الحوار المتمدن - موبايل



إشكاليات العمل المدني بين الجماهير

عباس علي العلي

2018 / 6 / 19
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية


من خلال التجربة التي عشتها كناشط مدني يسعى لبلورة مشروع جامع وطني موحد يتخذ من الإيمان بالتحول المدني الأجتماعي طريقا لبناء دولة حديثة ذات نظام سياسي مستقر ومجتمع متفاعل خارج عن تفاعلات الواقع الراهن بما فيه من علائق تاريخية وأجتماعية مورثة، هو حالة عدم القدرة على فهم تخلف القوى المدنية من الأنضواء تحت مشروع واحد بدل التشظي والتفرق وظهور ما يسمى بظاهرة تعدد الرؤوس مع وحدة الهدف وتماثل الفكرة بينهما، الحقيقية هناك أمر محير عندما تطرح مشروعا طموحا خلاقا واسعا ومستوعبا كل الإشكاليات والمعوقات التي تعترض طريقنا نحو التجديد والبناء نرى عزوفا غير مبرر وتساهلا لحد السذاجة في تناول الطروحات الفكرية وتجاهلها، بينما ينجح السياسيون التقليديون في طرح أفكارهم والتي غالبا لا تتماهى لا مع حاجات المجتمع ولا تنتمي لهمومه، وأيضا يعلم السياسي والشعبي أنها مجرد شعارات للوصول للسلطة أو تأكيد للوجود الدائم فيها، إذا هناك مشكلة حقيقية لا بد من البحث عنها وتشخيصها ثم تجاوزها في العمل المستقبلي الذي يضمن للوجود المدني حضور فاعل ومنتج في وسطه الطبيعي بين الناس.
مشكلات التنظيم في الوسط المدني أن القائمين على المبادرات الداعية إلى هذا الفكر ومن خلال طرح أساسيات التنظيم وهو المشروع السياسي والفكري له، لا يلتفتوا إلى نقطة مهمة أن المدنيون عموما ليسوا متأدلجين ولا يمكن جمعهم تحت أيديولجية محددة، بل الغالب فيهم هو التيار الليبرالي الذي يسعى للأنعتاق من أرتباطات السياسة والتنظيم، لذا فهم عادة ما يطرحون فكرة أنهم مع الهدف الذي يجسد لهم مبدأ الحقوق والواجبات وحدود المواطنة والمشاركة الواسعة للمجتمع في صنع القرار الأجتماعي، فهم أيضا لا يفرضون حلول تنظيرية قبل الشروع في العمل الجدي وخوض التجربة عن قرب، لذا فوضع برنامج طويل وعريض من الحلول والأفكار التي يرى فيه الدعاة المدنيون رؤية متكاملة لا يمكن تنفيذها ولا يمكن الأتفاق عليها ، لذا لا نجد هذا الحماس الضروري واللازم للأنخراط في العمل الميداني، وبدلا من ذلك لا بد من البناء على فكرة واحدة جامعة تؤسس لعمل مشترك جماعي عام ثم أنتظار تطورات هذا العمل وكيفية إدارته لتكوين الخبرة والرابط الضروري قبل المباشرة بطرح أستراتيجية لا أول لها ولا أخر والنتيجة المتوقعة أننا عاجزون أن نجتمع حولها أو ننفذ جزء بسيط منها، مما يشكل علينا عبء أضافي وفشل متوقع لا محالة منه.
من دراسة المصرية الشعبية والتي كثيرا ما أنبهرنا بأدائها ونجاحها دون أن ندرس أسباب النجاح والعلل التي ساندتها في تحقيق الهدف، والتي نجحت بإسقاط نظامين خلال سنه واحدة لم تعتمد ما يعتمده المدنيون العراقيون من وضع خطط وبرامج لا اول لها ولا أخر، ولكنهم أجتمعوا على فكرة جامعة واحدة تستقطب الجميع وفيها يتشاركون الأهداف بالرغم من التفاوت الفكري أو العقائدي وحتى النفسي، الكلمة الأولى كانت ضد حسني مبارك أختصورها بكلمة (كفاية)، كفاية فساد... كفاية توريث... كفاية تمسك بالسلطة... كفاية سرقات... كفاية فساد ... الخ، نجحوا بتجميع العالم من حولهم، لم يضعوا برامج سياسية ولم بنظروا لحلول أعجازية في الخيال، في المرحلة اللاحقة أيام محمد مرسي كان شعارهم أيضا من كلمة واحدة (أرحل) رفضا لأسلمة مصر المسلمة أصلا أي رفضا لما يعتبره الكثيرون (أخونة المجتمع المصري والعودة به إلى أيام دولة بني أمية أو بني العباس)، أو ديننة المجتمع المتسامح دينيا المتألف مع ذاته وم مختلف الأديان والذي يعتز من جهة أخرى بشخصيته ومدنيته، هكذا نجحوا دون أن يكتبوا قائمة طويلة وعريضة من الأفكار والوعود التي لا تنجح دولة مستقرة ونظام فاعل في أتمامها وتحقيقها، لذلك أغلب الذين يقرأون ما يكتب بالبيانات السياسية والفكرية واثقين أن كل ذلك مجرد كلام لا أمل في نجاحه أو تنفيذه.
العمل المدني الليبرالي الذي يعتمد قيم الأدارة وقوانينها بدل قوانين السلطة الحاكمة ومفاهيمنا الخاصة والعامة عنها، لا يمكن أن يعود مرة أخرى لذات المفاهيم التي يسعى لنقضها وإبدالها، الفكرة المدنية في واحد من وجوهها أن تترك للمجتمع المدني المنظم والذي يعمل تحت مفاهيم المسؤولية الجمعية عليه هو أن يعمل على إيجاد الحلول والأجابات على المشاكل الأجتماعية التي تعترضه وليس من خلال الوصاية المسبقة عليه، المجتمع المدني مجتمع مبدع وخلاق يصنع وجوده بوجوده ومن خلال التجربة والفعل المشارك في أستخلاص النتائج والعبر والدروس، فلا مجال لرسم حدود أو خريطة طريق سابقة له وإلزامه بها، (دعه يعمل دعه ينتج دعه يعيش حر) ليكن هذا الشعار الذي نعتمده في مسيرة البناء والتجديد، وأن لا نعود للتفكير القديم والذي أورثنا هذا الكم من الإشكالات المستعصية في كل المجالات من خلال فرض رؤى وأستراتيجيات صنعت في مخيلة القادة دون أن تلامس حقيقة المجتمع ومشاكله ورؤيته لها.
المشكلة الأخرى التي يعاني منها المدنيون في مجتمع تقليدي لم يستوعب بعد هول الصدمة من خيبته التي نتجت عن خياراته الأستراتيجية عندما قدم أصحاب الفكر الديني وشعار الإسلام هو الحل، أنهم لم يقدموا فكرتهم ناضجة ومميزة وغير مختلطة مع مفاهيم أخرى مثل الليبرالية الغربية والعلمانية السياسية، هذا المجتمع المصدوم بالحلول القطعية لم يملك بعد الوعي اللازم للتفريق بين تلك المفاهيم والفلسفات المطروحة ويتصورها أسماء متعددة لمسمى واحد هو الخروج الحتمي عن جلده الديني والعقيدي، وكأن المدنيون يطلبون منه الأختيار بين الإيمان والكفر، هذه النقطة الهامة والحساسة لا بد من العمل على توضيحها للناس من أن المدنية نظام إداري لتيسير دفة عمل الدولة ومؤسساتها ولا علاقة له بالمعتقد الديني ولا بما يختاره الأفراد من خصوصيات، المدنية بالأخر تعني التبادل الضروري والأمن للسلطة بمفهومها إدارة تعمل على تنظيم شؤون المجتمع وفقا للقانون وليس أكثر من ذلك.
إن مشكلة تعثر الجهد المدني في الأنتشار بين طبقات المجتمع لها أسباب نفسية في الغالب، وأسباب فكرية تتعلق في فشل القادة المدنيون في طرح المدنية كخيار حر ينقذ المجتمع من تسلط الفكر الأيديولوجي المقنن والمنغلق على ذاته، وعلى هذه النقطة يجب التركيز في طرح الفكرة المدنية بأعتبارها تحرر الإنسان والمجتمع من قناع يراد لها أن يتلبس العقل البشري ويعيد صياغة مفاهيم الحرية بتكريس حرية الأيديولوجية بدل حرية الفرد والمجتمع، هذا التناقض الذي سد الطريق أمام الإنسان في إعادة أكتشاف ذاته ومن ثم البحث عن خيارات أكثر ومفاهيم أوسع حول دور الدين والعقيدة والعرف والأخلاق والقانون في تنظيم شؤونه بما يتناسب مع حركة الزمن والتطور والأنعتاق من حالة العبودية للسلطة حتى لو كانت ناجحة في جزء مهم من وظيفتها، لأن النجاح النسبي لا يشكل علامة صحة دائما إلا إذا رافقه خيار التجديد والحرية والأنسنة.







اخر الافلام

.. Socialism 2018


.. الماركسية والصهيونية. ما رفع عنه السرية من أوراق الأممية الش


.. حزب التجمع اليمني للاصلاح ينتقد قطر




.. الكتلة البرلمانية لحركة نداء تونس تقيل 5 من نوابها


.. بيان الفصائل الفلسطينية يعلن تثبيت وقف إطلاق النار تقديرا لل