الحوار المتمدن - موبايل



الدليل الأنطولوجي على وجود الله

سعود سالم

2018 / 7 / 2
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


لقد ناقشنا في عدة مواضيع سابقة إشكالية وجود الله وهل هناك إمكانية عقلية لإثبات أو عدم إثبات وجوده. ورغم أن الموضوع في حد ذاته لا أهمية له من الناحية العملية، حيث أن وجود الله أو عدم وجوده لن يغير شيئا على الإطلاق في مسيرة العالم والبشر، إلا أنه من المهم اليوم، في هذا العصر الذي تهيمن عليه الخرافات والأفكار الدينية، أن ننهي هذا الموضوع ونكرس جهودنا لدراسة أشياء أخرى أكثر واقعية وأهمية من المخلوقات الخارقة والكائنات اللامتناهية.
ذلك أن مسألة البرهنة على وجود كائن خارق وميتافيزيقي يرجع إليه الكون وكل المخلوقات، مسألة اهتم بها العديد من الفلاسفة والمفكرين وذلك محاولة منهم لعقلنة الإيمان وإعطائه صورة منطقية لا تتناقض مع العقل. وهي مسألة لا تتعلق مباشرة بالحقل الروحي أو بالديانات، بل هو موضوع يتعلق بالدراسات الفلسفية وبالميتافيزيقا بالذات. موضوع يتعلق بالفلسفة لأنه يقوم على اللجوء إلى العمليات العقلية المختلفة وذلك بتقديم الأدلة والبراهين وإثبات وجود هذا الكائن المسمى بالله. وهو في نفس الوقت موضوع يتعلق بالميتافيزيقا، من حيث أن هذا الكائن موضوع التساؤل، الله، ليس كائنا ماديا - وليس موضوعا للإدراك الحسي ولا يمكننا رؤيته أو الحوار معه. وقد عالجنا في المواضيع السابقة كل من الدليل اللاهوتي «physico-théologique» ، والدليل الكوسمولوجي «cosmologique» وبقي علينا أن نعالج الدليل الثالث المسمى بالدليل الأنطولوجي.
البرهان "الأنطولوجي" هو دليل قبلي a priori لأنه يهدف إلى إثبات وجود الله من التعريف الوحيد لكون الله إلها " أونتوس - ὄντος - ontos " - وبدون أن يرتكز في تدليله أبدا على الإشارة إلى العالم الذي يحيط بنا، وهذا يعني، غض النظر وعدم الأخذ في الحسبان لأي من التجارب الحسية المتعلقة بالإدراك وتجريد كل التجارب المعقولة، والإحتكام إلى الفكر وحده. أول من اكتشف هذا الدليل أو البرهان هو القديس أنسلم Anslem of Canterbury في نصه المعروف بإسم Monologion الذي نشره سنة ١٠٧٨. القديس أنسلم ولد في مدينة آوست الإيطالية حوالي ١٠٣٣ أو ١٠٣٤، ومات في كانتربيري سنة ١١٠٩. يعتبر من أوائل الذين حاولوا عقلنة الإيمان بالله وكاتب النسخة الأولى مما سيسميه كانط فيما بعد بالدليل أو البرهان الأونطولوجي، رغم أن كانط كان يشير إلى الدليل الذي بناه ديكارت على أسس أنسلم. وقد انتقد توما الأكويني ١٢٢٥ - ١٢٧٤ Saint Thomas d’Aquin هذا البرهان وفنده، ثم عاود ديكارت Descartes ١٥٩٦ - ١٦٥٠ صياغته من جديد في صورة أخرى، كما أن ليبنتزLeibniz ١٦٤٦ - ١٧١٦أجرى عليه بعض التعديلات، وأخيرا جاء كانط Emmanuel Kant ١٧٢٤ - ١٨٠٤ بأدواته النقدية الحادة وقضى نهائيا، ليس فقط على الدليل الأنطولوجي، وإنما على كل محاولة للبرهنة العقلية على الوجود الإلهي.
أنطلق أنسلم من حقيقة أن النصوص المقدسة والكنيسة التي تفرض على الإيمان حقائق دوغماتية Dogmes مثل وجود الله أو حلول الله في المسيح أو فكرة الثواب والعقاب والخلق إلخ، والإنسان لا يستطيع أن يصل إلى هذه الحقائق والإقتناع بها إلا بواسطة سلطة الكنيسة وقدسية النصوص، بمعنى أن هذه الحقائق المتعلقة بالإيمان هي في حوزة الكنيسة ورجال الدين. ولكن عندما يكون الإيمان حاضرا بقوة، فإن الإنسان عادة ما يميل إلى التفكير في هذه المعطيات ومحاولة إيجاد أسبابها ومبرراتها بنفسه وبدون حاجة إلى وسيط. نقطة الإنطلاق إذا هي الإيمان " إذا لم تكن مؤمنا، فإنك لن تفهم " والإيمان هنا ليس بمعنى الإعتقاد وإنما كهبة وكنور أو إشراق إلهي ليس متاحا للمؤمن العادي إلا بعد تجربة طويلة من التأمل والخشوع والعبادة. فالعقل هنا وسيط، ينطلق من هذا الإيمان ويقوده إلى نوع من التصوف يمكنه من رؤية الحقيقة مباشرة بواسطة نوع من الإلهام العقلي.
يبدأ أنسلم في الفصل الثاني من خطبته قائلا :
"حقا هناك إله، على الرغم من أن ألأحمق قال في قلبه، لا يوجد إله. وهكذا، يا رب، أنت الذي تعطي العقل للإيمان، هل تعطيني ما أعلم أنه مفيد، لكي نفهم بأنك تكون كما نعتقد أن تكون، وأنك أنت هذا الذي به نؤمن. وحقا، نحن نؤمن بأنك هذا الكائن الذي لا شيء يمكن التفكير فيه يمكن أن يكون أكبر منه. أم لا توجد مثل هذه الطبيعة، لأن الأحمق قال في قلبه، لا إله؟ (مزامير الرابع عشر. 1). لكن، على أي حال، هذا الأحمق، عندما يسمع عن هذا الكائن الذي أتحدث عنه - الكائن الذي لا شيء أكبر منه يمكن تصوره - يستوعب ما يسمعه، وما يفهمه هو في ذهنه. على الرغم من عدم فهمه أن هذا الكائن موجود. لأنه، هناك فرق بين أن يكون هناك شيء في الذهن، وبين أن يفهم أن هذا الكائن يوجد. عندما يفكر الرسام فيما سيرسمه، يكون في ذهنه ما لم يفعله بعد، ويدرك أن هذا الشيء لم يكن بعد. لكن بعد تنفيذ اللوحة سيكون في ذهنه ما قام بإنجازه من ناحية، ومن ناحية أخرى يدرك أن اللوحة موجودة وكائنة. ومن ثم، فحتى الأحمق لا بد أن يقتنع بأن في ذهنه شيء أو كائن لا يمكن التفكير في شيء أكبر منه، لأنه يفهم ما يسمعه، وكل مفهوم يوجد في الذهن. وما كان مفهوما، موجود في الفهم. ومن المؤكد أن الكائن الذي لا يمكن تصور أي شيء أكبر منه، لا يمكن أن يوجد في الذهن وحده. لأنه لو كان موجودا في الذهن وحده لأمكن تصور وجوده في الواقع، مما يجعله أكبر. لذلك ، إذا كان هذا الذي لا يمكن تصور شيء أكبر منه يوجد في الذهن وحده، هذا الكائن نفسه الذي لا يمكن تصور أي شيء أعظم منه، هو نفسه يمكن تصور كائن أكبر منه. لكن من الواضح أن هذا مستحيل. ومن ثم ، ليس هناك شك في وجود كائن لا يمكن تصور أي شيء أكبر منه، موجود في الذهن وفي الواقع".
إن هذا الدليل كما هو واضح يحاول أن يبرهن عن الوجود ليس عن طريق جوهر الله، ليس عن طريق أن الله واجب الوجود في جوهره، لأننا لا نعرف جوهر الله، وإنما عن طريق التأمل في فكرة الله كما هي في الذهن والتي لا تتكون إلا بعد مجهود شاق وطويل وهي التي تقودنا في النهاية إلى وجوده. ويبدو واضحا تأثير القديس أوغسطين " ٣٥٤ - ٤٣٠ م "على بناء هذا الدليل حيث يقول بأنه ليس هناك إنسان أستطاع أو سيستطيع مطلقا أن يفكر في شيء أحسن من الله.
أنسلم يعتقد أنه برهن على أن الوجود العيني أوالواقعي لشيء ما يمتاز عن الوجود الذهني لهذا الشيء، غير أنه في الحقيقة برهن على أن "فكرة" الوجود العيني لشيء ما تمتاز عن "فكرة" الوجود الذهني لنفس الشيء، وهذا تناقض لأن الوجود العيني كفكرة لا يختلف عن الوجود الذهني في شيء، فلكي يمكن المقارنة بين هذين النوعين من الوجود، لابد للوجود العيني في الواقع أن يتعين حقا ليمكن معاينته والمقارنة بينه وبين فكرة هذا الوجود العيني في الذهن.







اخر الافلام

.. إيغوري لاجئ: نساؤنا يغتصبون في المعسكرات القسرية


.. الجبير: لن نسلم مواطنينا إلى تركيا


.. القمة الخليجية.. التصدي لعدائية إيران وخطر الإرهاب




.. السترات الصفراء.. خيارات باريس والكلفة الباهظة


.. اليمن.. حوار السلم وقناصة الميليشيات