الحوار المتمدن - موبايل



اللانظام وتقويض فرص الأستقرار في المنطقة

أحمد إبريهي علي

2018 / 6 / 21
مواضيع وابحاث سياسية


اللانظام وتقويض فرص الأستقرار في المنطقة
الدكتور احمد ابريهي علي
ان الحروب التي تعانيها شعوب المنطقة وفشل الدول وحتى عجزها او انهيارها هي فوضى وازمات يولدها اللانظام وليست صدفة، او نتيجة اخطاء هنا وهناك، بل لضعف او حتى غياب المرتكزات الظرورية لتكوين وترسيخ النظام المعاصر، والوحدة الأساسية له هي الدولة المستقلة ذات السيادة. وذلك بموجب المنظومة المعيارية التي تستند اليها ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي تسمى تنظيم او نظام العالم World Order، وتعود جذورها الى معاهدات وستفاليا الموقعة بين مايس وأكتوبر من عام 1648 بعد حرب الثلاثين عاما. والسيادة sovereignty في اصلها اللغوي من سيد sovereign بمعنى الذي لا يخضع لغيره، ولذا فإن الأستقلال جوهر السيادة بالتعريف. وكان المتوقع ان حرب الخليج الثانية وكل المصائب التي اعقبت اجتياح العراق للكويت، بما في ذلك احتلاله وما جرى فيما بعد، توقض الأذهان الى ضرورة احترام الدولة بصفتها الحقيقة الكبرى في السياسة. وان الصلات الدينية والقومية وسواها لا تسمح بمصادرة استقلال وسيادة هذه الدولة او تلك تحت اية ذريعة مثل افتقاد حكومتها للشرعية الديمقراطية او اضطهادها لشعبها او" عمالتها" او لتحالفها مع اعدائنا وسوى ذلك. كما ان مواثيق الأمم المتحدة تؤكد ان الدول متكافئة في سيادتها رغم اختلافها في الحجم السكاني والحيز الجغرافي والقوة بجميع مصادرها، اقتصادية وتقنية وعسكرية، او غيرها. وقد لا نختلف على ان الأرتقاء الأخلاقي هو الوجه الآخر لسنن التطور، والذي يتضمن تهذيب السلوك الفعلي تدريجيا وتقليص مديات انحرافه عن قواعد المنظومة المعيارية، وبخلافه نسلّم، منطقيا، بامكانية الأرتداد الى المرحلة الوحشية، وهو مُحال في جميع ما وسعني الأطلاع عليه من النماذج النظرية للتطور والكتابات الفلسفية ذات الصلة.
ومن المعلوم ايضا ان النظام الدولي، آنف الذكر، يسميه كثيرون بانه نظام امريكي وأحيانا غربي بدلالة الهيمنة، زعامة أمريكا للغرب وهيمنتها على العالم. وان عقيدة الهيمنة الأمريكية وارث القيم الاستعمارية للدول الاوربية الكبرى، وعوامل اخرى، حالت دون تبلور نظام سياسي للعالم يساعد الدول الضعيفة والمتخلفة على الأستقرار والتطور. والى نهاية الثمانينات من القرن الماضي كان الأتحاد السوفيتي، والنسق الدولي للأشتراكية بما فيه الصين، مناهضا للهيمنة الأمريكية. ومنذ نهاية السبعينات اتجهت الصين لبناء قوة اقتصادية عبر الاندماج التنافسي في السوق الدولية. وتراجع الأتحاد السوفيتي نحو التفكك، ومن ثم اندراج روسيا في نظام العالم الذي تهيمن عليه امريكا، ولا زالت سياستها تجريبية بين الاكتفاء بالاستقلال او السيطرة على المجال القريب، والتنافس بحذر هنا وهناك.
ايام القطبية الثنائية، بين مطلع الخمسينات حتى اواخر الثمانينات، كانت الولايات المتحدة مشغولة في سياستها الخارجية بالحد من انتشار النموذج السوفيتي والحفاظ على التحالف الغربي، ودعم الليبرالية الاقتصادية ومساندة الحكومات التقليدية لمحارية الشيوعية. ومع ضعف الأتحاد السوفيتي ثم انهياره تزايد اندفاعها لتأكيد الهيمنة في سلوكها الفعلي واستراتيجياتها المعلنة وثقافة العمل في دوائر السياسة الخارجية.
ومنذ سقوط الملكية في ايران مرورا بالحرب العراقية الأيرانية والى يومنا هذا لا نبالغ عند وصف السياسة الأمريكية في المنطقة، ومعها بريطانيا وفرنسا بدور محدود، بانها لا عقلانية واستعلائية ولا تكترث بحق الشعوب في الامن والأستقرار والأزدهار. واضافة على ذلك توجد الكثير من الدلائل على ان سياسة امريكا، هذه الدولة العملاقة، تؤثر فيها لوبيات، مجموعات ضغط، تعمل لصالح دول اجنبية وبمعرفة البيت الأبيض والكونغرس، ومصالح صغيرة وشبكات علاقات شخصية لا تليق باية دولة. والمقصود باللاعقلانية بان تلك السياسات ليست ضرورية لأمن الولايات المتحدة، دع عنك المبالغات في تعريف الأمن والتهديدات الأمنية لتبرير التدخلات والحروب، ولا هي نافعة لأقتصادها، ولا تساعد على تحسين صورتها ومكانتها المعنوية في الخارج.
لقد كانت الولايات المتحدة طرفا في جميع نزاعات دول المنطقة وحروبها الأهلية، ولم تحترم واجبها بصفتها الدولة الراعية لنظام العالم، وتتصرف بحياد ونزاهة، لأطفاء تلك النزاعات وتجنيب هذه الشعوب المظلومة الحروب والخراب وضياع فرص العدالة والتنمية.
تلك البيئة الدولية تفاعلت، دائما، مع جميع القوى والتوجهات الناقضة لفرص تشكّل وتجذّرالنظام في المنطقة. لأن المعضلة في وجود اكثر من جغرافية سياسية، واحدة منها ترسمها حدود الدول، والى جانبها جغرافيات اثنية –ثقافية قوية وفاعلة. وتلك التكوينات متنازعة وضاغطة لتوظيف امكانات الدولة وعلاقاتاها الدولية في مجريات تناحرها. لقد كانت الدول الناشئة في صراع حاد مع هوية عابرة للحدود الرسمية وطامحة لتأكيد ذاتها في دولة بديلة، واستمر التوتر دون الوصول الى تسوية . ولقد عمق الأعلام والخطاب الديني، في عموم المنطقة، الذي رافق الحرب العراقية الأيرانية ،وما بعدها، الأحساس بالهويات المتجاوزة للدول. وتدريجيا تراجعت قوة الأنتماء الأثني، اللغوي، لصالح الهويات الدينية، ثم الأنتماءآت المركبة، دينيا- اثنيا، وتلاشت في اذهان الناس الجغرافية السياسية التي ترسمها الدولة لتأخذ مكانها جغرافيات فوضوية.
لاشك ان التنوع الديموغرافي حقيقة لا يمكن التقليل من شأنها في المنطقة، وعندما يتعمق الأحساس بالأنتماء الديني اوالأثني الى الأنفراد في وعي الذات الجماعية، ويسيطر على الأرادة السياسية لتلك الجماعات، تغيب عن الوجدان قيمة الدولة وحدودها، وتنساق الحكومات خلف هذا الضياع، وبالنتيجة تصبح العداوات والأستعداد للحروب او خوضها مباشرة او بالنيابة هي السياسة الحاكمة.
وثمة نزعات اخرى لها دورها في تقويض فرص بناء النظام تتمثل في احساس المجموعات الحاكمة، في هذا البلد اوذاك، بأن لها حق امبراطوري تحت اغراءآت التفاوت الحاد في قدرات دول المنطقة اقتصاديا وعسكريا، او بتأثير خداع تمثيل الجماعة الدينية، بما يعني انتشار النفوذ السياسي للمجموعة الحاكمة على الأمتداد الجغرافي للهوية الدينية.
وهنا ايضا يشتبك مطلب الهيمنة الأمريكية، و"أمن اسرائيل"، والنزاع الأمريكي الأيراني مع كل ما تقدم لتصل الفوضى حد الجنون في العبث وسفك الدماء. امريكا مصرة على تشغيل جميع تلك العناصر الهدّامة في تحيزها لأسرائيل، وفي نفس الوقت وبنفس القوة تنسج التحالفات وتوظفها، مع اضطراب المنطقة آنف الذكر، في نزاعها مع ايران. وأكدت مثل هذا الأستعداد في اكثر من مناسبة، غير آبهة بالكوارث الأنسانية المحتملة، ولو عمّت الفوضى من افغانستان الى المحيط الأطلسي مرورا بتركيا وايران. بينما تقتضي اخلاق الحضارة المعاصرة تجنب ايقاض او تعنيف الخصومات الدينية الموروثة في مجتمعات المنطقة لخدمة اهداف سياسية.
الأطروحات المتداولة للخروج من هذا المأزق ليست فاعلة وبعضها تفترض ضمنا عدم وجود هذه المشاكل اصلا، او دواء يوصف للمريض بعد الشفاء. فمن هي الجهة القادرة على اعادة صياغة الوعي للأعتراف النهائي بالدولة وفرض احترام حدودها وسيادتها واستقلالها على الجميع. وكيف يمكن تصوروصول المؤسسات الصانعة للراي العام، وبعضها مرتزقة او عصابية في تعصبها، الى قناعات راسخة بأن كافة الجماعات الدينية والأثنية لها حقوق متكافئة في الوجود، سياسيا وثقافيا وانسانيا وفي الامن وفرص الرفاه والأزدهار، وان المصالح العليا للشعوب تتطلب تعميم طرائق التفكير والنظر التي توصل الى تلك القناعات. واصبح من الواضح الجلي انه ما لم تتمكن شعوب المنطقة من اقامة نظام سياسي على هذه المنظومة المعيارية فالمستقبل مجهول وتبقى مهددة بالاضطراب والأنتكاسات.
لا بد ان تضمن كل المجموعات السكانية فرصتها في مستقبل آمن، والأعتراف بالدول بصفة نهائية ، وادانة التعبئة الحربية الدينية والقومية، وكبح التطلعات الأمبراطورية. والحاجة ماسة الى ثقافة تقود لتحويل المنطقة الى جغرافية انسانية يسودها النظام والتسامح وعلى اساس القبول غير المشروط بالتنوع، وان كل فرد من اية جماعة ومكان له نفس الحق وعليه الواجبات التي تقتضيها عضويته في الأجتماع الأنساني. من الضروري ان تتكاتف جهود الخيّرين للدعوة الى تفاوض جماعي يؤسس لتعاون دائم وانفتاح بين جميع دول المنطقة وجماعاتها. وتبقى معضلة "امن اسرائيل" وسياسة امريكا وحقوق الشعب الفلسطيني المظلوم في البؤورة المولدة للأضطراب، فما العمل.







اخر الافلام

.. -عكس ما كنا نتوقع- المقتنيات الثمينة تضر بجاذبيتك | اليوم


.. طالب يحل 6 مكعبات -روبيك- بنفس واحد تحت الماء لدخول غينيس


.. كيف تغيرت وجبة -هابي ميل- من ماكدونالدز عبر السنين




.. طهران تتحدى عقوبات واشنطن بالإصرار على تطوير قدرتها الصاروخي


.. نافذة خاصة لتغطية توافد حجاج بيت الله الحرام إلى منى لقضاء ي