الحوار المتمدن - موبايل



الثوابت المترنحة

سعود سالم

2018 / 7 / 10
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


إن الكثير من الإشكاليات المطروحة على الساحة الفكرية والسياسية، من إشكالية الشعر والنصوص الأولية والجانبية، إلى إشكاليات الخلق والإبداع والخيال والواقع، إلى إشكاليات التراث والأصالة والمعاصرة والهوية الثقافية أو التاريخية، إلى إشكالية الأزمة ذاتها، تبدو بعد هذه المحاولات اليائسة لفك الحصار والتي دامت ما يقارب الخمسين عاما الآن من قبل النخبة المثقفة والواعية، تبدو هذه الإشكاليات وكأنها قضايا مفتعلة، نظرية، تجريدية ولا تتعلق بأي موضوع فعلي حقيقي واع. ذلك أنها إشكاليات طرحت ومازالت تطرح على الساحة الثقافية داخل المجال الفكري والنظري، ومعزولة عزلة كاملة عن الواقع الإجتماعي. ويبدو كأننا نطرح القضية بالمقلوب، ونحاول إيجاد الحلول قبل طرح الاسئلة. ووفي حالة التساؤل، نطرح الاسئلة حسب الحلول المسبقة التي تكونت نتيجة اسئلة أخرى مغايرة، فربما كان من الأجدى مساءلة الواقع الإجتماعي المعاصر ذاته بكل تناقضاته وإشكالياته، لفرز الأسئلة الملحة التي تتعلق به. ذلك أن القضية الجوهرية في هذه المحاولات لفك الحصار، هي قضية الإنسان المحاصر ذاته. الإنسان المسجون، المغلل، المضطهد، المسلوب، المهان، المحتقر، المنتهكة حقوقه الإنسانية البسيطة. هذا الإنسان المحترق الجثة في شوارع بغداد، وغزة، وبيروت، في شوارع دمشق وطرابلس وبنغازي .. هذا الإنسان الميت والمسلوب في كل الشوارع، هو مركز الأشكاليات المطروحة للبحث والنقاش والحوار. وهذا الإنسان ذاته لا يعيش في الماضي، إنه يحيا وقته، ويموت بأسلحة معاصرة، يسوق سيارته المصنوعة في المانيا أو في فرنسا أو في أمريكا أو اليابان. هذا الإنسان يسكن في الغالب بيتا أو ما يشبه البيت، وقد تخلى منذ عشرات السنين عن خيمته في الصحراء. هذا الإنسان لا يمارس الشعر ولا الخطابة، ولا يمارس القراءة والكتابة، إلا لملء الأوراق الحكومية. هذا الإنسان يتكلم لغة غير لغة المتنبي أو أبو نواس أو البحتري، وغير لغة الغزالي أو إبن تيمية لأنه في الحقيقة يجهل هذه الأسماء ذاتها، ويجهل حتى وجود التراث العربي والإسلامي ذاته. إنه إنسان يعيش عصره، ويمارس فنه الشعبي بعفوية طبيعية مثل كل عباد الله على ظهر الكرة الأرضية، دون أن يشير بأية طريقة من الطرق، إلى هذا الماضي العريق والتليد الذي يتحدث عنه المفكرون في كتاباتهم الموسوعية ـ ولن نأخذ في الإعتبار هنا حجة اللاوعي الجماعي، وماشابهها من المقولات السحرية ـ غير أنه من الضروري لتحليل أي مجتمع، تحديد القضايا الأساسية التي تلغم حياته مثل الفقر والقهر والإحتلال والأنظمة السياسية الفاسدة، ومشاكل الجهل، وسيطرة الأفكار الغيبية والدينية. لابد من القاء نظرة على الوضع الفكري والسياسي والاجتماعي بطريقة عامة.. غير أنه حتى اليوم من المستحيل أن نقوم بهذا التحليل، دون الأخذ في الإعتبار ببعض العوامل التاريخية، وبدون أن تجذبنا هذه العوامل، أو بعضها على الأقل بطريقة سحرية وغير عقلانية، إلى غياهب الأصول التاريخية المفترضة والنظرية. إن فخ التاريخ يبدو منصوبا لنا على الدوام، وفي كل ركن ـ التاريخ أفيون الشعوب. ويجب أن نكون حذرين على الدوام حتى لا نسقط في بئر النظرة السلفية التراثية. ومن الجانب الآخر، ألا نعتبر أي تيار فكري أو ظاهرة ثقافية معاصرة، بمثابة مخلوق معزول عن الزمان والمكان. فلا بد من التنقيب والحفر ولو بطريقة سطحية، لرؤية الأسس الأولية .. وباقي القصة القديمة. فكل المحللين من العرب والعجم من الشرق والغرب، كسروا أسنانهم وأقلامهم من أجل إيجاد الحل السحري الذي يطبعهم بختم المعاصرة، دون أن يفقدوا هويتهم التاريخية أو اللغوية أو الثقافية. البعض يعتقد أن حل هذه التناقضات يكمن في إيجاد منهج علمي مناسب يتم تركيبه وبناؤه من عناصر معينة من المناهج المختلفة المتراكمة في تراث الفلسفة الانسانية عموما ـ ومن ضمنها التراث الاسلامي ـ وبالذات المنهج الاستشراقي، وإبن عربي. ورغم اعتقادنا بأن المنهج قضية أساسية، إلا أنها موضوع آخر وتحتاج إلى تحليل ودراسة، وكذلك إلى منهج محدد ومغاير للمنهج الذي يجب الوصول إليه، لتحليل هذه الاشكاليات السابقة. وقبل إيجاد هذا المنهج، ربما نستطيع البدء في التساؤل عن ضرورة وجود هذه الثوابت التي تحصلت على شرعيتها بطريقة مشبوهة، وغائمة، وغير محددة، وتفتقد إلى الوضوح، مثل قضية القرآن والسنة والوحي، الهوية، الإنتماء، وقداسة النص واللغة، والعديد من الثوابت الأخرى التي يجب التحقيق في ضرورة وجودها. فعلى سبيل المثال، لماذا نفترض وجود ما يسمى بـ “الهوية“، وحتى في حالة وجود هذه الهوية التاريخية أو اللغوية أو الثقافية أو الدينية، أو كل ذلك مركزا في وعاء واحد، لماذا نفترض ضرورة البقاء على هذه الهوية، ولماذا تشكل عملية فقدانها أو استبدالها أو تطويرها مشكلة حضارية؟.. إن هذه القضية وهذا التساؤل لا يخص المجتمع العربي الاسلامي وحده، إنها قضية تعني كافة المجتمعات في الغرب كما في الشرق، إنها نفس التساؤلات التي لم يكف المجتمع الغربي منذ عدة قرون عن محاولة إيجاد الحلول لها، ولا نعتقد أن الحلول المطروحة، والتي فرضتها ظروف إجتماعية وسياسية مختلفة في الشرق أو في الغرب، تختلف جوهريا بعضها عن بعض. إنه نفس الحل الإنساني القديم، الحل الوسط، الحل التلفيقي أو الاصلاحي. وبدل هوية واحدة، نجد أنفسنا أمام هويتين وربما أكثر. الهوية الفردية، كإرادة حرة وفعالة وقادرة على أخذ القرار، غير أن حريتها الأساسية تكمن في إختيار وحيد لا نقاش فيه، وهو الإنتماء للهوية الجماعية. وهذه المشكلة تأخذ أحيانا صورا أكثر حدة، وتكاد تكون مرضية. ذلك أن بعض المجتمعات نظرا لتركيبتها السياسية والاقتصادية، والظروف الاجتماعية والجغرافية، لم تستطع أن توفر نفس المواد الصناعية الاستهلاكية، والمواد الفكرية والفنية والثقافية التي تنتجها بوفرة مجتمعات أخرى، والمسماة بالمجتمعات الصناعية أو المتقدمة. وبالتالي تلبس هذه المجتمعات هوية التخلف، ويصبح الإنسان متخلفا اوتوماتيكيا، لأنه ينتمي إلى هذا المجتمع، وينتج عن ذلك الرغبة المرضية للمثقف والسياسي المنتمي والواعي بقضايا المجتمع العربي ـ على سبيل المثال ـ الرغبة في أن ينتج الانسان العربي ذاته كل هذه المواد الاستهلاكية، أن ينتج بقدراته الذاتية الصاروخ والطائرة والدبابة والقنبلة الذرية والكمبيوتر وعلبة الكوكا كولا والبيرة المحلية ومعجون الأسنان وكريم الحفاظ على جمال البشرة. وننسى أن الإنسان الغربي الذي ينتج هذه المواد، لا يختلف جوهريا عن المواطن العربي المتخلف، الذي يستهلك هذه المواد دون أن ينتجها. ذلك أن المواطن الغربي ذاته لا يملك الحرية الكافية لإنتاج هذه المواد. إنه مستعمل ومستغل مثله مثل الآلة التي يديرها ثماني ساعات في اليوم، وهو لم يختر بحرية أن ينتج هذه الأشياء، بل ربما لا يعي ولا يعرف ولا يريد أن يعرف، لماذا ينتج زجاجات البيرة والكوكا كولا.







اخر الافلام

.. توقيع اتفاقيات تعاون بين روسيا وسوريا


.. قناة العربية - البث المباشر


.. البرلمان الأوروبي ينتقد مصر حقوقيا ويشجب التعاون الأمني معها




.. الحصاد-الشيوخ الأميركي يدينه بالإجماع.. تضييق الخناق على بن


.. من واشنطن-مستقبل العلاقات الأميركية السعودية بعد قرارات مجلس