الحوار المتمدن - موبايل



الدولة البوليسية دولة تخريب ( 2 )

سعيد الوجاني

2018 / 7 / 23
مواضيع وابحاث سياسية



رأينا في الحلقة السابقة ، كيف تتحول دولة الشخص الواحد ، عندما يهبها على طبق من ذهب الى الزّمرة ، الكمشة البوليسية ، التي تتحكم بالقمع والقهر في رقاب الشعب ، وفي الاستحواذ الغير المشروع على الثروة والامتيازات بحجة ( خدام الدولة ) المفروشة ، وكيف تتمدد وسط الدولة بالسيطرة على المجتمع ، من خلال تثبيت فوبيا الشعب في ذهن الأمير الامام المرتبك والمضطرب ، حتى يستمر في تمكينها من المغرب والمغاربة ، اعتقادا منه انها تحميه ، في حين انها تأكل الثوم من فمه .
الدولة البوليسية التي لا علاقة لها بالتنمية ، ولا بالمشروعات العامة ، فبعد ان تُحوّل الدولة والمجتمع الى التخابر ، والقمع ، والترهيب ، فإنها تصبح دولة تخريب لا دولة تنمية ، ومن ثم فهي تشبه مضخة تسقط ما ينتجه الشعب في الداخل ، وقمعا يسكب في جوفها ما تتسوّله في الخارج ، فهي بذلك حالة نوعية خاصة في وضعنا المغربي بشكل خاص والعربي بشكل عام . فهي على سبيل المثال ، تتحدث كل الوقت عن التنمية ، ومصادرها ، وتراكم رؤوس الأموال ، وخططها ....لخ ، لكنها في الحقيقة لم تحدث أي تبدل في بنية علاقاتها مع السوق الدولية كعلاقات تبعية . بل بالعكس ، لقد وطدتها الى اضعاف ما كانت عليه قبل خمسين سنة خلت ، ومع ذلك لا تنقطع عن الكلام عن التنمية الغير الموجودة أصلا .
اما كيف تحدث التنمية فعلا ، فذلك امر يدل عليه العجز التجاري المُزمن ، ومديونية الدولة الداخلية والخارجية ، والتضخم النقدي الزاحف ، وتدهور ، إن لم نقل انهيار الزراعية عند الشعب ، وتعاظم طابع الاقتصاد كاقتصاد أحادي المنتوج ، وتزايد الهجرة من القرية الى المدينة ، والفقر الذي يسحق الشعب ، وبلغ درجة فظيعة في كل قطاع ، ووصل حتى الى صفوف الطبقة الوسطى ، والشرائح المرتفعة منها .
ومع ذلك فإن هذه البنية الجلية للمجتمع ، التي أساسها احتلال السلطة السياسية بمختلف الأجهزة البوليسية الفاشية ، وليس العمل والإنتاج ، لم تنجم عن برامج تنموية قامت على قلب هياكل العلاقات الاجتماعية والطبقية لصالح مجتمع جديد ، هو المجتمع الصناعي البرجوازي ، بل نجمت ببساطة شديدة عن دخول علاقات رأسمالية ملجومة ومشوهة ، الى كل مكان من المجتمع ، فجاءت معها بالفعل التدميري والتخريبي للرأسمالية ، وتركت الجوانب الثورية والتقدمية منها .
ومن هيمنة هذا النمط من الدولة البوليسية التي تعتبر دول نهب في الداخل ، وتسول في الخارج ، فهي لا تصلح الى إقامة أي مشروع تنموي كبير ، والى حدوث تبدل في العلاقات الاجتماعية القديمة هنا او هناك ، لتتحرر على اثره الجماهير من سلطة العمل الزراعي في البادية ، و التي يقدف بها هذا الوضع الى المدن حيث لا تجد امامها ، وفي انتظارها سوى أجهزة الدولة البوليسية المختلفة ، والجدرمة ، والإدارة البيروقراطية ، نظرا لعدم وجود تنمية صناعية تستطيع استيعابها ، وامتصاص طاقاتها .
إن هذا النمط المهزوز من التنمية ، هو اكبر دليل على ان المجتمع يضعف بقدر ما تتقوى الدولة البوليسية ، وعلى ان جميع الاقنية الاجتماعية صارت مرتبة ، بحيث تصب في النهاية في مصالح الزمرة ، الكمشة البوليسية الفاشية .
ان المفاجئة التي تجهلها العصابة البوليسية المسيطرة ، والمتحكمة في رقاب الشعب والدولة ، هو ان هذا الانصباب الكلي في مستنقع الدولة البوليسية ، حتما سيفجرها من الداخل ، لأنه يجر اليها التناقضات الاجتماعية والسياسية ، مع الكتل الاجتماعية المختلفة التي تدخل صفوفها ، وهذا يعزز بدوره تدهورها ، وانهيار عملها ، وتعاظم حق المجتمع عليها ، كما هو ملاحظ اليوم في مسيرات الشعب المختلفة ، وفي الاحتجاجات التي تعم كل المغرب ، بقراه ، ومداشره ، ومدنه كبيرها وصغيرها .
في نمط ( تنمية ) اللاّتنمية كهذا ، يرتفع الى اعلى ، عشرات الذئاب باسم ( خدام الدولة ) ( وزير الداخلية عبدالوافي لفتيت الذي استولى على ارض بمنطقة من اغلى المناطق بالرباط ، مساحتها حوالي 3900 متر مربع ، بثمن 350 درهما للمتر المربع ، في حين ان ثمنها الحقيقي هو 6000 درهما للمتر . فكم مليار جنى بطرق غير مشروعية ؟ ) ، وينزل الى اسفل ملايين المغاربة كغنم . على ان ارتباط الذئاب بالسوق الرأسمالية الملجومة يبقى كبيرا ، الى درجة ان نمط استهلاكهم ، يعوضها عن خساراتها للمجتمع الذي تحتقره وتذله ، والذي تنخفض قدرته الشرائية بشكل يهدد بالطوفان .
على ان الدول البوليسية كهذه ، تتصف بأمر هام ، فهي دولة لا ديمقراطية ، قمعية ، ناهبة ، توتاليتارية ، حيث لا تبقى فقط في العاصمة والمدن الكبرى ، بل تمد جهازها البوليسي الى كل مكان من البلاد وذلك :
1 ) حتى تنهب وتفترس المجتمع نهبا وافتراسا شاملين ، فهي يجب ان تكون موجودة في كل توصيفاته .
2 ) ولكي تقمع الشعب قمعا شاملا ، يجب ان تكون حاضرة في كل زواياه .
إذا كان النهب والقمع يوحد غالبية الشعب ضدها ، فإنها يجب ان تضطهد هذه الغالبية ، وإذا كان القمع والنهب يستنفر المجتمع ، فيجب ان تَكْبته ، حيثُ هو قائم فعلاً ، أي من قاعدته العريضة ، صعودا الى صفوف الشرائح العليا .
ففي الحالتين يجب ان تكون سياستها شاملة ، وان يكون وجودها شاملا . فممارسة السياسة الشاملة ، تعني ان وجود الدولة البوليسية هو وجود " اجتماعي " ، يمتد الى سائر نقاط الرقعة الاجتماعية ، ولكن ليس بوصفها رقعة للمجتمع ، بل بوصفها رقعة للدولة فقط .
ان هذه السياسة الشاملة تلحق الأذى بكل من يقيم تماسا معها من الطبقات ، والفئات ، والشرائح الاجتماعية ، ولأنها دولة توتاليتارية ، شاملة وشمولية ، فإنها تطرح القضايا المعلقة بما يوطد تفوقها على المجتمع الذي ليس هو مجتمعها ، فتصير مسألة في أهمية المسألة الزراعية مثلا ، عنصرا من عناصر نهب الزراعة ، وليست أداة حل مشاكل الفلاحين والشعب ، ونفس الشيء نلاحظه في التجارة ، والاقتصاد .. لخ ، وبذلك تتحول القضايا الوطنية المؤجلة الى قيد على الوطن ، بدل ان تكون أداة من أدوات تحرره .
فكيف توظف الدول البوليسية القضايا الوطنية ضد مصالح الشعب ؟ عنوان الحلقة القادمة .
( يتبع ) .







اخر الافلام

.. الحوثيون يفشلون في استعادة المناطق التي خسروها في الملاحيظ


.. ترامب: الولايات المتحدة ستنسحب من معاهدة نووية بسبب انتهاك ر


.. وفاة رئيس وزراء هولندا السابق فيم كوك عن ثمانين عاماً




.. إعلان نتائج انتخابات برلمان كردستان العراق


.. ترامب يعلن عزم بلاده الانسحاب من الاتفاق النووي مع روسيا