الحوار المتمدن - موبايل



كنز سرغينة بين الجهل المركب والفقر المؤسس

مازغ محمد مولود

2018 / 6 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي يوم 11 يونيو 2018، ما مفاده ، أن مدعيا بإحدى دواوير شمال المغرب ، قام باستنفار ما يزيد عن 20 ألف مواطن ومواطنة. زاعما أن له مفاتيح كنز دفين بأحد الجبال. يمكن أن يستفيد من مكنونه كل سكان دواوير إقليم بولمان. الدعوة الفيسبوكية ، جعلت الناس تهرع إلى المكان زرافات زرافات، وهم صيام .حاملين الأعلام، والرغبة في الثراء والحصول على الغنيمة..
الأمر أشبه بحكاية، من حكايات القرون الغابرة ، الحكايات الخيالية الغريبة التي لا تصدق.. بل الأدهى والانكى ،أن جحافل المخدوعين، قدمت من مدن ومناطق بعيدة ، ومن ربوع المغرب .مهرولة مصدقة، مزاعم رجل مخبول آو مدعي مهووس بالخرافة إن لم نقل مدفوع .
الحادث يتطلب منا الوقوف لحظة، وقراءته من زوايا متعددة. فاذا تأملناه، من حيث مظهر الاستجابة الكبيرة للمواطنين ..ومن حيث الأعداد الهائلة ،خاصة على مستوى النوعية العمرية . فالأمر لم يستثنى فيه الشيوخ ،والشباب ،الرجال كما النساء، وحتى الأطفال..موجة عارمة، وهبة غريبة. نداء استنفاري، شدت فيه الرحال إلى جبل بعيد عن العمران..جبل الكنز الموعود ، المرصود بمنطقة تدعى سرغينة ..الرحلة انطلقت من الصباح الباكر. - منهم من بات ليلته هناك -. حتى ظهر اليوم. الجموع تقاطرت وتجمعت طمعا فيما يحويه الكنز. افتح يا سمسم ..وفي الأخير، عادوا بخف حنين. وانتهى المشهد المخزي.
ما يمكن قراءته من الحادث، أن المواطنين المغاربة، لازالت تحكمهم الخرافة بكل تفاصيلها . الغيبيات تسكن رؤوسهم و تتجدر.. المواطنين يعيشون الفقر والتهميش .حلمهم و رغبتهم في الثراء لا تضاهيها رغبة..لنقل ، حلمهم في تحسين أوضاعهم المعيشية، و ورغبتهم في حصول على المال الذي يرون فيه السبيل الوحيد لتغيير أوضاعهم المزرية . ليس الأمر طمعا أو جشعا. بل انه الواقع المرير، والفقر أضحى كفرا.الرغبة هنا ليس فيها استثناء، فالشيوخ مثل الشباب، والرجال مثل النساء، والبعيد مثل الأقرب..الجميع سواسية من حيث تردي الأوضاع، والمعاناة ، والجهل ، والفقر .والبحث عن السبيل الأيسر، والحلم ، للوصول إلى غنيمة جاهزة ،تغير من الوضع الاجتماعي البائس . الحلم في تحقيق الرفاه ولو تتطلب الأمر تصديق الخرافة ..وحتى الشيطان.
للحادث حديث ، انه بمثابة عملية استقصاء ،مجانية بالنسبة للمخزن ،آو النظام القائم ..فهو تأكد أن الخرافة لا تزال متفشية ، تعشش وتسكن رؤوس المواطنين .وان الفكر الغيبي ،لازال سائدا بنسبة كبيرة . وهذا يؤكد أن سياسة ضرب التعليم وتراجعه أتت أكلها . كما تبين بالملموس تفشي الجهل المركب. بكل تمظهراته، الذي يؤدي إلى الاستكانة. والانجراف وراء السراب.يحسبه الظمآن ماءا. . السياسة الإعلامية موفقة. تؤدي دورها على أكمل وجه. في جعل الناس يحلمون بالثراء والمال والذهب كما في المسلسلات والبرامج الاشهارية . مما يجعلهم سهل الانقياد .برامج الميوعة وثقافة الهباء. وغياب كل ما له صلة بالعقل. أنتجت شعب البلاهة والتفاهة .. سياسة قيادة القطيع آو سياسة ((جوع كلبك يتبعك ))، هي سياسة ناجحة . فالإقصاء والتهميش ، والفقر، ونهج نمط المنافسة على الكراسي بواسطة المال من بوابة الانتخابات. غدت كل هذا التردي وأنتجت المشهد ألغرائبي. في مغرب القرن الواحد والعشرين. مشهد لا يسر الناظر.
الأمر يتجاوز المنطق ويتعدى المعقول. هكذا لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا محوريا جذابا ، في جعل المواطنين يتنفسون هواء أحلامهم .ومجالا لتشارك أوهامهم . وأيضا من خلالها اتضح انه يمكن استغلالهم وتوجيههم لصالح الطبقة الحاكمة بامتياز .مما يؤكد إننا في مغرب التراجعات لا في مغرب الانجازات. وإن الأزمة الحقيقية، أزمة ثقافة ، أزمة عقل . أزمة علم . أزمة امة وشعب.
أمران أمامنا إذن كان لهما فعل الفعل . الفقر والجهل .فرغم السنوات التي اندلقت تباعا منذ الاستقلال. ورغم أننا قطعنا عقدين من الألفية الثالثة . ورغم المشاريع والإصلاحات التعليمية ، التي حملت عناوين مختلفة ..((مدرسة النجاح.. عشرية الإصلاح.. مشروع الاستعجال )) فان الواقع يكذب ويفند. والتقارير الدولية تؤكد وتفحم وتربك حسابات صناع السياسة والقرار في هذا البلد.. فان غزة التي تحت النار والحصار تتفوق علينا تعليميا. وهنا يتضح أننا نعلن موت مدارسنا وتعليمنا ، انه لا ينتج غير الجهل.ويفرخ البطالة . ونتراجع درجات من السلم.
يقول غاستون بشلار في درسه الابيستمولوجي ، (( تاريخ العلم هو تاريخ أخطاء)). فهل يمكن القول بان تاريخ التعليم بالمغرب هو تاريخ أخطاء،.تاريخ إخفاقات . تعليما مقزما، معاقا . انه شرخ كبير يتسع يوما بعد يوم ..والإصلاح في حاجة إلى إصلاح. بل إلى تغيير حقيقي، يستند إلى مراجعة علمية .لا تضيع فيها الجهود سدى .جهود يصير لها معنى على ارض الواقع.
كل المعطيات تؤكد أن الجهل والفقر تؤمان بالمغرب. مغرب بطعم الجهل والهشاشة والفقر . شرخ يتسع بين الذين هم فوق والذين هم تحت .إقصاء اجتماعي في شكلين مضادين .انه التفاوت الطبقي الصارخ ، الظاهر ، الذي نؤدي ضريبته غاليا ، من حياتنا ومن مستقبلنا .فهذا الشرخ العميق الذي بات واقعا بين نخبة مخملية وقاع اجتماعي هو ثمرة تدابير معطوبة للملفات الاجتماعية بدءا من التعليم والصحة والتشغيل . وفشلا دريعا لسياسات لم تستطع تجدير العدالة الاجتماعية .بل أفقرت الفقير وأغنت الغني ولازالت مستمرة . فشلا ذريعا في الانتقال من التدبير الشخصاني إلى التدبير المؤسساتي . ومن دولة الرعايا إلى دولة المواطنين.
التناقض الصارخ بين طبقات المجتمع والذي لا يمكن إخفاؤه . فالهشاشة الاجتماعية التي يعيش فيها الغالبية العظمى من المغاربة .يضاف إليها الجهل. نتيجة تدني المستوى التعليمي. يمكن أن تزيد من الأعطاب . وتكثر الإعاقات. بل ستستمر في التجدر والاتساع .سياسات التقويم الهيكلي .كانت على حساب مصالح المواطن ، كانت السبب في خلق نموذج مجتمعي مشوه ، تقلصت فيه إمكانيات العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص ، وتقوى فيه التفقير والتمايز الطبقي. أنتج العديد من النقط السوداء التي احتضنت الانحراف والاختلال وانتشار ثقافة الإجرام والتهميش والمعطلين ودواوير وأحياء الفقر والفاقة .فتقارير التنمية البشرية صادمة ، ولم يعد هناك ما يراهن عليه المواطن خاصة فئة الشباب ..لا سياسة ولا أحزاب ولا صناديق زجاجية ..فالشباب استقال من الحياة العامة ، في حالة شرود جماعي .تتمثل في البحث عن انتماءات جديدة ، إما بحلم الهجرة أو الموسيقى الجديدة والشغب الرياضي وحب الريال و البارصا أو التطرف والانحراف .
الحادث في عمقه يعطي صورة عن حالة الأزمة العميقة والخطيرة .فإذا نظرنا إليها من جانب . غياب العقل والانقياد السهل يؤكد أن ثقافة الفقه والغيبيات .وضرب الفلسفة والسوسيولوجيا . ثقافة الزوايا والأضرحة والمقابر، وضرب التعليم العلمي والمعرفة .كل هذا نتائجه تقودنا إلى المجهول . نحو الشيء وضده . تحولنا إلى ارض خصبة لكل فعل قد يدبر من القوى القوية لتدميرنا بسهولة ، كأمة وكشعب . يسهل شراؤنا واقتيادنا والفعل فينا ..نحن أهون من بيت عنكبوت ..فلا ثقافة علمية وعقلية تحصننا. ولا تعليم حقيقي يرفعنا .نحن ضحايا الجهل المركب الذي يذل ولا يرفع . العقل المثقوب المؤدي إلى الضياع والخراب الموعود..وكما يقول الشاعر المصري محمد الهراوي=
ربوا بنيكم ،علموهم، هذبوا === فتياتكم، فالعلم خير قـوام
والعلم مال المعدمين إذا هموا === خرجوا إلى الدنيا بغـير حطام
وأخو الجهالة في الحياة كأنـه === ساع إلى حرب بغيـر حسام
فالجهل يخفض أمـة ويذلــها === والعلم يرفعها أجل مقام







التعليقات


1 - خيال
بلبل ( 2018 / 6 / 14 - 23:21 )
اولا المنطقة ليست في شمال المغرب ثانيا العدد مبالغ فيه فليس 20 الف بل بضع ميئات ثم ان هناك من لا ينتظرون الا مثل هذه الفرص التي تعد عفوية وطبيعية وقد تقع حتى في الدول المتقدمة لينقضوا عليها ويطلقون العنان لمخيلاتهم لان الجانب الخيالي يستهويهم ويغلب عليهم

اخر الافلام

.. استنفار أمني كبير لتأمين وصول الحجيج وتسهيل أداء مناسك الحج


.. جهود التهدئة بين إسرائيل وقطاع غزة تتحول مجددا إلى مادة للتر


.. عزل قادة عسكريين حديث الساعة في الجزائر




.. عراقيون يدعمون دفع بلادهم تعويضات خيالية لإيران!


.. لقاء الأستاذ جهاد جليل على قناة الرشيد بخصوص دور الشباب في ا