الحوار المتمدن - موبايل



لا منطق الدولة الجزائرية في تعاملها مع الاستفتاء وتقرير المصير

سعيد الوجاني

2018 / 6 / 22
مواضيع وابحاث سياسية


كيف تتعامل الدولة الجزائرية مع الاستفتاء وتقرير المصير في نزاع الصحراء الغربية المغربية ؟ هل تتعامل معهما كحق يخص الشعوب التي يحتلها استعمار قومي ، وهذا غير موجود في الحالة المغربية ، ام انها تتعامل مع الاستفتاء وتقرير المصير كشعار ، يوظفه الحكم الجزائري في خدمة أغراض ضيقة وخاصة ، لا علاقة لها بالمعنى الاممي من الاستفتاء ، وتقرير مصير الشعوب التي تخضع للاستعمار ؟
فإذا كانت الجزائر تتعامل مع الاستفتاء كحق ، فان هذا الحق قد تم الاستجابة له عندما استرد المغرب صحراءه ، وهو ، أي المغرب ، من كان وراء مطلب الاستفتاء كحل للنزاع ، حين كان ثنائيا يهم دولتين ذات سيادة ، هما المغرب الذي تُحتل أراضيه ، واسبانيا التي تحتل تلك الأراضي ، ولم يكن هناك دخلاء ثالث ورابع ، يطالبون بحل غير حل عودة تلك الأراضي الى الدولة الام .
وهنا لنتساءل . لماذا وحتى سنة 1975 ، كان الغرض من الاستفتاء ، هو تحديد موقف السكان من الوضع القائم . هل يريدون العودة الى المغرب ، ام انهم يريدون الاستمرار في العيش تحت السيادة الاسبانية ؟
ولماذا بعد ان أصبحت الجزائر طرفا ثالثا دخيلاً منذ 1974 / 1975 ، اضحينا امام اقتراح حل ثالث ، هو الانفصال وتأسيس الجمهورية ؟
وإذا كانت الجزائر هي من أسست الجمهورية الصحراوية في 27 فبراير 1976 ، وتم الاعتراف بها من قبل النظام المغربي ، عندما اعترف بالقانون الأساسي للاتحاد الافريقي ، لماذا لا تزال مصرة ، ومتشبثة بحل الاستفتاء الذي اضحى اليوم متجاوزا ، بعد انشاء الجمهورية الصحراوية ، وبعد اعتراف النظام المغربي بها ؟
هل تشكك الجزائر في مشروعية صنيعتها ، ام انها بصدد الاعداد للتأسيس لجمهورية جديدة ، يكون المرور اليها عن طريق الاستفتاء ، لإضفاء اعتراف الأمم المتحدة بها ، ومن ثم إعطائها مشروعية ومصداقية الوجود ؟
وبالرجوع الى قرارات الأمم المتحدة ألصادرة منذ 1960 ، فهي كانت تتعامل مع الصحراويين كسكان ، ولم تكن تعتبرهم شعبا على الاطلاق . وهذا بخلاف قرارات مجلس الامن التي دأب يصدرها منذ سنة 1975 ، والتي لأول مرة ، وفي تصور شاد عن المألوف ، وشاد عن القاعدة المحددة لتعريف مجموعة سكان بانهم فعلا شعبا ، سيبدأ مجلس الامن في انقلاب غير مفهوم ، بإضفاء اسم الشعب على مجموعة سكان ينتمون تاريخيا ، وعرقيا ، ولغويا لشعب ودولة ، كانت تطالب بعودة الأراضي المحتلة الى أصحابها ، قبل ظهور دخلاء افسدوا الجوار ، وعرقلوا مسار التاريخ الصحيح ، طمعا في ان يأتي يوم يتم فيه اقتطاع الصحراء من المغرب ، والحاقها بالجزائر . وهو الرجاء الذي انكشف من خلال حملات الدعم المتواصلة ، التي توفرها الدولة الجزائرية في المحافل الدولية لمطلب الانفصال .
ان الجزائر في تشبتها بملف الصحراء ، فهي تستعمل حق الشعوب في تقرير مصيرها ، بهدف الوصول الى تحقيق الحلم الجزائري بملامسة مياه الأطلسي ، فهي لم تعد تكتفي بقبول ممر نحو المحيط ، بل تراهن وبكل طاقاتها ، من ان تصبح حدودها الجغرافية على طول شواطئ المحيط الأطلسي .
فهي حين تحتضن البوليساريو ، وتوفر لهم كل الدعم الدولي والمحلي ، وحين تروج للجمهورية الصحراوية ، فالمخطط الذي تعمل عليه الدولة الجزائرية ، هو بناء اندماج بين الدولتين ، في شكل فدرالية او كنفدرالية تصبح محاطة ومطوقة للمغرب ، في اطار صراع النفوذ بالمنطقة .
إذا كان المشروع الجزائري المفضوح ، مفهوما بالنسبة لاعتبارات تخص الجيو – البوليتيك ، وتخص الجيو – استراتيجية الدولة ، فان المفاجئ الغير المفهوم ، حين تنبري أصوات مغربية ،بالترويج والدفاع عن هذا المشروع الخطير الذي يهدف في الصميم ، تقسيم المغرب وتشتيت شعبه .
فمنذ شروعي في اصدار سلسلة دراسات حول الصحراء ، وحول الموقف الجزائري من النزاع ، وانا اتلقى عبر الخاص ، ردوداً من اشخاص يدعون انهم مغاربة ، يطلبون مني ان ابتعد عن الصحراء ، وان ابتعد عن الجزائر ، بل وبكل وقاحة قل نظيرها ، أصبحت بعض الأصوات المبحوحة ، تحدد لي مجال الكتابة وموضوعها ، وكأنني اعمل خمّاساً في ضيعتهم .
ومن خلال تفحص كل الردود ، وجدت ان المبررات التي استند اليها هؤلاء ، لا تفي بالطلب . فلكل متدخل مصالحه الخاصة ، واسبابه الخاصة كذلك ، لكن الجميع رهن خدمة الدولة الجزائرية .
--- هناك الخبزيون الذين رددوا سبب فشلهم الاجتماعي والمادي الى مشكل الصحراء المفتعل ، كأن يقول بعضهم " أشْ أعْطاتْنا هادْ الصحراء ، منْهارْ جاتْ واحْنا اللُّورْ اللُّورْ " . أي فهم اصل الصراع من زاوية خبزية .
--- وهناك من يرى ان ضرب شعار مغربية الصحراء ، هو ضرب للنظام ، وضرب للطبقة المرتبطة به ، واللذين وحدهم يستفيدون من خيرات الصحراء ، من فوسفاط وسمك ...الخ .
--- وهناك من يعارض مغربية الصحراء نكاية في النظام ، معتقدين ان ملف الصحراء سيكون الباب لرئيسي لإسقاط النظام ، وبناء نظام آخر محله .
--- وهناك من يتحايل على المبادئ العامة للقانون الدولي ، ويتحايل على ميثاق الأمم المتحدة ، معتبرا ان فصل الصحراء عن المغرب ، هو حق يبقى بيد ( الشعب الصحراوي ) ، والمرور له يكون باعتماد الحل الديمقراطي ، الذي هو الاستفتاء وتقرير المصير . أي إضفاء مشروعية قانونية ودولية لتبرير الانفصال والتقسيم .
ان كل هذه المواقف والتبريرات ، واياً كانت الحجج التي تستند عليها ، فهي مواقف خاطئة ، تنم عن قصور عقلية أصحابها .
فمن يعتقد ويتصور ، ان انفصال الصحراء عن المغرب سيعجل بأسقاط النظام ، سيكون مصطولا ومخبولا . فالانفصال لا ولن يكتفي بالإسقاط ، بل سيسقط كل المغرب ،وليس فقط الصحراء والنظام . فعن أي نظام بديل يتحدث هؤلاء ، إذا انفصلت الصحراء ، وتسببت في انفصال الريف ، وفي تقسيم المغرب ؟.
ثم كيف يتم تبرير الفشل الاجتماعي والمادي ، وتجاوزه بدعم انفصال الصحراء عن المغرب ؟ فإذا كانت البطالة والفقر ، وانعدام الخدمات الاجتماعية ، هي من صميم السياسة البنيوية للنظام ، فما علاقة وحدة الوطن ووحدة الشعب ، بهذا الفشل الذي قد يكون مصدره وسببه منْ يسوق للانفصال بمنهجية خبزية ، لا علاقة لها بالسبب الرئيسي للصراع بالمنطقة .
والغريب حين يتسرع أصحاب النظرة الضيقه هذه ، فيصفونني باني ( بوق ) المخزن ، ومندس ..... لخ ، رغم ان أسماءهم ليست حقيقية ، يستعملون اشباه أسماء ، ومنهم من لا توجد له صورة تعريفية .
والسؤال المطروح ، كيف يلتقي هؤلاء مع سياسة النظام في معالجة ملف الصحراء ؟ فهؤلاء الذي يطلبون بانفصال الصحراء لإسقاط النظام -- دواعي سياسية او دواعي خبزية -- ، لا يختلفون عن النظام الذي طرح قضية الصحراء لإنقاذه من السقوط ، فلو تيقن النظام ان انسحابه من الصحراء لن يؤدي الى سقوطه ، ما تأخر فيها ليوم واحد . النظام في ملف الصحراء اضحى في ورطة ، وامامه خيارين احلاهما مرًّ . خيار استمرار الوضع على ما هو عليه ، وههذا يعني المزيد من الاستنزاف ، ومزيدا من المشكال بالمناطق المسترجعة ، ومزيدا من المشاكل مع المنتديات الدولية المختلفة . كما ان التعويل على الستاتيكو سيكون مخالفا للتطورات المتسارعة التي تفرض نفسها في الساحة الداخلية والدولية ، وهنا لا ننسى اعتراف النظام بالجمهورية الصحراوية ، حين اعترف بالقانون الاساسي للاتحاد الافريقي . ثم حتى قبل هذا الاعتراف الخطير ، فقد سبق للنظام ان قبل واعترف بالاستفتاء في سنة 1982 ، وفي اتفاق الاطار الذي اعده جميس بيكير ، كما اعلن عن حل الحكم الذاتي من جانب واحد ، ودون استشارة الشعب .
والخيار الثاني والخطير ، هو الاستعداد للعودة الى الحرب التي ستبدأ عند بوار حلول مجلس الامن للنزاع الذي عمر لأكثر من ثلاثة وأربعين سنة . فالحرب ستكون مكلفة ، وستكون لها تبعات ومخلفات ، ستؤثر على الوضع الاجتماعي المتفاقم ، والوضع الاقتصادي الضعيف والهش .
ان التعويل على اقتسام المغرب ، لن يقتصر فقط على الصحراء ، بل سيشمل كل المغرب الذي سيتحول الى دويلات قزمية . وهنا في أي دويلة ستقيمون الدولة الجديدة ، وما هي حدودها وجغرافيتها ، وشعوبها .....لخ . ربما ستقع في هذا الحال حرب الحدود ، وستكثر الجنسيات ، وجوازات السفر ....لخ والدخول من دويلة الى أخرى سيتطلب تأشيرة دخول .
ان بناء الدولة الديمقراطية لا ولن يكون بالتواطؤ مع العدو الذي سيستفيد من اضعاف المغرب ، ولن يكون بناء هذه الدولة ولن يتحقق في الدويلات القزمية ، بل ان المدخل الأساسي لبناء الدولة الديمقراطية يكون من باب ربح معركة الصحراء ، ومن باب وحدة المغرب ووحدة الشعب .
الجزائر ومنذ سنة 1974 ، وهي تعمل المستحيل لضرب وحدة المغرب ، وضرب وحدة شعبه . فما من استراتيجية تفي بالمقصود ، الاّ ونهجتها في حربها ضدنا . ان مخططها ، هو إضعاف المغرب وإذلاله ، وتركيعه حتى يتحول الى ذيل جزائري مختص في تزويدها بالمواد الفلاحية والزراعية ، في حين تبني هي صناعتها الثقيلة المفلسة ، التي ستغزو بها القارة الافريقية من خلال سيطرتها على الصحراء . فنجاح الدولة الجزائرية يتوقف على اضعاف المغرب ، بالاندماج مع الجمهورية الصحراوية .
ومن بين الخطط الاستراتيجية الخطيرة التي اشتغلت عليها الجزائر منذ زمن ليس بالبعيد ، التأثير في اقناع الرأي العام المغربي الداخلي ، بفكرة عدم مغربية الصحراء ، وبخلق ايمان داخلي في نفوس الشعب ، بان قضية الصحراء يستفيد منها النظام ، وليس الشعب المغربي الذي يتحمل لوحده تكلفة حرب الصحراء ، سواء بأبنائه الذين يموتون لوحدهم في حرب الصحراء ، او يسقطون في الاسر لسنوات بعد ان تخلى عنهم النظام ، او من خلال تمويل نفقات الصحراء ، من خلال الضرائب المختلفة المفروضة على الشعب . فالهدف إذن هو خلق ( لوبي ) جماعة تشتغل من داخل وخارج المغرب ، لضرب أي فكرة تشرعن لأطروحة مغربية الصحراء ، أي سلاح التمدير من الداخل . وهو سلاح اكثر فتكا ، وخطورة من الحرب المباشرة إذا اشتعلت ، وهي نفس الخطة اسقطت الاتحاد السوفياتي السابقة من الداخل .
فعندما نلاحظ مثل هذه المواقف اللاّمسؤولة ، في التعاطي مع ملف الصحراء ، هنا يتضح لنا ضيق التصور والفهم عند أصحابه ، وهنا نطرح السؤال : هل حقا ان المخطط الجزائري نجح في خلق ( لوبي ) مغربي معارض لمغربية الصحراء ؟ وهل هناك من وعود جزائرية لبعضهم ، بانه في حالة انفصال الصحراء عن المغرب ، وهذا يعني تقسيم المغرب ، ستتدخل الجزائر القوية لتعبد لهم الطريق ، نحو امارة من الامارات التي ستظهر بعد انفصال الصحراء ، والريف وكل المغرب ، ما دام ان هذه الامارات في غالبيتها ستكون محكومة جزائريا ، وبعضها سيكون دمية بيد اسبانيا ؟
فإذا كان المخطط والمشروع الجزائري واضحا ، والذي هو بناء الدولة الجزائرية الجديدة بالاندماج مع الجمهورية الصحراوية الناشئة ، التي ستصبح حدودها مطوقة للمغرب ، وللدويلات التي ستنشأ في الشمال ،والجنوب ، والوسط ، فهل ارتماء المغاربة وراء هذا المشروع الخطير ، الذي يهدد وحدة المغرب ووحدة الشعب ، هو دليل على تمكن ونجاح المخابرات الجزائرية في بناء طابورها الخامس ، الى جانب الرديف الصحراوي بالمغرب وخارج المغرب ؟
وهنا نتساءل : هل الدولة الجزائرية بريئة في مطلبها ، التشبث بالاستفتاء وتقرير المصير في الصحراء ، وهي التي أنشأت الجمهورية الصحراوية في 27 فبراير 1976 ، أي هل بعد انشاء ، والاعتراف بالجمهورية الصحراوية ، لا تزال من مصداقية لحل الاستفتاء الذي لا تزال الجزائر تتشبث به كالعجوز ؟
من خلال رصد وتحليل صراع العلاقات المغربية الجزائرية ، سنصل الى رصد وتحديد الخلفيات الحقيقية الجزائرية من الصراع الدائر بالمنطقة ، كما سنكتشف وبسهولة السبب الحقيقي الجزائري المعارض لمغربية الصحراء . بل الأكثر من هذا ، لم يتوقف طموح الدولة الجزائرية فقط ، بمعارضة استرجاع الصحراء الى المغرب ، بل كشرت عن انيابها علانية حين طلب عبدالعزيز بوتفليقة من المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة تقسيم الصحراء معها ، وعندما لم يتحقق مرادها في التقسيم ، لم تعد تكتفي بحقها من الوزيعة ، بل أضحت تعمل من ان تصبح الصحراء يوما ، بيد الدولة الجزائرية الجديدة ، سواء ضمن اتحاد فدرالي او كنفدرالي مع الجمهورية الصحراوية ، او من خلال دمج تام بين الدولتين ، وخاصة وان الهواري بومدين هو المؤسس الحقيقي للجمهورية الصحراوية في سنة 1976 .
يمكن ان نحصر هذه الخلفيات في اربعة أسباب :
1 ) السبب الأول ، وهو ثقافي يخص الشعور بتدني ( الهوية ) الجزائرية امام الهوية المغربية ، لان المغرب بلد الحضارات والثقافات . لذا لم يجد حكام الجزائر من حل لبناء ( هوية ) غير موجودة ، غير ضرب وهزم المغرب صاحب الهوية والحضارة والتاريخ . أي الطموح الى بناء ( هوية ) من لا شيء ، بضرب وهزيمة هوية معبر عنها ، من خلال الموروث الثقافي والايديولوجي للمغرب منذ آلاف السنين . وهنا فان اكبر الشعور بالدونية ، هو ان الجزائر كانت فريسة للاحتلال التركي السجلوقي العثملي ، واحتلت من طرف الكلونيال الفرنسي لما يزيد عن مائة وأربعين سنة في حين لم تتعد الحماية ، وليس الاستعمار الفرنسي للمغرب أربعين سنة . فهذه العقدة السايكولوجية ، قد فعلت فعلها في الموقف الجزائري العدائي إزاء المغرب وإزاء الصحراء ، وخاصة وان تاريخ المغرب تاريخ امبراطوريات .
2 ) السبب الثاني ، ويتعلق بالنزاع حول الحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية . سبق لفرنسا ان فوتت أراضي مغربية ، الصحراء الشرقية ، الى الجزائر ، لان فرنسا الاستعمارية لم تكن تتصور يوما انها ستغادر الجزائر .
المغرب الذي احرز على استقلاله في سنة 1955 / 1956 ، والذي اندمج جيش تحريره يحارب الى جانب الشعب الجزائري ، لم يُردْ ان يخلق للجزائر المحاربة ، مشاكل لا ولن تخدم قضية تحريرها ، فترك الحل الأنسب لاسترجاع الصحراء الشرقية ، الى ما بعد حصول الجزائر الى استقلالها .
للأسف ، فإن القادة الجزائريين الذين طمئنوا المغرب ،ووعدوه بحل مشكل الحدود بما يستجيب للتاريخ وللمنطق والحق ، بمجرد ان احرزوا على استقلالهم ، حتى تنكروا للمغرب وانقلبوا عليه . ان هذا الموقف الغادر للوعود التي سبق للقيادة الجزائرية ان طمئنت المغرب بها ، ستسبب في حرب الرمال في سنة 1963 .
فاللقاء الذي جمع الحسن الثاني ، والمختار ولد دادة ، والهواري بومدين بنواديبو وبافران ، لم يكن الغرض منه خلق جمهورية صحراوية ، بل ان اجتماع القادة كان من اجل تدعيم المغرب في عملية استرجاع صحراءه ، وهناك تصريح للهواري بومدين ، يقول فيه ، ان الجزائر لا حق لها في الصحراء ، وانها ستتدخل عسكريا في اقل ثمانية وأربعين ساعة ، لمشاركة المغرب في حربه ضد الاسبان ، إن حصلت الحرب . لكن لماذا انقلبت الجزائر بمجرد ان استرد المغرب الصحراء ؟
الجزائر تعلم ان المطالب المغربية باسترجاع الصحراء الشرقية ، لا تزال قائمة ، وقد تأكدت من ذلك ، عندما لم يقم البرلمان المغربي بالتصديق على اتفاقية الحدود الموقعة مع الهواري بومدين . لذا فهي لكي تشغل المغرب ، وتصرفه عن المطالبة بحقوقه بعد حسم معركة الصحراء الغربية ، وجدت في معارضتها لمغربية الصحراء وسيلة ناجعة ، لإلهاء المغرب بالصراع المفتعل مع جبهة البوليساريو ، ومع اسبانيا التي كانت تحتل الإقليم ، كما جندت حلفاءها الأفارقة بواسطة عائدات الغاز والبترول ، ونجحت في تكوين لوبي افريقي ، وبأمريكا اللاتينية والجنوبية ، معادي لوحدة المغرب الترابية .
عندما استفاق النظام المغربي من غفلته ،او تراخيه ، او نسيانه ، واقدم على جبر ( الضرر الجزائري) الذي كان ينتظر ان يعترف له المغرب بجزائرية الصحراء الشرقية ،مقابل ان تعترف له بمغربية الصحراء المغربية ، ودفع ببرلمان مزور في بداية النصف الأول من السبعينات للمصادقة على اتفاقية الحدود الموقعة في 15 يونيو 1972 ، كان الوقت قد فات ، لان الجزائر كانت قد قطعت اشواطا مهمة للترويج لخطابها المعارض لمغربية الصحراء . وقد ذهبت بعيدا عندما اصبح نزاع الصحراء الغربية من اختصاص مجلس الامن منذ 1975 ، بعد ان كان من اختصاص الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ سنة 1960 . فمعارضة الجزائر لحق المغرب التاريخي والقانوني في صحراءه ، املاه بشكل قوي ضرورة الهاء المغرب عن مطالبه في الصحراء الشرقية ، كما وظفت معارضة الدولة الجزائرية لمغربية الصحراء ، لحماية التراب الجزائري من اية محاولة لاقتلاع تندوف والأراضي الأخرى منها .
3 ) الاختلاف بين النظامين الجزائري والمغربي . في هذا الاطار سنجد ان الحرب الباردة ، وتقسيم العالم الى عالمين ( اشتراكي ) بزعامة الاتحاد السوفيتي المنحل ، وعالم رأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الامريكية والغرب ، قد القى بظلاله ، على نوع وطبيعة العلاقات التي كانت تجمع النظامين المختلفين أيديولوجيا . فهكذا ستتخندق الجزائر الى جانب المعسكر الاشتراكي ، وسيتخندق المغرب الى جانب المعسكر الغربي الرأسمالي .
من هذه الزاوية ، سيعتبر كل نظام النظام الآخر عدوا له . وهنا اعتبر الهواري بومدين ، ان النظام المغربي يشكل مصدر ازعاج وتهديد ( للثورة الجزائرية ) ، وعليه فقد اعتبر نزاع الصحراء يدخل في اطار الدفاع عن الدولة الجزائرية الاشتراكية . وهذه الحقيقة تدفع بنا الى التساؤل : هل الموقف الجزائري من نزاع الصحراء ، يدخل ضمن موقف جزائري عام ، يسعى الى إقامة نظام " تقدمي " شبيه بالنظام الجزائري ، على اعتبار ان النظام في المغرب ، نظام رجعي ، وحليف للإمبريالية المعادية لدولة الجزائر " التقدمية " ؟ .
لقد اعتبرت الجزائر من خلال هاته القناعة ، ان النضال الجاري اليوم في الصحراء ، هو نضال بين التقدمية والاقطاع ، بين نظام ملكي مستبد ،واستبدادي ، وحليف للاستعمار ، وشعب عربي يناضل من اجل بقاءه ، وهو ما يفسر وبالمنطق الجزائري ، ان الثورة الجزائرية هي مهددة في وجودها من قبل نظام موالي للإمبريالية وللاستعمار الجديد بالمنطقة . لكن ومن خلال البحث عن الفارق بين النظامين الجزائري والمغربي ، سنجد ان النظامين معا ، لا علاقة لهما بالديمقراطية اطلاقا . ففي المغرب هناك الطقوس المرعية ، والتقاليد المخزنية ذات الجدور الاقطاعية الشرقية ، وفي الجزائر هناك نوع من السلوك السلطوي الشعبوي ، المؤسس لدكتاتورية الجيش ،وجبهة التحرير الوطني .
ان دخول الكمندو المغربي المسلح الذي كان متمركزا كلاجئين سياسيين من الجزائر في 3 مارس 1973 ، قد يفهم على انه ضوء اخضر جزائري ، لقلب نظام الحكم في المغرب ، وإقامة نظام جديد يكون شبيها بالنظام الجزائري ، ان لم يكن مواليا ، وتابعا للمخابرات الجزائرية .
4 ) فشل النموذج التنموي الجزائري ، ففشلت ( الثورة الزراعية ) فشلا ذريعا ، وتبعها فشل ( الثورة الصناعية ) بشكل افظع . فأمام انحصار الأسواق الافريقية ، وامام احتكار الأسواق الافريقية من قبل الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات ، وامام ضعف السوق الجزائرية الداخلية ، بسبب التفاوت الطبقي الذي اضحى ينخر المجتمع الجزائري ، بحيث ان الدولة أصبحت عاجزة عن الاستجابة للمطالب الدنيا للجزائريين ، خاصة ذوي الاحتياجات الخاصة ، وهم القاعدة العامة ، اضحى نزاع الصحراء بالنسبة للقيادة الجزائرية المتنفذة ، جنرالات الجيش وصقور جبهة التحرير ، هو المتنفس الوحيد الذي سينقد بوار الثورة الصناعية ، وشح الثورة الزراعية . ومن ثم ،فان المشروع الجزائري بملامسة مياه المحيط الأطلسي ، بعد ان يتحقق التحالف بين الدولتين الجزائرية والصحراوية في اطار كونفدرالي او فدرالي ، وحتى ان تم هناك دمج بين الدولتين ، يبقى هو اقتطاع الصحراء من المغرب ، وضمها بطرق احتيالية الى الجزائر .
هنا فان الجزائر ستعوض انسداد الأسواق الافريقية ، بسبب الفقر ، وبسبب منافسة الشركات الاوربية ، والأمريكية ، واليابانية ، والانجليزية ، والكورية والصينية ، والروسية ، وسيتحول الاقتصاد الجزائري الى اقتصاد صناعي متخصص ، بالاشتراك مع القطاع الخاص الذي سيكون مُتحكما في توجيهه ، وسيصبح المغرب الذي ستقتطع منه الصحراء ، مطوقا من جميع الجهات من قبل الدولة الجزائرية الجديدة ، وعوض ان يحقق تقدما في ميدان التصنيع ، سيتحول المغرب بسبب ضعفه وإذلاله ، الى بلد زراعي متخصص في تزويد السوق الجزائرية الكبيرة بالمواد الفلاحية والمنتوجات الغذائية .
فالصراع بين المغرب والجزائر ، وكما تنظر اليه القيادة الجزائرية ، هو صراع وجود ، لأنه يرتبط بأصل الدولة الجزائرية التي تبحث عن تصريف فشلها البيّن الى الخارج . أي التمسك بنظرية المؤامرة .
هذا المشروع الجزائري العام هو ما يحتوي الخلفيات الحقيقية للنزاع المغربي الجزائري ، وهو ما يشرح حقيقة طبيعة الموقف الجزائري المعادي لمغربية الصحراء . ان تقوية الدولة الجزائرية الجديدة ، لا ولن يكون الا بإضعاف المغرب وإذلاله ، والمساهمة في تقسيمه الى دويلات وتشتيت شعبه الى شعوب متناحرة .
وإذا كان هذا هو المشروع العام الذي تشتغل عليه الدولة الجزائرية ، فكيف لمن يدعي انه مغربي ،ان ينساق وراء مشروع تقسيم المغرب وتفريق شعبه ؟
كلنا نعاني من اعتداء النظام وظلمه ، لكن النضال والمقاومة ، لا ولا يجب ان تكون على حساب المغرب ، وعلى حساب الشعب المغربي .
وبما ان المغرب هو بلد الاستثناءات ، فهذا الاستثناء لا يوجد الا في المغرب وحده ، لا شريك له .







اخر الافلام

.. العراق.. وعبّارة الموت المكتظ


.. هضبة الجولان السورية.. والاعتراف الأميركي بالسيادة الإسرائيل


.. إيران.. قنبلة نووية موقوتة




.. اختتام فعاليات الأولمبياد الخاص أبو ظبي 2019


.. العراق: وفاة 100 شخص على الأقل بعد غرق عبارة في نهر دجلة بال