، ولأداء أدوار تخريبية لليوم في سورية والعراق)، و(قواعد كوريا الجنوبية واليابان ضد الصين وكويا الشمالية..)، و(قواعد الخليج لضمان الهيمنة على حقول النفط، ولتهديد إيران، وبطلب من نظم الخليج ذاتها لحماية كل نظام من الآخر).. وهذه مجرد نماذج.

أنت في (مصر).. ماذا يصنع الغرب بك؟، قاعدة ضد من؟، ضد الكيان الصهيوني الذي تم غرسه استعماريا كقاعدة غربية أساسا، وتوظيف الدين -اليهودية والمسيحية الصهيونية- لهذا الغرض؟، أم ضد أتباعه الخليجيين المثاليين؟! (ثم هذا كل طموحك؟!!.. أن تصير قاعدة وتدوس على كرامتك ؟!!!).

كذلك سنغافورة دولة تعتمد على السياحة. جميل أن يسافر الناس ويتعرف بعضهم على بعض وتتلاقح الشعوب والثقافات، لكن بالنهاية هذا قطاع حساس وقلق، وأنت بلحظة أو حادثة قد تخسر كل شيء، كما أنه يتبع موقف العالم الغربي منك (العالم الذي يملك المال الوفير)، حتى السائح الخليجي تحركه السياسة والبروباجندا.. إلخ، كما أن نشاطك السياحي، سيعني من جملة ما يعني أنك لا بد تعتمد على الشركات الغربية ذات الشهرة الدولية في إدارة الفنادق، بما يعني أنك تضع نفسك تخت ضرسهم في حال كان اعتمادك فقط أو بالأساس على هذا القطاع (لا بأس هنا أن ننظر نحو جزر المالديف، مشهورة، ومعروفة للكل، ومضرب مثل.. لكن لماذا؟ هل هي استثنائية ومبهرة لتلك الدرجة؟، أم أن السبب يعود إلى أن كثير من جزر المالديف قد تم تسليمها للشركات الغربية الفندقية المعروفة، وهذه لها مصلحة في تضخيم مواطن الجمال بغرض مراكمة أرباح أكثر. لكن أين الشعب؟.. يخدم ويعيش على الهامش، كأنه الغريب والأقل على أرضه!)

نهضة مصر، ومن في حكم مصر، لن يكون إلا بالضد من الناهب الدولي، لا بالتصالح معه، وحتى تحصل مصر على القوة اللازمة للتحدي لا بد من الوحدة العربية، والتكتل التصاعدي أفريقيا وإقليميا وعالمثالثيا، أما عندما تبيح مصر نفسها، فإنها ستجني وضعها الآن (شيوع الفقر، وفجوات طبقية، وتمزق اجتماعي، وغياب المشروع القومي الحضاري، وبيئة مهيئة لنمو التسلف والطائفية)، ولن تأتيها سوى بضائع للاستهلاك تستوردها بالعملة الصعبة، ومكاتب لإدارة المصالح وتحويل المكاسب لطحن العملة الوطنية، وهوامش صناعية محدودة.. أي أنها لن تصير قاعدة أو تكون سنغافورة.. لأن طريقها للنهضة هو بالضد من هكذا نماذج أساسًا.

***
فرض مستحيل.. على سبيل القياس

بالافتراض المستحيل أن سنغافورة غادرت، يومًا، مساحتها الضيقة، وقررت الاستقلال عن منظومة الاحتكاريات الغربية التي تحوّل البلد كقاعدة لنشاطها في جنوب شرق آسيا، وأن تبحث عن مشروع وحدوي.. سيعرف الجمهور الديني هنا، حينها، أن أوسع المعتقدات انتشارًا في البلد هي البوذية 33%، ثم المسيحية 18%، ثم الطاوية 11%، كما هناك 18% لا دينيين، وسيتم إنتاج أفلام وصور وحكايات مفبركة تمامًا أو تضخيمية، تقول أن هؤلاء جميعًا تحالفوا للتآمر على المسلمين الذين تبلغ نسبتهم 14%، وأنه يجب جمع تبرعات لنصرة "إخواننا هناك"، وستنسج السلفية الجهادية خيوطها لإنتاج فرع يستقبل هذه التمويلات، ويقاتل.. وبافتراض أن هذا التوجه الاستقلالي حصل في ظل رئاسة حليمة يعقوب المسلمة -من ضمن الافتراضات الخيالية-، فسيتم الترويج لأن هذه الرئيسة المسلمة باعت طائفتها التي تتعرض لاضطهاد وظلم، واشترت الكرسي على حساب دينها، وأن "الشيخ الفلاني" أكّد أنها تبوبذت أو تنصّرت في السر.. وإلى آخر تلك الأسطوانة.







اخر الافلام

.. استنفار أمني كبير لتأمين وصول الحجيج وتسهيل أداء مناسك الحج


.. جهود التهدئة بين إسرائيل وقطاع غزة تتحول مجددا إلى مادة للتر


.. عزل قادة عسكريين حديث الساعة في الجزائر




.. عراقيون يدعمون دفع بلادهم تعويضات خيالية لإيران!


.. لقاء الأستاذ جهاد جليل على قناة الرشيد بخصوص دور الشباب في ا