الحوار المتمدن - موبايل



قرآن واحد أم أكثر من قرآن

محمد اسماعيل

2018 / 6 / 14
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


من المتعارف عليه هو وجود قراءات مختلفة ومتباينة للقرءان لدى المسلمين.
ويسود الاعتقاد لدى العامة أن هذا الاختلاف بين القراءات هو نتيجة لاختلاف لهجات العرب ، لهذا أنزل الله القرءان على سبعة أحرف وذلك كتيسير من الله على قبائل العرب.كما بحديث عمر بن الخطاب*قال : سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها عليه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها فكدت أن أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ثم لببته بردائه فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرأ فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ . فقال : هكذا أنزلت . ثم قال لي اقرأ فقرأت فقال هكذا أنزلت . إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسّر منه . رواه البخاري ( 2287 ) ومسلم ( 818 ) .*

وهذا ظن خاطئ ، ويعقب شيخ الاسلام ابن تيمية ردا على هذا الاعتقاد : "*لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن :*(الأحرف السبعة)*التي ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن القرآن أنزل عليها،*ليست هي (قراءات القراء السبعة المشهورة)، بل*أول من جمع قراءات هؤلاء، هو الإمام أبو بكر بن مجاهد، وكان على رأس المائة الثالثة ببغداد، فإنه أحب أن يجمع المشهور من قراءات الحرمين والعراقين والشام؛ إذ هذه الأمصار الخمسة هي التي خرج منها علم النبوة من القرآن وتفسيره، والحديث والفقه، من الأعمال الباطنة والظاهرة، وسائر العلوم الدينية، فلما أراد ذلك جمع قراءات سبعة مشاهير من أئمة قراء هذه الأمصار؛ ليكون ذلك موافقًا لعدد الحروف التي أنزل عليها القرآن، لا لاعتقاده أو اعتقاد غيره من العلماء أن القراءات السبعة هي الحروف السبعة، أو أن هؤلاء السبعة المعنيين هم الذين لا يجوز أن يقرأ بغير قراءتهم.
ولا نزاع بين المسلمين أن الحروف السبعة، التي أنزل القرآن عليها لا تتضمن تناقض المعنى وتضاده، بل قد يكون معناها متفقًا، كما قال عبد الله بن مسعود: إنما هو كقول أحدكم: أقبل، وهلمَّ، وتعال."

لذا فالمتعارف عليه لدى العلماء أن القراءات السبع او العشر هى على حرف واحد من تلك الاحرف السبع.
ولو تتبعنا تلك الاختلافات بين القراءات سوف ندرك أنها بالأساس حاصلة نتيجة انعدام النقاط والحركات فى النص الاصلى للقرءان فاحتمل المصحف أوجها عدة لقراءته، ما أتاح تباينات فى المعنى القرءانى.
ولو أن الأمر كان قد توقف على اختلاف القرآن لاختلاف اللهجات من إمالة و ترقيق وتفخيم وغير ذلك لهان الأمر ،فنحن لسنا ازاء قرءان واحد متفق فى المعنى. بل عدة نماذج مختلفة للقرءان نتيجة اختلاف القراءات..

وسأوضح هنا بعض الامثلة، وسيكون مرجعى هو القراءات العشر المتفق عليها والتى يتعبد بها المسلمون فى صلاتهم والمعتد بها كأحد الاحرف السبع :

1-من الذى يملى للذين ارتدوا على ادبارهم - اى يمهلهم ويمد فى آجالهم - فى هذه الآية ؟؟ الله ام الشيطان

قراءة يعقوب :
"إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأُمْلِى لَهُمْ*". محمد (25)
بضم الهمزة وكسر اللام فى (املى) فيكون الفاعل ضمير مستتر تقديره "انا" اى الله

قراءة البقية :
"إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُم"ْ*. محمد (25)
بفتح الهمزة واللام فى (املى)فيكون الشيطان هو من أملى لهم .



2-لماذا عاقب الله قوم سبأ ؟؟
هل لأنهم ارادوا ان يباعد الله بين اسفارهم ؟؟
ام لانهم ارادوا المقاربة بين اسفارهم؟؟

قرأ عامة القراء عدا يعقوب:
فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ سبأ(19 )
(ربنا)هنا منصوبة لأنها اسم منادى بالدعاء والآية توضح أن ثمة تقارب فى الاسفار لديهم وأن مدنهم متصلة ومتقاربة فيما بينها لهذا يطالبون الله بالمباعدة بين اسفارهم.

لا ليس الأمر على هذا النحو

قراءة يعقوب :
فَقَالُوا رَبُّنَا بَاعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ سبأ(19)
(ربنا )خبر مرفوع و(باعد) بفتح العين والدال فيكون المعنى هو اخبار وتشكى بما هو حاصل لهم بالفعل من تباعد بين أسفارهم ، فالمعنى هنا مناقض لما هو عليه فى القراءة الأولى .
ففى قراءة العشرة عدا قراءة يعقوب التباعد بين الاسفار هو منعدم وغير موجود لهذا يطالبون الله بإيجاده بينما هو فى قراءة يعقوب هو موجود بشدة بل يتشكون من كثرة وجوده.


3-ماذا فعلت زوجة لوط؟؟
هل خرجت معه ام بقيت بالمدينة؟؟

قالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) هود*

قرأها ابن كثير المكي وأبو عمرو البصري*"امرأتُك" بالرفع على أنه بدل من أحد ، وعليه فالمعنى : أنه أمر*لوطا*أن ينهى جميع أهله عن الالتفات إلا امرأته
كما فى تفسير الطبرى:
وقرأ ذلك بعض البصريين (إلا امْرَأَتُكَ) ، رفعًا بمعنى: ولا يلتفت منكم أحد ، إلا امرأتك فإن لوطًا قد أخرجها معه، وإنه نهي لوط ومن معه ممن أسرى معه أن يلتفت سوى زوجته، وأنها التفتت فهلكت لذلك


قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) هود*
وقرأها الباقون بالنصب فتكون"امرأتَك".
يقول الطبرى:
*فإن عامَّة القراء من الحجاز والكوفة، وبعض أهل البصرة، قرأوا بالنصب(إلا امْرَأَتَكَ) ، بتأويل: فأسر بأهلك إلا امرأتك، وعلى أن لوطًا أمر أن يسري بأهله سوى زوجته، فإنه نهي أن يسري بها، وأمر بتخليفها مع قومها.

وفى هذا يقول الزمخشرى
روي أنه أخرجها معهم ، وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي ، فلما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت : يا قوماه ، فأدركها حجر فقتلها . وروي أنه أمر بأن يخلفها مع قومها ، فإن هواها إليهم ، فلم يسر بها . واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين
.
وبالتالى يكون على قراءة الجمهور فهو لم يسر بها من الاساس، بينما على قراءة*أبي عمرو*،*وابن كثير*: أنه أسرى بها والتفتت فهلكت .*


4-ماهو الواجب فى الوضوء؟؟
غسل القدمين ؟؟ ام مسح القدمين ؟؟ أم وجوب الغسل والمسح؟؟ أم الاختيار بين الغسل أو المسح.

*يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: 5/ 6].
قرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص: وَأَرْجُلَكُمْ بالفتح، فتكون معطوفة على الوجوه والأيدي؛ ويكون وجوب الغسل فى الارجل


يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: 5/ 6].
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر: (وأرجلكم) خفضا، عطفا على الرءوس.
فيكون وجوب المسح لا الغسل .


وعليه فقد تخبط المسلمون وحاروا وداروا كنتيجة لاختلاف القراءات
فعلى قراءة النصب يكون وجوب غسل الأرجل
وهذا مذهب مالك وأبوحنيفة والشافعى واحمد بن حنبل .

اما بقراءة الخفض يكون وجوب المسح على
وهذا ماعليه مذهب الشيعة وما عليه بعض الصحابة والتابعين من أهل السنة.
عن ابن عباس ، قال : الوضوء غسلتان ومسحتان
وعن أنس كان إذا مسح قدميه بلهما ، ولما خطب الحجاج وقال : ليس شئ من ابن آدم أقرب إلى خبثه في قدميه ، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما ، قال أنس : صدق الله وكذب الحجاج ، قال الله : {*وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ*} وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما .
*وعن عكرمة ، قال : ليس على الرجلين غسل ، وإنما نزل فيهما المسح .
*وعن الشعبي قال : نزل جبرئيل بالمسح وقال : ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلا ويلغى ما كان مسحا .
*وعن عامر : أمر أن يمسح في التيمم ما أمر أن يغسل بالوضوء ، وأبطل ما أمر أن يمسح في الوضوء ، الرأس والرجلان . وقيل له : إن أناسا يقولون : إن جبرئيل نزل بغسل الرجلين فقال : نزل جبرئيل بالمسح .
*وعن قتادة في تفسير الآية : افترض الله غسلتين ومسحتين .

*ونُقِلَ عن أحمد بن حنبل في أحدى الروايات بأنه جوَّزَ المسح ، وقال داود الظاهري امام المذهب الظاهري بوجوب الجمع بين الغسل والمسح في الوضوء، وقال الاوزاعي وسفيان الثوري وابن جرير الطبري والحسن البصري بأن المسلم مخيَّر بين الغسل وبين مسح الرجلين .

قد يظن البعض ان اختلاف القراءات هو اختلاف مقصود .. ونحن هنا نتساءل هل كان اختلاف المسلمين فى الاحكام وتخبطهم لاختلاف القراءات هل كان مقصودا هو الآخر.
أليست قراءة واحدة جامعة كانت كفيلة برأب هذا الصدع ومنع الاختلاف وتوحيد كلمة المسلمين.
فربما جوزنا الاختلاف فيما ليس به نص لكن أن يكون الاختلاف سببه النص فهذا عجيب.







اخر الافلام

.. السلطات الفرنسية تغلق مركزاً إسلامياً تابعاً للطائفة الشيعية


.. من يفتي عن سوء اجتهاد يشوه صورة الإسلام والمسلمين


.. بين موائد الصائمين المسلمين والمسيحيين .. ما هو أصل الفتوش؟




.. أمين الفتوى: الإفتاء فرض كفاية ومنصب شريف وعظيم


.. مصر: دير الدومنيكان يحتضن واحدة من أكبر المكتبات العربية وال