الحوار المتمدن - موبايل



حروب الكلام

سعود سالم

2018 / 7 / 14
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


1 - بالتأكيد
هناك من الكلمات ما يقتل، مثل كلمة "حرية" أو "ديموقراطية" من حيث أن هذه الكلمات البسيطة والمكونة من عدة حروف بائسة تستعمل ذريعة للقتل والتدمير والإحتلال والإستيلاء على خبز الفقراء. بل نستطيع أن نصنف كلمة "ديموقراطية" كسلاح من "أسلحة الدمار الشامل" استعملته أمريكا وأوروبا لتدمير شعوب وحضارات بأكملها. فالكلمة البسيطة المكونة من عدة حروف يمكن أن تتحول إلى برنامج سياسي كامل وإيديولوجية معقدة واستراتيجية بعيدة المدى تساندها الجيوش والأساطيل وحاملات الطائرات، وتساندها أيضا العديد من المؤسسات العلمية ومراكز البحوث والجامعات المتخصصة في علوم السيطرة والتدميروالإحتلال. على سبيل المثال، توجد في كل الجيوش مؤسسات أو مكاتب خاصة تسمى مثلا بالدائرة المعنوية أو دائرة الحرب النفسية أو المكتب الإعلامي إلخ، من مهامها اختيار "الكلمات" المناسبة، وأسماء لعمليات القتل والتدمير التي يقومون بها. وهذه الأسماء تحمل عادة أهدافا دينية وسياسية، تعبر عن المعنى الذي تريد هذه الجيوش إعطاءه للعالم. فإسرائيل مثلا تعطي أسماء للعمليات العسكرية التي تقوم بها ضد الفلسطينيين من نوع "الجرف الصامد"، "عودة الإخوة"، "الرصاص المصبوب"، "الشتاء الساخن"، "السور الواقي" و"عمود السحاب"، "السهم الأسود"، "عناقيد الغضب"، "قوس قزح"، وغيرها من عشرات المسميات التي دأبت إسرائيل على إطلاقها في السنوات القليلة الماضية على عمليات عسكرية ضد الفلسطينيين وضد المقاومة الفلسطينية. وبالمقابل نجد أن فصائل المقاومة الفلسطينية تستعمل نفس الإستراتيجية تماما وتعطي أسماء للعمليات العسكرية التي تقوم بها ردا على العدوان الإسرائيلي مستعملة نفس اللغة الشعرية الركيكة مثل "العصف المأكول"، "حجارة السجيل"، "البنيان المرصوص"، "ثقب في القلب"، "الوهم المتبدد"، ومن الواضح أن هذه الأمثلة تحمل أبعادا دينية وسياسية ومعنوية، مثلها مثل التسميات الإسرائيلية المستلهمة من نصوص في التوراة والميثولوجيا الدينية اليهودية. وأول من بدأ بإطلاق أسماء على العمليات العسكرية كانت هيئة الأركان العامة للجيوش الألمانية وذلك خلال السنتين الأخيرتين من الحرب العالمية الأولى، حيث استخدم الألمان أسماء رمزية وذلك للحفاظ على سرية العمليات في المقام الأول، بالإضافة إلى أن الأسماء تسهل متابعة وتعقب سير العمليات المختلفة بطريقة واضحة. يبدو أنه قبل القيام بأية عملية عسكرية يتم البحث أولا عن الكلمات، داخل الثقافة العامة والتاريخ الوطني والبطولات السابقة والكتب الدينية عن اسم يناسب العملية، وإقناع أفراد الجيش بأنهم يقومون بمهام سماوية وإلهية مقدسة، مهام وطنية وتاريخية أو إنسانية. ولهذه التسميات أثر إيجابي حسب ما يعتقد ويأمل خبراء اللغة في نفسية الجندي الذي يذهب إلى الموت مرحا مغنيا مدفوعا بقوة هذه الكلمات، وأثر سلبي مأمول على الطرف الآخر ليشعر بالرعب والخوف ويفر هاربا تاركا سلاحه وعتاده.وها هو مثال من ه#ا النوع من التعبئة النفسية انتفيناه من الصحافة العربية: "أثار إعلان إطلاق عمليات تحالف "عاصفة الحزم" بقيادة السعودية، ضد الحوثيين في اليمن، ردود فعل واسعة، فقبل الإعلان عن نتائج هذه العملية، طغت الأجواء الإيجابية على الرأي العالم العربي والعالمي، ولعل السبب الرئيسي لهذا الأثر الأولي الإيجابي كان وراءه الاسم القوي والمعبر للعملية وهو "عاصفة الحزم". ورغم عدم صدور أي تفسير رسمي لاختيار هذا الاسم، بد واضحاً أن "عاصفة الحزم" جاءت من قلب العمق العربي والخليجي بلغة عربية واضحة، حددت الحسم والحزم والانضباط، موضحة عاملين أساسيين في المعركة وهما قوة القرار العربي الموحد "الحازم"، وطبيعة العملية "العاصفة" بالانقلابيين الحوثيين. وكان لاختيار هذا الاسم وقع قوي لا يمكن تجاهله على مواقع التواصل الاجتماعي، منذ اليوم الأول للعملية، حيث تصدر وسم "عاصفة الحزم" الاهتمام العالمي على موقع تويتر، وأثار حماسة الشباب العربي، وروى ظمأه المتعطش لرؤية قوة عربية موحدة، صانعة للقرار."
ففي مقابل القيم الدينية كالشهادة في سبيل الله وفي سبيل الوطن ولكن أيضا من أجل الجنة والثواب، والتي تعزز في الجندي المسلم القوة والحماس والصمود والرغبة في الموت من أجل الوطن أو الملك أو الجنرال، يلجأ القادة الغربيون إلى التاريخ والقيم الإنسانية العامة التي يدعون إمتلاكها وحق الدفاع عنها ونشرها في العالم بقوة السلاح، كالعدالة والحرية والديموقراطية والسلام وحقوق الإنسان.. وأثتاء الحرب العالمية الثانية تم اختيار أسماء العمليات الكبيرة بطريقة مدروسة، كان وينستون تشرشل من الذين ساهموا بطريقة حاسمة في تسمية أهم العمليات الكبرى، إذ دفعه ولعه باختيار الأسماء المشفرة للعمليات، لتحمل مسؤولية إقتراح أسماء العمليات الكبرى كافة، وذهب تشرشل لتدوين بعض المبادئ الرئيسية لتوجيه معاونيه: فالعمليات التي قد تحصد عدداً كبيراً من الأرواح يراعى ألا توصف بكلمات تمنح ثقة مفرطة بالنفس، وعلى العكس، الخطط التي تسعى لتطويق وحصار العدو لبعث اليأس ينبغي ألا تكون تافهة أو عادية، وينبغي تجنب أسماء الأشخاص الأحياء، من وزراء وقادة. ثم أن العالم واسع ومليء بالأسماء الذكية، لذا يجب الابتعاد عن الأسماء التي لا توحي بطبيعة العملية أو التي قد توحي بالاستخفاف، فليس من المهيب أن تقول الأم بأن ابنها قتل في عملية تسمى "عناق الأرانب" أو "الضجة". وأخيرا يقول تشرشل، أسماء العلم جيدة في هذا المجال، وأيضاً أبطال العصور القديمة، إضافة للأرقام اليونانية والأساطير الرومانية، والأبراج والنجوم، وخيول السباق الشهيرة، وأسماء من أبطال الحرب البريطانية والأمريكية، شريطة أن تندرج ضمن القواعد المذكورة أعلاه. وقد نشرت وزارة الدفاع الأمريكية بدورها، مبادئ توجيهية لتسمية العمليات أوضحت أنه يجب أن تكون الأسماء ذات معنى، وأن تستهدف الجماهير الرئيسية المعنية، وأن تحذر من الموضة الدارجة، إضافة لجعلها قوية ومختصرة وقابلة للحفظ في الذاكرة العامة. ومن أسماء العمليات الأمريكية : "مخلب النسر"، "اورانوس"، "درع الصحراء"، "عاصفة الصحراء"، "الحرية الدائمة"، "استعادة الأمل"، "الغاية"، "النسر"، "العقرب الإسبارطي"، "العزيمة الصلبة" "فجر الأوديسة" والعديد من مثل هذه الأسماء الشعرية اأطلقتها أيضا فرنسا وبريطانيا وبقية دول "السلام والعدل والحرية" على عملياتها العسكرية - الإنسانية.𔆒 - ولكن
لا شك أننا نبالغ في إعطاء الكلمات هذا الدور المهم إلى هذه الدرجة، فالكلمات وحدها لا يمكن أن تقود إلى النصر، ويمكننا أن نصرخ ليلا ونهارا لمدة قرن كامل بأننا أنتصرنا على العدو وسحقناه ومزقنا خطوطه الدفاعية، فإن ذلك لن ينفع شيئا ولن يجعل العدو يتقهقر شبرا واحدا من مواقعه إذا لم نطلق الرصاصة الأولى. الكلمات وحدها "في ذاتها" مجرد علامات نملية بائسة على الورق أو على الشاشة، أو مجرد أصوات حيوانية مبهمة تنتشر في الفضاء الشاسع مثل صوت الريح وأمواج البحر. الكلمة لكي تصبح عاملا يؤثر في الاشياء، لا بد لها أن تتشيأ بدورها وتعود إلى ما تشير إليه. فكلمة "رصاصة" لن تقتل عدوك، كما أن كلمة "خبز" لن تشبع الجائع، وكلمة "مفتاح" لن تفتح باب زنزانتك في سجن الجنرال، كما أن كلمة "كلب" لا تنبح ولا تعض ولا تطارد القطط. الفعل وحده قادر على تغيير الواقع، والفعل وحده قادر على تحويل الكلمة إلى خبز أو زهرة أو رصاصة.𔆓 - الرصاصة
ليست الرصاصة التي تقتل، وإنما الحفرة التي تتركها في الصدر.







اخر الافلام

.. بومبيو: علاقتنا بالمملكة السعودية قوية


.. الجيش الوطني اليمني يسقط طائرة حوثية مسيرة


.. إحالة متهمين بإختلاس مليار دولار للجنايات




.. تقلبات مناخية تضرب شمال وجنوب المتوسط


.. ابتكار نوع جديد من الشوكولاتة الحمراء