الحوار المتمدن - موبايل



اليسار العربي ... الجزء الثالث ....الاخفاقات وأزمة التراجع والانحسار

زياد عبد الفتاح الاسدي

2018 / 6 / 29
مواضيع وابحاث سياسية


تطرق الكثير من المثقفين واليساريين والكتاب العرب لازمة التراجع والانحسار التي شهدتها مختلف فصائل اليسار العربي في العقود الاخيرة ... وهنالك المئات من المقالات والكتابات والمؤلفات التي تطرقت لازمة اليسار العربي والتي تمايزت بمُقارباتها وتحليلاتها وقراءاتها لهذا الموضوع الشائك ...حيث اتفق البعض منها في العديد من خلفيات وجوانب هذه الازمة .. بينما أختلف البعض الآخر في الكثير من الجوانب الاخرى .... ولعل من أهم الكتابات على الاطلاق التي تعرضت بعمق واختصار لازمة اليسار العربي وإخفاقاته في قيادة حركة التحرر الوطني العربية, كانت في مقالة لمُؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين المناضل والمفكر الفلسطيني د. جورج حبش , وهو كما نعلم من أهم المُؤسسين لحركة القوميين العرب والتي تُعتبر مع حركة البعث العربي الاشتراكي التي أسسها بعض أقطاب اليسار القومي وفي مقدمتهم المُفكر القومي زكي الارسوزي وميشيل عفلق وأكرم الحوراني من أهم حركات اليسار القومي التي انتشرت في العالم العربي في أربعينات وخمسينات القرن الماضي .. حيث استعرض المناضل الراحل جورج حبش في مقالته إخفاقات اليسار العربي بشكلٍ عام ليس فقط في قيادة النضال الجماهيري وقضايا التحرر الوطني , بل أيضاً على صعيد النضال الطبقي والتحرر الاقتصادي والاجتماعيي .. مُشيراً في ذلك الى صعوبة الظروف الموضوعية التي واجهت اليسار العربي .. ومن أهمها التجزئة السياسية والتبعية للسوق الراسمالية الغربية وهيمنة وتآمر القوى الامبريالية بالتحالف مع أنظمة العمالة العربية .. وكذلك دور البرجوازيات القطرية في العالم العربي ليس فقط في فشلها في تحقيق النهضة الاقتصادية والصناعية , بل أيضاً في تحالفها مع المُؤسسات العسكرية واستخدام الجيش لتكريس هيمنتها على السلطة السياسية في ظل انتشار واضح للفساد والمحسوبيات والممارسات القمعية ...الخ , كما بين الزعيم اليساري الراحل جورج حبش أن انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية كان من أهم الامور التي قادت الى الضعف والتراجع الذي أصاب مُجمل فصائل اليسار العربي .. حيث كشف ذلك ليس فقط عن ضعف اليسار (ولا سيما اليسار الماركسي) وعدم قدرته على إنتاج وعي سياسي وتحليل ثوري يتلاءم مع الظروف الموضوعية للواقع العربي , بل لجوئه في المرحلة التي سبقت هذا الانهيار الى الاقتباس المباشر لمقولات نظرية جاهزة تطرحها الاحزاب الشيوعية العالمية وتقوم أحزاب اليسار العربي بأسقاطها على واقع المجتمعات والانظمة العربية بغض النظر عن ملاءمتها لمُتطلبات وخصوصيات الواقع العربي .
على أية حال يُمكننا أن نُؤكد أن أهم مُشكلة ما زالت تواجه معظم أحزاب اليسار العربي (باستثناء القليل منها) هو استمرارية تراجعها وانحسارها وضعف قاعدتها الجماهيرية في الشارع العربي على الصعيدين القطري والقومي .. ففي كثير من الاوقات والمراحل الحاسمة التي مرت بها المنطقة العربية ولا سيما في مرحلة الثورات والانتفاضات التي شهدتها مصر وتونس واليمن وغيرها في أواخرعام 2010 وبدايات 2011 , تُركت الجماهير العربية المُتعطشة للحرية والكرامة وللتحرر الوطني من الهيمنة الامبريالية والصهيونية والخلاص من تسلط ونهب وفساد ودكتاتورية أنظمة الرجعية والعمالة والخيانة العربية .. لتواجه مصيرها المجهول وتقع في دائرة العبث والتشويه والتآمر والتضليل الاعلامي الذي مارسته قوى الثورة المضادة من ألانظمة الرجعية وقوى الاسلام السياسي الطائفي والتكفيري المُرتبطة عسكرياً بالنظام الاخواني التركي وتمويلياً بمشيخات النفط الخليجية التي تُنفذ مُخططات الغرب والولايات المتحدة والخاضعة لحماية الناتو وعشرات القواعد العسكرية الامريكية .. هذا في وقت كانت فيه الجماهير العربية في أمس الحاجة الى التواجد الميداني لمختلف قوى اليسار بكثافة بين صفوفها لتوحيدها وتوعيتها وتعبأتها وتنظيمها بدلاً من تركها لقمة سائغة لقوى التآمر الغربي والخليجي ولتنظيمات الاسلام السياسي الاخواني والتكفيري ... وقد رأينا كيف شهدت شوارع وساحات المدن العربية التي كانت تثور وتنتفض بين فترة وأخرى, غياب شبه تام للقوى الثورية الحقيقية المُتمسكة بمنهجية اليسار القومي والماركسي الثوري الذي ينطلق من خصوصيات الواقع النضالي العربي ويأخذ بعين الاعتبار ثقافة وقيم المجتمعات العربية , والقادر ليس فقط على التحليل والقراءة الميدانية لهذا الواقع وتفهم أولوياته ومُتطلباته النضالية, بل القادر أيضاَ على تلمس خصوصيات وإشكالايات التخلف في المجتمعات العربية كجزء لا يتجزأ من مجتمعات العالم الثالث وكيفية التعامل معها بمختلف تمايزاتها القطرية والبيئية .... وفي هذا الاطار ومن خلال ملاحظاتي وقراءاتي وتجربتي المُتواضعة في سوريا وعلى الصعيد الفلسطيني اللبناني , وجدت أن من" أهم " العوامل والاشكاليات التي واجهت ولم تزل تواجه مختلف فصائل اليسار العربي والتي أجمعت عليها الى حدٍ ما مختلف المقالات والدراسات التي تطرقت لازمة اليسار العربي بواقعية حقيقية وبمفاهيم شفافة وعبارات واضحة ومُبسطة.. والتي يُمكن اختصارها كما يلي :
1. التجزئة السياسية المُفرطة التي خضعت لها بلاد المشرق والمغرب العربي وشبه الجزيرة العربية .. ففي المشرق العربي تقطعت أوصال منطقة الهلال الخصيب وسوريا الكبرى الى خمسة بلدان وانقسمت مصر والسودان الى بلدين لتنقسم بعدها السودان بين الشمال والجنوب .. بينما قُسمَت منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية الى سبعة دول ومشيخات .. أما المغرب العربي فقد انقسم الى خمسة بلدان (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا) . وهذا ما تسبب في كثرة وتعدد الاحزاب الشيوعية والماركسية وحركات اليسار القومي في العالم العربي, وبالتالي في ضعف هذه الاحزاب وصعوبة التواصل والتنسيق فيما بينها على الصعيد السياسي والفكري والتنظيمي والعمل النضالي , في ظل الاجهزة الامنية والاستخباراتية المُسلطة من قبل الانظمة العربية الرجعية على القوى الوطنية والتقدمية .
2 . التعامل من قبل بعض قيادات وكوادر اليسار العربي (دون تعميم) مع الفكر اليساري وتحديداً الفكر الماركسي والماركسي اللينيني , كعقيدة ونصوص مقدسة غير قابلة للنقاش . وهذا ماعزز سيطرة الجمود العقائدي وغياب الابداع الفكري والايديولوجي في العديد من أحزاب اليسار ... فالمنهجية الثورية في فكر كارل ماركس لا تعني مُطلقاً وضع الماركسية في صندوق مغلق ..لان الفكر الثوري لا يتوقف بالتاكيد عند ماركس ... فكما قام لينين بإغناء الماركسية على الصعيد الفكري , ولم ينتهي الفكر الثوري عند الماركسية .. فلن ينتهي هذا الفكر بالمقابل عند الماركسية اللينينية , ولن ينتهي أيضاً كما يعتقد أنصار تروتسكي عند الماركسية التروتسكية أو أنصار روزا لوكسمبورغ عند الماركسية اللوكسمبورغية أو الماركسية الماوية أوالستالينية ....الخ ... الابداع والتطوير الفكري من أهم القضايا على الاطلاق التي تُواجه الفكر الثوري اليساري والتقدمي ... ففي اللحظة التي نضع فيها الماركسية أو الماركسية اللينينية أو أي من أشكال الفكر اليساري في قوالب وصناديق مُقدسة ومغلقة نكون بلا شك قد حكمنا على اليسار بالاعدام .. أو في أفضل الاحوال بالموت السريري البطيئ .... فعندما وضع كارل ماركس في أوروبا الراسمالية مُؤلفاته الثورية الشهيرة في " القرن التاسع عشر " سواء في الاقتصاد (رأس المال) أو في المادية الديالكتيكية والمادية الجدلية التاريخية (علم الاجتماع الماركسي) أو في نقده الفلسفي لهيجل في كتابه (أصول فلسفة الحق) وغيرها من عشرات المؤلفات والتراث الماركسي الثوري الرائع ....كان علينا كيساريين عرب ليس فقط أن نتطلع على هذا التراث الفكري الواسع لماركس ... ولكن كان علينا بنفس الوقت نتفهم أن الواقع الانساني لمختلف المجتمعات البشرية قد يتشابه في مراحل تاريخية معينة في بعض الامور كقضايا الانتاج واقتصاد السوق وربما في بعض القيم الاخلاقية والثقافة والطقوس الدينية ...الخ ولكن من المُستحيل أن يتطابق هذا الواقع بالكامل بين مُجتمع وآخر وبين زمن وآخر ... وبالتالي لا يمكننا كتقدميين ويساريين أن نتعامل مع المجتمعات الانسانية المختلفة وفي مراحل زمنية مُتفاوتة بنفس القوانين والمفاهيم والمعايير الثورية .
3 . تغيب الممارسة الديمقراطية وأجواء الحوار الفكري والاختلاف في الآراء في مداولات واجتماعات بعض الاحزاب اليسارية , وهيمنة أجواء الاستبداد من قبل القيادات الحزبية مُمثلة في معظم الاحيان بشخص الامين العام ... وهذا الاستبداد الفكري والتنظيمي عادة ما يُؤدي الى حالة من الركود الفكري والجمود العقائدي في الحزب ويُساعد على تفاقم الخلافات والصراعات الحزبية ... وقد يُؤدي في نهاية المطاف الى الانشقاقات الحزبية ... وهنالك أمثلة مُتنوعة على الاستبداد الفكري وغياب الحوار والاجواء الديمقراطية في العديد من أحزاب اليسار... ففي اوساط اليسار القومي على سبيل المثال لا الحصر ظهرت أجواء الاستبداد الفكري في اجتماعات ومؤتمرات القيادتين القومية والقطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي وتحديداً في العراق ... أما على صعيد اليسار الماركسي والشيوعي فقد تجلى ذلك (على سبيل المثال أيضاً) في قيادة الحزب الشيوعي البكداشي في سوريا منذ استلام الامين العام الراحل خالد بكداش لقيادة الحزب الشيوعي السوري واللبناني عام 1933... وهذا ماقاد بالتنتيجة الى مجموعة من الانشقاقات المتوالية في الحزب بدأت مع انفصال الجناح اللبناني عن الحزب عام 1964 بسبب السلوك البيروقراطي والاستبدادي في الحزب بقيادة خالد بكداش , لتتوالى بعد ذلك مجموعة من الانشقاقات في عام 1972 و1982 و1986. حيث تمكن أخيراً جناح يوسف فيصل من تصحيح مسار الحزب وتوحيده تحت راية الحزب الشيوعي السوري الموحد عام 1986 الذي يقوده منذ عام 2006 أمينه العام الحالي حنين نمر (وهو بالمناسبة زميل عمل سابق) .. والذي تمكن بحكمته من قيادة الحزب الشيوعي خلال سنوات الازمة السورية ومساندة الدولة والقيادة السياسية في أعقد وأحلك الظروف والمُؤامرات المُدمرة التي تعرضت لها سوريا.
4 . كثرة الصراعات والانقسامات التي شهدتها أحزاب اليسار حتى في القطر الواحد والتي يعود بعضها الى الخلافات التنظيمية والايديولوجية وبعضها الآخر الى التشتت وعدم التفاهم حول الاوضاع السياسية وتعقيداتها وكيفية معالجتها .. أو بسبب الاختلاف حول أولويات الصراع في مواجهة المُؤامرات ومعالجة بعض المراحل الحاسمة والازمات الطارئة .. وفي بعض الحالات تظهر الصراعات والانقسامات بسبب وجود العناصر المُتطرفة والانتهازية في الحزب الطامحة الى الظهور والوصولية ولو على حساب وحدة الحزب والمصلحة الجماهيرية .
5 . أخفقت الاحزاب الشيوعية العربية وأحزاب اليسار الماركسي عموماً في التعامل مع تهمة الالحاد ومُعاداة الدين التي تعدمدت الرجعيات لعربية وتنظيمات الاسلام السياسي الاخوانية والتكفيرية إلصاقها بأحزاب اليسار من خلال التآمر والاعلام التحريضي بدعم وتخطيط وتوجيه من دوائر الغرب الامبريالي .. بهدف عزل القوى التقدمية واليسارية في العالم العربي وإضعافها سياسياً وتنظيمياً من خلال تنفير الجماهير الشعبية ولا سيما المُتدينة منها, وبالتالي إبعادها عن القوى الثورية والتقدمية وقوى اليسار ... وقد لعب للاسف بعض اليساريين والشيوعيين العرب دوراً يتميز بالجهل والسلبية في هذا الصدد من خلال تبني مُقولة كارل ماركس الشهيرة " الدين أفيون الشعوب " التي وردت في كتاب ماركس " نقد أصول فلسفة الحق عند هيجل " وإظهار هذه العبارة أو ربما فهمها على نحوٍ خاطئ كجملة معادية للدين .. رغم أن ماركس لم يُهاجم الاديان في أي من كتاباته .. وما كان يقصده ماركس في سياق كتابه المذكور أعلاه هو إظهار تأثير الدين على الفقراء وطبقة المحرومين في النظام الرأسمالي على نحوٍ يُشابه تأثير الافيون الذي كان يُستخدم في القرن التاسع عشر في التخدير وتخفيف آلام المرضى .. ففي عبارة أخرى لماركس يُشبه الدين " بتنهيدة المضطهدين " و بعبارة أخرى يعتبره " روحاً لعالم بلا روح " واصفاً بتلك العبارات بما فيها عبارته الشهيرة " الدين أفيون الشعوب " وحشية واستغلال النظام الرأسمالي في أوروبا لطبقة العمال والفقراء والمحرومين .
6 . إخفاق العديد من ألاحزاب الشيوعية والاشتراكية وأحزاب اليسار القومي في العالم العربي في توحيد جهودها على الصعيدين القطري والقومي ... وهذا ما ساهم في المزيد من تشتت قوى اليسار وغياب التعاون وتوحيد الجهود فيما بينها وتبادل المشورة والحوار والآراء .. مع بعض الاستثناءات لاحزاب اليسار ولا سيما في سوريا وتونس , من خلال الجبهة الوطنية التقدمية في سوريا والجبهة الشعبية في تونس التي أسسها الزعيم اليساري الراحل شكري بلعيد .
7 . ظهور العديد من ألاحزاب والحركات اليسارية المُنحرفة والمتطرفة التي انتشرت على الصعيد العالمي وتم انتقالها باالعدوى الى مختلف بلدان العالم العربي وتقع في أقصى اليسار من الخارطة السياسية ..وساهمت الى حدٍ ما في تشتيت وإضعاف قوى اليسار وفي العديد من الانشقاقات والانحرافات التي تعرض لها اليسار العربي .. ويُركز عادة أصحاب هذا الاتجاه على العبارات الماركسية الطنانة كالصراع الطبقي ودكتاتورية البروليتاريا والثورة الاشتراكية ...الخ ويرددون هذه العبارات دون فحم حقيقي للمنهج الماركسي في التغيير والذي يعتمد على دراسة وفهم وتحليل الواقع الميداني وخصوصياته والقدرة على تمييز طبيعة المرحلة الراهنة وقضايا التحرر الوطني وأولويات الصراع وتمايز الظروف الموضوعية واختلافها من مجتمع لاخر ومن بيئة لاخرى ....الخ ويشكل عادة اصحاب الاتجاهات اليسارية المُتطرفة الاقلية ضمن أحزاب اليسار .. وھم غالباً من الجماعات التروتسكیة على غرار المنتدى الاشتراكي في لبنان أو الاشتراكیون الثوریون الذي يمثلهم في سوريا جناح اليسار الثوري بقيادة غياث نعيسة.. وفي مصر كمال خلیل وسامح نجیب وحسام حملاوي وغیرھم .. وهنالك أيضاً التيار الماوي الماویون من تنظیم الطریق الدیمقراطي في المغرب . كما ظهرت في تونس العديد من الجماعات التروتسكية وايسارية المُتطرفة في تونس .. ولكن الزعيم اليساري الراحل شكري بلعيد تمكن من استيعاب بعض هذه الجماعات المُتطرفة ضمن جهوده التي أثمرت قبل إغتياله عن توحيد مختلف أحزاب اليسار القومي والماركسي في إطار الجبهة الشعبية .

على اية حال هنالك بلا شك عوامل أخرى عديدة ربما ساهمت بدرجات اقل في أزمة اليسار العربي الراهنة .. ولكن لا يتسع المجال لحصرها وتعدادها .







اخر الافلام

.. قوات سوريا الديمقراطية تستنفر للقضاء على داعش


.. إطلاق حملة -السترات الحمراء- في تونس


.. الوفد اليمني يرفض مبادرة بشأن الحديدة ومينائها




.. مرآة الصحافة الاولى 10/12/2018


.. ما وجه الشبه بين الملك والرئيس في فرنسا؟