الحوار المتمدن - موبايل



القاهرة و إبريق الحلوى- علي السوري الجزء الثاني-3

لمى محمد

2018 / 7 / 7
الادب والفن


طيبْ..
يا مغرورَ الصُّدّفِ الحلوة..

أنا حواء ضلعِكَ..
طحنتُ الذكريات نجوماً
(خمستهنّ)
نثرتهنّ 
ملأتُ بهنّ سماءَ قلبك..

طيبْ..
افخرْ بانتصاراتِ عشقك..
لكنْ تذّكرْ:

كم مظلمٌ أنتَ عِندَ كسوفِ شمسي..
**************


بعد أن تمت الغيبة و النميمة.. كيف لذلك (الصديق) أن يدعوك في بيته مع من طعن بك أمامهم.. كيف لذلك المنافق أن يضع صورتك معه في زمن جميل؟
-نكشف الناس من صمتهم وممالا يفعلونه.. أكثر مما يقولونه و يعملونه…
-لماذا أنت متوترة يا سنية؟
-تذكرين إبريق الحلوى؟
-أجل…
-أريد مثله.. لا يهمني كنت سمينة أم نحيلة.. أهتم بكوني سعيدة… لا يهمني بكونها معارضة أم موالية أريدها صديقة…

انتهت مكالمتي الأسبوعية مع سنية.. و مازال إبريق الحلوى في مكانه منذ أعوام…

في شقتي كثير من الأشياء ذات المعنى.. لست من الناس الذين يُدخِلُون إلى بيوتهم أشياء للزينة، بل أشياء للذكرى.. أشياء على بساطتها لها حكايات تجلب الحب للمكان.. أو تستحضر روح عاطفة وعطر رحلة!
لإبريق الحلوى في شقتي حكاية لا تشبه الحكايا:
اشتراه غدي لحبيبته سيرين التي كانت حورية ماء...
الأبريق بلون ذهبي.. يشفُّ عمّا فيه.. كان ليكون إبريقاً للشاي الأخضر –كما أراده غدي- لكن سيرين المصابة بمرض نادر في البنكرياس يحتم عليها أكل الحلويات، جعلت منه ترياقاً لأعراضها وملأته بالسكاكر والحلويات.. قال لها غدي : لا يهمني إن كنت سمينة أم نحيلة.. أريدك سعيدة!
شفيت سيرين بعد ذلك..
من يومها والأبريق للحلوى، والحكاية مع سيرينها للذكرى...

هذي ليست كل الحكاية، بل نصفها الذي حكته لي نجمة الخمسينية الجميلة، التي جلست تبيع (الأنتيكا) في ميدان التحرير.. قالت لي: خذيه بسرعة: “ثمانين جنيه.. حتقسطيهم يعني؟"
رأيت سحر مصر ينعكس على مرآة الإبريق الذهبية:
أول عز وأول حضارة.. أول نصر وأول عمارة.. أول تجارة وأول طبيبة..
مصر النيل والأهرامات.. البحار والعتبات المقدسة.. قبور الأولياء والفراعنة.. جمال آسيا وجاذبية إفريقيا.. روح الإسكندر الأكبر وقلب كليوباترا..
مصر أحمد شوقي ونجيب محفوظ.. أم كلثوم وعبد الحليم.. أول حدوتة وأول سيناريو وحوار.
لعب الأبريق في مخيلتي و آراني مصر، فاشتريته...
" سنيّة" وقتها قالت لي أني "عبيطة".. :" لا يساوي أكثر من عشرين.. المهم أعجبتك أسطورتها"..
-إن كانت الحكاية أسطورة.. ف نجمة تلك أفضل مني في تحريض المخيّلات.. ثم اشتريته لأنه من مصر، هل تعرفين ما تعني مصر للعرب؟

ضحكت سنيّة: -أول أفشل الانقلابات...

-لا عزيزتي.. أول أمل.. إن صارت مصر بخير، فالكل بخير.. هي ليست أم الدنيا.. هي أم الأمل...

- نرى سوريا هكذا والعراق أيضاً.. كل الأخوة في الشقاء أشقاء...

-سنية.. أنا أعلم أن ما يحدث من غلاء.. واستعلاء من قبل المسؤولين وحرامية خبز الفقراء كثير.. لكن هذا إلى زوال.. هل شاهدتي أمل الشباب المصري أيام الثورة.؟ كانت مصر ومازالت ترفض الأصنام...

-لا يا عليا.. الوضع أسوأ مما تتوقعين.. الشعب مقسوم بين ثلاثة أطياف:
قسم مع السيسي.. قسم مع مرسي.. قسم مع مبارك.. قسم ضد الجميع وقسم مع الجميع...

-تقصدين خمسة أقسام..
- لا ثلاثة.. لأنني لا أؤمن بتطييف القسميَن الأخيرين.. في القسمين الأخيرين يكمن أمل صغير بأن حكاية إبريق الحلوى حقيقة.. وأنا لا أريد قتل هذا الأمل...
مشيت في القاهرة وسنية.. كانت هي مصر في نظري: بهية، قوية، مصممة.. يسكنها الطموح والعزم.. شعرها الأسود المضفور حكى لي حكاية الأطياف الثلاثة، فيما أبت غرتها الطفولية إلا أن تخبرني عن الأمل.
في مصر للأكل حكاية.. للهواء حكاية.. للشرب حكاية.. وللجنس حكاية.. في بلد لم يعرف العلماء حتى اليوم كيف تشمخ أهراماتها، تُصَاغُ الحكايا كل ثانية...

هكذا جلس إبريق الحلوى في شقتي الأمريكية، ليذكرني كل يوم برحلتي إلى مصر، يطمئنني عن علي، وعلى أن الحب يصنع المعجزات...
*************

-نحن ندينُ بالولاء لمن طعنَ ظهرنا، فلولاه لكانت الطعنةُ في منتصف القلب.. هذا ما قاله “ عمار” في آخر مكالمة له مع عبير.. كان ذلك منذ سنوات..
بقي هو في العراق، و هي في لبنان، و البعيد عن العين بعيد عن القلب..
ملأت هبة فراغ وقته بجدارة.. حتى ملأت فراغ قلبه أيضاً.. تطوعت للعمل مع الأمم المتحدة، فلحقها.. و للمساعدة في المستوصفات و المشافي، فتبعها.. كتبت ضد الأنظمة، فأصبح معارضاً.. حللّ لها شخصيات من حولها و قدم لها النصائح المجانية.. بينما هي كملكات بابل المتخيّلات تستخدم عقلها فقط، ولا تقبل القوامة.

حكت له بعد زيارتها لمستوصف المدينة عن مريضة حامل..
- (أوجعت ) قلبي كثر ما سألتني:
ماذا أفعل كي يشبه ابني زوجي..
ضحك عمار : - لماذا هل سيشبه أحداً آخر…

-لا.. كان لدى المريضة ابنة خالة قتلها زوجها بعد أن أنجبت له طفل أشقر أبيض عيونو ملونة.. و ( العيل) كلها من أقدم جد تملك اللون الأسمر القاتم.
الحقيقة التي ظهرت لاحقاً هي أن الطفل كان لديه مشكلة طبية شخصت له بعد فترة من ولادته تسمى متلازمة " الطفل الملاك" .. و لكنه من قلة العناية به ( حيث هو ابن حرام)..لحق أمه إلى حيث يوجد شرف لا ( استشراف)...
المريضة ( الدرويشة) كانت خائفة من القضاء و القدر، لأن المتحدثين باسم الله يتدخلون حتى في القضاء و في القدر.

-و يسألون .. لماذا لا تشبهنا أحلامنا في الأوطان؟!

-إما أنها ليست أحلامكم، بل أحلام من تتبعون دون تفكير.. أو أنه هناك متلازمة (زمن جاهلي) تفعل فعلها و تميت كل أحلام (الملائكة)...
*************


لم تعد سوريا كما كانت..
بكيت لوحدي في تلك الزاوية الضيقة، لم يمر أحد بي.. فما من أحد يرى الضعفاء...

بكيت جميع خيباتي.. من الطفولة التي لا أذكر منها إلا ضيق حذائي.. إلى المراهقة التي لم تغير في ضيق مكاني شيئاً.. 
بكيت كل الديانات التي اعتنقتها، وتلك التي أحسستها كبيرة عليّ..

بكيت كل بنات الجيران.. و (الفيران) اللواتي قرضن مقابض أدراج خزانتي الفارغة، وملأن الخيال (جبناً)...

بكيت الأوطان المستباحة تحت اسم الدين أو عنوان السلاطين..

كنت أبكي قليلاً، ثم التفت حولي قليلاً.. ما من أحد يراني، فأتابع الارتياح.. إلى أن وصلني صوت أمي:

-الرجال لا تبكي بخجل يا " علي"، بل تحدث البشر عن نعمة (الدموع)..

عندها فقط بكيت بصوت عال.. وارتحت...


يتبع…







اخر الافلام

.. عرين عمرى: الفنان الفلسطيني عبر عن فلسطين أكثر من السياسيين


.. -موسيقى من أجل السلام- في بيروت


.. -موسيقى من أجل السلام- في بيروت




.. ناشر بسور الأزبكية يشكو من الشروط التعجيزية التى وضعتها وزار


.. تعرف على رضا فضل.. فنان يرسم بفمه وقدميه