الحوار المتمدن - موبايل



حول رؤية الدكتور شمس الدين الامين ضوالبيت لمفهوم الصراع الطبقي

طارق علي حامد

2018 / 7 / 8
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان


(( نحن نقف بالكامل علي أرضية نظرية ماركس، فقد حولت لأول مرة الاشتراكية من نظرية طوباوية الي علم، ووضعت الأسس الصلبة لهذا العلم ـ فلا ديمير أليتش لينين))
ضمن سلسلة (قراءة من أجل التغيير) التي يصدرها مشروع الفكر الديمقراطي صدر كتاب جديد للدكتور شمس الدين الأمين ضو البيت بعنوان (حول التناقض المركزي في السياق السوداني : طبقية أم تراتبية سلفية) وهو الكتاب رقم (63) من هذه السلسلة، وقد أسس الكاتب لكتابه بمقال مطول تحت ذات العنوان نشر في العدد السادس من مجلة (الحداثة السودانية) الصادر في شهر مارس من هذا العام وذلك في ملف خاص حول (الدين والدولة في السياق السوداني). ولذلك ان هذا الكتاب الذي نحن بصدد مناقشته هو ـ في تقديري الخاص ـ توسعة للمقال الذي أشرنا اليه حيث صدرت الطبعة الاولي من الكتاب في يوليو 2017م، علي ان ذلك لم ينتقص من قيمة الكتاب الفكرية والمعرفية، فالدكتور شمس الدين كما هو معروف باحث ومترجم وناشط في المجتمع المدني ومفكر سوداني معروف أسهم في رفد المكتبة السودانية بعدد من مؤلفاته وترجماته القيمة ـ غض النظر عن الاختلاف او الاتفاق حولها ـ . ولكن في تقديري ان كتابه الأخير أثار فيه عدد من القضايا المتعلقة بالحزب الشيوعي السوداني والنظرية الماركسية التي يستند عليها الحزب في تحليله واستقراءه للواقع السوداني وبالتالي (التوسل) بها من خلال منهجها المادي الجدلي للوصول الي حلول جذرية للمشكل السوداني في كافة تجلياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. والكتاب يشتمل علي مقدمة وتسعة فصول هي بالترتيب علي النحو التالي : (في البدء كانت الثقافة)، (الفكر الطبقي والواقع السوداني)، (المارد المتخفي)، (القطاع الحديث علي حساب القطاع التقليدي)، (الاستراتيجية المزدوجة للسلفية العالمة)، (فلاسفة الرجعية يصعدون)، (التراتبية السلفية)، (تقاطع الديني والجهوي)، واخيرا (مهام الفكر السياسي الجديد). وهنا أستميح القارئ وارجو منه ان يلتمس لي العذر في انني مضطر لايراد بعض الاقتباسات ـ المطولة بعض الشئ ـ من هذا الكتاب وذلك حتي لا أخل بالسياق الذي وردت فيه هذه الاقتباسات .
يورد الدكتور شمس الدين ضوالبيت في الفصل الأول من الكتاب صفحة 19 بما أسماه بـ(فحص) التناقض المركزي الذي يتبناه الحزب الشيوعي السوداني وهو التناقض الطبقي، وبعد ان اورد دكتور شمس الدين تعريف ( ادوارد بالمر تومبسون 1924م ـ 1993م) للطبقة العاملة في كاتبه (تكوين الطبقة العاملة الانجليزية) حيث يقول (تومبسون) ان الطبقة العاملة الانجليزية "هي مجموعة من الاشخاص تجمعهم ظروف مادية مشتركة توصلو الي وعي ذاتي ايجابي حيال مكانتهم الاجتماعية" ويشير د.شمس الدين الي ان (كارل ماركس 1818م ـ 1883م) تبني التعريف الذي ورد في كتاب (تومبسون) المشار اليه اعلاه ويقول د.شمس الدين ضوالبيت " من ناحية مبدئية ينطلق هذا التوجه ـ ولعله هنا يقصد التوجه الماركسي ـ من ان المجتمعات مثلها في ذلك مثل الافراد مادامت حياتها متعلقة في المرتبة الاولي بالبقاء وتأمين الاستمرارية لوجودها المادي، فان عملية البقاء وتأمين الوجود الماي مرتبطة في المقام الاول بانتاج اسباب الرزق وتوليدها، وان التنافس علي أسباب الرزق وتوليدها ينتهي بنشؤ طبقات من المنتجين او العاملين في الانتاج (البروليتاريا) وملاك لوسائل الانتاج (البرجوازية) " ويواصل الدكتور شمس الدين في ذات الفقرة مستشهدا بقول لـ(مكسيم رودنسون) فيقول "وقد بنت الماركسية علي هذه الفرضية الأولية المتعلقة بأسباب الرزق مقدمات فلسفية تنطلق من ان المادة سابقة للوعي وعلي ان المادة هي ما يحدد مدارك الوعي وبالتالي يتطور الوعي بتطور المادة المحيطة بالانسان".
ويواصل الدكتور شمس الدين ضوالبيت في الفقرة التالية مباشرة من كتابه في (صفحة 20) فيقول "علوم الأناسة (Anthropology) قد دحضت هذا الأساس الفكري الذي قامت عليه الفلسفة المادية التاريخية في مدرستها الماركسية، ذلك ان دراسات الأناسة وتاريخ الانواع البشرية لبدايات تكون الوعي البشري كشفت ان التنافس المباشر علي الغذاء لم يكن مشكلة حقيقية للكائنات البشرية الأولي أولا بسبب توفر الغذاء النباتي بكميات كافية، ولأن تلك الكائنات أضافت في وقت مبكر جدا اللحم الي وجباتها الغذائية لتزيد من ثراء غذائها وتعدده، وهذا يعني ببساطة ان المسائل المرتبطة بالغذاء وانتاجه وتوزيعه...الخ لم تكن لها تلك الأولوية التي منحها لها الفكر الماركسي في سلم أولويات البقاء البشري وبني عليها نظاما اجتماعيا وسياسيا كاملا." انتهي كلام الدكتور شمس الدين ضوالبيت ولكن من المدهش حقا ان (يصمت) مثقف في قامة الدكتور شمس الدين عن احترام الماركسية للعوامل الاخري غير العامل الاقتصادي وقراءات عدد من المفكرين الماركسيين لهذه العوامل. والتنظير الماركسي حول اهميتها في حركة التاريخ. فها هو ذا (فريدريك أنجلس) يقول في رسالته الي (يوسف بلوخ) المؤرخة بتاريخ 22 سبتمبر 1890م : " وفقا للمفهوم المادي للتاريخ، يشكل انتاج وتجديد انتاج الحياة الفعلية العنصر الحاسم في آخر المطاف، في العملية التاريخية، وأكثر من هذا لم نؤكد في يوم من الأيام لا ماركس ولا أنا. أما اذا شوه (أحدهم) هذه الموضوعة بمعني ان العنصر الاقتصادي ـ علي حد زعمه ـ هو العنصر الحاسم الوحيد فانه يحول هذا التأكيد الي جملة مجردة، لا معني لها ولا تدل علي شئ. ان الوضع الاقتصادي انما هو البناء التحتي، ولكن مختلف عناصر البناء الفوقي تؤثر هي أيضا في مجري النضال التاريخي، وتحدد علي الأغلب شكله في كثير من الأحيان" (راجع أنجلس ـ رسائل حول المادية التاريخية) . فـ(انجلس) في هذه الفقرة لم يدعي أي تميز أو انفراد للعامل الأقتصادي (وحده) في ما توصل اليه الدكتور شمس الدين في الفقرة التي اقتبسناها من كتابه، بل ونجد (انجلس) في تلك الرساله يوجه نقدا مبطنا للذين للذين يعملون علي تشويه الماركسية في قوله :(اما اذا شوه أحدهم هذه الموضوعة بان العنصر الاقتصادي هو الحاسم الوحيد فانه يحول هذا التأكيد الي جملة مجردة لا معني لها)
*السؤال الأول الذي يطرح نفسه بعد قراءة هذه المقتطفات من كتاب الدكتور شمس الدين هو كيف تمكن كارل ماركس المولود في القرن التاسع عشر والذي رحل في القرن التاسع عشر أيضا من الاضطلاع علي كتاب (تومبسون) حول الطبقة العاملة الانجليزية الصادر في عام 1963م أي في القرن العشرين..؟؟؟ وذلك حتي (يتبني) التعريف الوارد في كتاب هذا الأخير حول الطبقة العاملة الانجليزية..؟؟؟ وفي تقديري ان هذا النوع من النقل (الويكيبيدي) للمعلومات وعدم الدقة في نقل المعلومة والتشويش علي القراء لا يساعد في بناء قوي التغيير الحقيقية التي يتوسل الدكتور شمس الدين ضو البيت في الوصول الي مواقعها عبر (مشروع قراءة من اجل التغيير) ولا اعتقد ان (باحث) بقامة الدكتور شمس الدين الامين ضوالبيت يقع في مثل هذا الخطأ الفادح في النقل. فالفلسفة الالمانية بصورة عامه ساهمت بدرجات متفاوتة في تمهيد الطريق لـ( كارل ماركس) حيث نجد هذه الفلسفة في تجلياتها المختلفة تتضمن الخطوط العريضة لتصورات ماركس الفلسفية. كما نجد ان سلاح النقد في الفكر الألماني قد بدأ في مهاجمة ذات الظواهر التي كانت موضوعا للنقد لدي (ماركس)، كالاخلاق واللاهوت والتاريخ..الخ ولكن في ظل حديث الفلسفة الالمانية عن (اغتراب العصر) لم نجد أي اشارة الي ذلك المفهوم الذي احتل مكانة خاصة ـ فيما بعد ـ لدي ماركس وهو مفهوم (البروليتاريا) او الطبقة العاملة، وكان أول لقاء بين ماركس ومفهوم البروليتاريا في خريف عام 1843م في زيارته لباريس وتعرفه علي العمال المهاجرين هناك وقد وصف (كارل ماركس) ذلك اللقاء في ما أسماه بـ(مخطوطات 1844) . فيجب ان نشير الي أن الشكل الجنيني لمفهوم (البروليتاريا) قد ظهر في كتابات ماركس قبل هذا التاريخ رغم ان الصناعة لم تكن متقدمة في ألمانيا حيث كان أكبر مصنع بها حتي عام 1847م لا يضم أكثر من 50 عاملا ولذلك لم تظهر (البروليتاريا) كقوة اجتماعية لها وزنها في الصراع الطبقي، فضلا عن عدم وجود حركات عمالية كبيرة فلم تكن الطبقة العاملة قد بدأت في التعبير عن نفسها بنضالها الطبقي ولذلك نلاحظ ان الأشتراكيين الألمان قبل ماركس كـ)موسي هيس) وغيره لا يتحدثون كثيرا عن البروليتاريا في كتاباتهم. فمن أين اذن وصل هذا المفهوم الي (كارل ماركس) واصبح يشكل حضورا قويا في معظم كتاباته بعد ذلك..؟؟
يري (سيدني هول) ان مفهوم البروليتاريا قد وصل الي المثقفين الألمان عن طريق الكتابات الفرنسية، فقد كان جميع المثقفين في ألمانيا ـ وكارل ماركس منهم ـ يتحدثون جميعا عن البروليتاريا التي وصفها الاشتراكيون الفرنسيون في كتاباتهم ولم يكن كارل ماركس يعرف في بدايه حياته الفكرية سوي البروليتاريا التي وصفتها تلك الكتب الفرنسية، ومنها كتاب صدر في عام 1842م بعنوان (الاشتراكية والشيوعية في فرنسا اليوم) لمؤلفه (لورنتيس فون اشتاين) وكان (لورنتيس) رجعيا ملكيا وقد احتوي كتابه علي ملخصات مبتسرة لآراء الاشتراكية الفرنسية في النصف الاول من القرن التاسع عشر وأشار الي ان الاشتراكية الفرنسية قد دافعت عن مصالح البروليتاريا ويصف هذه الأخيرة بانها طبقة جديدة تشكلت في خضم الثورة الفرنسية عندما امتلك عمال باريس أمرهم في يدهم، وهي تلك الجماهير التي لا تمتلك شيئا وظهرت في فرنسا وانجلترا تطالب بمشاعية الخيرات. ويشير (لورنتيس) بان هذه الطبقة تحمل في داخلها القدرة علي تحطيم كل عمارة المجتمع الأوروبي التي أقيمت علي دعامتي حقوق الفرد والملكية. وبهذه الطبقة الجديدة يهتم الاشتراكيون والشيوعيون انهم يريدون ان يقدموا تصورا بروليتاريا للعالم في المعركة التي ستبدأ حتما بين الطبقة العاملة الثورية والطبقة الرأسمالية حيث أطلق (لورنتيس) علي هذا التصور أسم (تمرد الجماهير). هذا جزء بسيط جدا من المناخ الثقافي الذي كان سائدا في ألمانيا القرن التاسع عشر والذي نشأت وتطورت واغتنت من خلاله الفلسفة الماركسية ومفاهيمها العامة ومن ضمنها بالطبع مفهوم البروليتاريا او الطبقة العاملة. فالموضوع اذن ليس مجرد (تبني) أو نقل أعمي كما أراد ان يوحي لنا الدكتور شمس الدين الامين ضوالبيت في كتابه. وسنقف في نقاط كثيرة من هذا الكتاب الذي حاول بكل جهده أن ينفي حقيقة الصراع الطبقي كحقيقة موضوعية في سلسلة مقالات قادمة، وسوف نتطرق لتجربة الحزب الشيوعي وتعامل الحزب مع الماركسية في وثائق الحزب عبر مسار تطور برنامج الحزب الشيوعي السوداني والقراءة الماركسية لتجليات الواقع السوداني في مرحل تطوره المختلفة دون الركون الي الحلول السهلة التي تتبناها التيارات الليبرالية السودانية، والتي تري في الماركسية "عبئا ثقيلا" وسيادة مفاهيم حول (تقليل الحمولة الأيدولوجية) وغيرها من المفاهيم اليمينية التي تصبو الي تجريد الطبقة العاملة من نظريتها الثورية الماركسية حتي تسهل عملية الانقضاض عليها . فالنظرية الماركسية تحمل في داخلها منهج نقدي صارم قادر علي تصحيح الرؤية وتقويم المسار، والمقدرة علي نقد أخطاءها بكل شجاعة. فهي سلاح الطبقة العاملة والطبقات الشعبية الكادحة ضد الطبقات التي تسعي بالضرورة لتزييف طبيعة الصراع الطبقي بغرض المزيد من الاستغلال الرأسمالي البشع. )نواصل).








اخر الافلام

.. مسلسل طوق البنات ـ الكولونيل يرفض زيارة مريم - الحلقة 23


.. انفصال مي سليم ووليد فواز رسميا بعد أقل من شهر من زواجهما


.. مسلسل طوق البنات ـ محاولة قتل الكولونيل - الحلقة 24




.. -كيكي-... موضة جنونية تضرب العالم وتصل إلى العرب!


.. نادل آلي في دبي يقدم طلبات ويغني.. -الإمارات في أسبوع-