الحوار المتمدن - موبايل



حين توظف الدولة البوليسية القضايا الوطنية ضد مصالح الشعب -- الصحراء المغربية -- ( 3 )

سعيد الوجاني

2018 / 7 / 26
مواضيع وابحاث سياسية




رأينا في الحلقتين السابقتين كيف تتناقض الدول البوليسية مع الدولة الديمقراطية ، وكيف وهي الخاوية الوفاض ، لا تتعامل الاّ بالقمع ، للجْم أصوات الاحرار والشرفاء فاضحي الفساد ، وليِّ وتجفيف أقلام المثقفين المُعرّين والفاضحين لفسادها، وكيف بعقليتها الانتهازية والوصولية ، وتكوينها النفسي المريض ، تصبح عالة على البلد ، حيث تتحول الى دولة هدم وتخريب ، لا الى دولة بناء وتشييد .
في الحلقة الثالثة هذه ، سنحلل ونعالج دور الدولة البوليسية الوحيد ، في الحفاظ على ذاتها المفروضة بقوة القهر ، والبطش ، والاذلال ، حتى تستمر في استبدادها وطغيانها ، وتستمر في نهبها للمال العام بطرق غاية في الخسة والنذالة .
ان أي تفسير تعتمده الدولة البوليسية للتناقضات الأساسية التي تنخر المجتمع ، لا يعدو الاّ ان يكون تفسيرا بوليسيا ، مبنيّ على الاخبار الكاذبة التي تعطي للواقع وصفا ، ليس هو الوصف الحقيقي الذي يجسده في الواقع . بل حتى التاريخ تفسره الدولة البوليسية تفسيرا بوليسيا ، لإضفاء هالة ومشروعية ، على طقوس غريبة عن منطق الدولة الحديثة . فما دام ان رأس النظام ، اعتقادا منه انها تحميه ، وتضمن مصالحه الاقتصادية المتنوعة والمختلفة ، قد مكنها من الدولة ، والمجتمع ، والشعب ، فشراسة وعدوانية الدولة البوليسية في تزايد ، لدرجة انها تحوّل النظام كنظام ، الى مملكة يطغى عليها الرعب والخوف .
ان القاعدة الوحيدة التي تتأسس عليها ، هي قاعدة بوْلسة المجتمع والدولة ، بخلق فوبيا الشعب في نفسية الحاكم ، وهي قاعدة مقيتة وضعيفة الحجة ، لأنها تحمل في طياتها أسباب هلاكها . وبالرجوع الى التاريخ ، فالمصير الحتمي لأية دولة بوليسية هو السقوط .
وبالرجوع الى الماضي القريب ، سنجد ان النظام لا يترك اية فرصة انتعاش ، الاّ واستعملها لتمديد بقاءه . فالكل يعرف الوضع الخطير الذي كان يتهدد اصل النظام طيلة الستينات والسبعينات ، وبداية الثمانينات . والكل يتذكر اصل الصراع الاجتماعي / الطبقي الذي عرفه المغرب ، حيث كانت كل الحركات الجذرية ، تستهدف رأس النظام لا جوانبه . كما ان الكل يتذكر محاولات الجيش للإطاحة بالنظام في محاولتين انقلابيتين ( 1971 و 1972 ) ، كما يتذكر المحاولة الفاشلة للجنرال احمد الدليمي بتنسيق مع عسكر الجزائر .
وحتى يخرج النظام من دائرة الخطر التي كانت تلف عنقه ، وجد ضالته في قضية الصحراء ، لقلب المعادلة الطاغية التي كانت تضبط العمل السياسي ، وهي استعمال الصحراء في استدراج المعارضة الجذرية الى صفه ، وفي اشغال الجيش بما يبعد عنه خطر أي انقلاب .
ان احسن مثال ساطع على الطريقة التي توظفها الدولة البوليسية ، لتأبيد ديمومتها واستمرارها ، رغم تناقضها الصارخ مع المجتمع المسيطرة عليه بآلة البوليس القمعية ، تبقى القضايا الوطنية التي تثير إحساسا مفرطا لدى الشعب المغربي ، خاصة في وسط فقراءه ، وفي وسط برجوازيته الصغيرة ، وما فوق الصغيرة .
فحين تنجح الدولة البوليسية ولو مؤقتا ، في توظيف القضايا الوطنية ، ضد مصالح الشعب والجماهير التي تطالب بالديمقراطية ، والعدل والمساواة ، وعدم الإفلات من العقاب ، وربط المسؤولية بالمحاسبة ، واستعمال مثل هذه القضايا لاستمرار الدولة اللاّديمقراطية في مواصلة استبدادها وطغيانها ، فان التوظيف الحقيقي لمثل هذه القضايا ، تعالجه الدولة البوليسية ديماغوجيا ، كمشكلة حكم ونظام ، وليس كمشكلة وطنية تثويرية تهم الوطن والتاريخ ، و كامتداد متواصل لمختلف نضالات الشعب المغربي ، في الدفاع عن وحدته الترابية والجماهيرية .
بادئ ذي بدء ، عندما كان هناك نهوض شعبي وثوري يعم كل المغرب ، من شماله الى جنوبه ، وكان وضع النظام الملكي على شفا حفرة ، ويطل على الهاوية ، لم يتردد الحسن الثاني في ان يطلب من الاستعمار الاسباني عدم الانسحاب من الصحراء ، ورجاهم للبقاء فيها ، حتى لا تحسب عملية استرجاع الصحراء ، على الحكومة التي ترأسها الأستاذ عبدالله إبراهيم ، ومنه على حزب " الاتحاد الوطني للقوات الشعبية " . لكن الإطاحة والانقلاب على حكومة عبدالله إبراهيم ، وبعد ظهور الفوسفاط ، وطفح منسوب الثروة السمكية بالصحراء ، حتى تراجعت اسبانيا الاستعمارية عن قرارها بالانسحاب من الصحراء ، وأصبحت الصحراء بكل تناقضاتها ، تفعل فعلتها في بنية النظام السياسي المغربي ، وفي ترتيب وتحديد نوع العلاقات السياسية بين دول الجوار . هكذا سنجد ان الصحراء ، ظلت واستمرت تلوح بنفس الخطر على اصل النظام ، مهددة إياه بالسقوط في كل فترة وحين ، وخاصة وان جميع السلالات التي حكمت المغرب قد جاءت من الصحراء ، وسقطت كذلك من الصحراء ، والحسن الثاني حين طرح قضية الصحراء بارتباطها بالحكم ، وليس كقضية تحرير وطني ، يكون بذلك قد زاد في نسبة الخطر الذي تمثله الصحراء على النظام ، ويكون بذلك قد فشل في اغلاق باب الصحراء الذي يتحكم لوحده في بقاء السلاللة في الحكم ، او في سقوطها وتعويضها بسلالة أخرى ، لكن هذه المرة ان حصل السقوط ، فلن يعوض بسلالة جديدة ، بل سيعوض بما تقرره واشنطن ، لندن ، مدريد ، باريس وتل ابيب . فلو نجد انقلاب الجنرال احمد الدليمي ، او نجح انقلاب 1971 وانقلاب 1972 ، فهل كان سيأتي بسلالة غير السلالة التي سقطت الى الحكم ؟ .
هكذا سنجد ان الحسن الثاني عندما طرح في أوساط السبعينات الموضوع مجدداً ، فهو طرحه من منظور توطيد الحكم بعد سلسلة الانقلابات العسكرية ، والانتفاضات الجماهيرية والشعبية ، وليس من منظار حل مشكلة وطنية ، أي انها اعتبرت أداة لتقوية مواقع الملكية والاقطاع المرتبط بها ، وباباً تتسلل منه موازين القوى الغربية الجديدة ، بدل ان تطرح في اطار استراتيجية تحررية ، جوهرها معاداة التبعية الى الخارج ، وبالتالي الاستناد الى برنامج تطويري في الداخل ، يعتمد على أوسع قاعدة شعبية تحررية عريضة .
والحقيقة ان هذأ الطرح ، أفقد القضية وجهها الوطني الأصيل ، الذي كان لها في فترة النهوض الشعبي التحرري ، فحولها بطريقة رديئة ، الى قناة صرف للتناقض الداخلي ، بين الشعب وبين النظام المستند الى الاقطاع .
وبديهي ان التكتيك الذي رُسم لمعركة كهذه ، العدو الأساسي فيها هو الشعب ، وليس الاستعمار ، ولا الامبريالية ، كان يعمل على تطويلها بدل حلها ، وعلى تشعيبها بدل حصرها وحسمها . كما كان ولا يزال يقوم على دمجها في اطار السياسة الامبريالية ( مجلس الامن ) ، بدل انتزاعها وانتشالها من هذا الاطار ، ولهذا بالذات بدأت المشكلة دولية ، ولا تزال كذلك الى اليوم ، دون ان تأخذ حتى الآن طابعها الوطني الغالب .
هكذا ، وان تعمقنا كمثقفين في التحليل وفي علمية المعالجة ، ورجعنا الى التاريخ الكاشف والفاضح لكل الأدوار الخائنة واللاّوطنية ، كالاعتراف بالجمهورية الصحراوية ، لوجدنا ان خطط القوى الخارجية كانت منذ هزيمة قرطاجة على روما ، تقوم على أسس قلما تغيرت ، وإن كان قد أصابها بعض التطوير ، منها :
1 ) الاستيلاء على رؤوس الجسور على الشاطئ ، وتحويلها الى مراكز تحشد لتكون قادرة على قمع الداخل ، ولتستمر كمراكز للنهب لداخل كذلك .
2 ) ادخال وتوطيد سلطة الاقطاع في كل بلاد المغرب .
3 ) افتعال الاقتتال والتناقض بين مكونات الشعب في الداخل ، وبين مكونات دول الشمال الافريقي .
4 ) ربط شرائح اجتماعية من المغرب بالمصالح الخارجية ، إما عن طريق المركز الاجتماعي ، او عن طريق لغة القوة الخارجية ، او عن طريق اعتناق دياناتها ، وهذان يتيحان الدخول في جهاز ادارتها ، والتمتع بقسم من الامتيازات المتاحة لها .
باختصار ، فإن هذه الشروط والاسس المعتمدة على التجزئة السياسية ، والنظام الاقطاعي ، والارتباط بالخارج الذي يصاحبه اكبر قدر من التناقض بين الوحدات السياسية في الداخل ، لا يزال الاستعمار والامبريالية يعتمدها ، مع بعض التطوير الذي أصاب الدولة بشكل خاص .
في شروط كهذه ، تتحول اية مشكلة الى مادة متفجرة بين الكيانات السياسية ، خاصة حين تحل في اطار اللعب الخارجي ، وتُفصل عن مقوماتها الذاتية التي تجعلها عنصرا من عناصر تقوية الداخلي ضد الخارجي .
في هذا الاطار ، عملت الرجعية المغربية ، ولا تزال تعمل ، لحل مشكلة الصحراء التي تلقي بظلال و بسحب قوية ، قد تتحول الى طوفان مهددة لأصل الحكم ( الجمهورية ) ، لا الى ضفافه ( الملكية البرلمانية ) ، أي لتعقيد الوضع ليس فقط بالصحراء ، بل بكل منطقة شمال افريقيا ، و يزيد الامر سوءاً انّ هذه السياسة الرجعية ، فرضت نفسها حتى الآن على كل الأحزاب السياسية ، التي كانت تحمل تصورا مغايرا لها ، وتناضل وفق برنامج يختلف عنها .
وإذا كانت تلك الأحزاب ، منها من انقرض ، ومنها من تحول الى صدفة فارغة ، ومنها ورغم ضعفه البيّن والواضح ، قد اصبح يردد أسطوانة النظام من قضية الصحراء ، ويبصم بالأصبع العشرة على كل خطوات النظام ، وقراراته وانْ كانت متناقضة عن بعضها ( مرة المغرب في صحراءه والصحراء في مغربها ) ، ومرة ( الدعوة الى الاستفتاء وتقرير المصير ) ، ومرة ( قبول اتفاق الاطار رغم خطورته ، ثم رفضه ) ، ومرة ( الاستفتاء التأكيدي غير الموجود في القانون الدولي ) ، ومرة ( الحكم الذاتي ) ، ومرة ( الجهوية الموسعة الاختصاصات بعد فشل حل الحكم الذاتي ) ، ومرة ( الاعتراف بالجمهورية الصحراوية ) ، فان ما يؤسف له ، ان قضية الصحراء المغربية قد اختصرت ومُسخت الى مستوى فظيع ، انصب بأسره على المسألة التالية : الصحراء مغربية ، ويجب ان ندعم جهود الحكم للحفاظ عليها ( الحزب الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي ) ، بينما المسألة هي في الحقيقة التالية : الصحراء مغربية ، وعربية ، و امازيغية ، فيجب ان تتحول المعركة من اجل استردادها ، الى معركة لإضعاف الاقطاع ، وسلطته ، واستبداده ، وطغيانه ، واسقاطه ، مع اسقاط كل مشاكل المنطقة المرتبطة بنزاع الصحراء .
إن أحداً لا يشك بان الصحراء هي جزء من المغرب ، وانها مغربية عبر كل التاريخ والعصور ، لكن الشكوك تدور حول تحول هذه القضية الوطنية الهامة ، من رافعة بأيدي قوى التغيير والديمقراطية الحقيقية ، الى أداة بيد النظام والاقطاع والقوى الامبريالية المساندة لهما في ذبح والتنكيل بالشعب ، وبقواه من الحركة الوطنية والتقدمية والثورية .
فكيف انعكس صراع ونزاع الصحراء على شعوب ودول المنطقة ؟ موضوع الحلقة المقبلة .
( يتبع ) .







اخر الافلام

.. هواوي تكشف عن ساعة Watch GT


.. آرسين فينغر يكشف موعد عودته إلى التدريب


.. رئيس الوزراء العراقي يعلن تشكيل الحكومة الإثنين المقبل




.. شركة هندية توقف استيراد النفط الإيراني


.. وصول نادر.. تقرير لـ -سي أن أن- من أراضي الروهينغا