الحوار المتمدن - موبايل



بعد الخطاب الملكي الذي حرره عملاء الدولة البوليسية ، تبقى طريق واحدة للمعالجة ( 6 )

سعيد الوجاني

2018 / 8 / 1
مواضيع وابحاث سياسية



الخطاب الذي القاه الملك محمد السادس مؤخرا ، وهو خطاب امني بامتياز ، ومن تحرير عملاء الدولة البوليسية الذين يجهدون في الاستمرار في بسط أيديهم ، وجبروتهم ، واستبدادهم ، وطغيانهم على المغرب وعلى الشعب ، هو خطاب خطير . ولنا ان نتساءل ، كيف للملك ان ينعت المعارضة بالأوصاف السلبية ، من عدمية وسلبية ..لخ ، وهو الذي حاول جاهدا وغير موفق ان يتظاهر بملك ( الفقراء ) وبالملك ( الحداثي ) ، و( الديمقراطي ) ، في حين ان خطابه الذي حرره عملاء الدولة البوليسية ، وهو خطاب صادم ، ستكون له تبعات سياسية قد تكون لها انعكاسات سلبية على النسيج الاجتماعي الوطني ، تعيد بنا الى سنوات الستينات ، والسبعينات ، والثمانينات ، وحتى التسعينات من القرن الماضي .
والسؤال الذي اود طرحه : هل الملك الذي كان يقرأ الخطاب ، كان واعيا ومدركا بمضمون الخطاب ، ام انه كان يقرأ دون ادراك خطورة ما كان يقرأ ، وهنا فانه سيكون قد سقط في فخ من يزينون له القبح ، ويوصفون له الواقع عكس منطوقه و حقيقته ، ومن ثم يكونون قد نجحوا في خلق هوّة بينه وبين الشعب ، وهي هوّة موجودة منذ ستة عشر سنة ، انما اليوم أعلنت صراحة عن وجهها الذي كان خفيا ، وبينه وبين المعارضة التي تزين وجه النظام اللاديمقراطية امام الدول المانحة ، وامام منظمات حقوق الانسان الأممية المختلفة .
نحن كنا نساير ونتابع كل ما يجري ببلدنا في مجال الشأن العام ، وكنا قد ادركنا منذ بداية ما يسمى ب( العهد الجديد ) ، انه ليس هناك ( عهد جديد ) ، بل هناك استمرار ومواصلة لنفس النظام ، انما بميكانيزمات جديدة ، ووجوه جديدة ، لان النظام السياسي في المغرب يتطور ولا يتغير . وللتدليل على صحة تحليلنا ، يكفي الرجوع الى الدستور الممنوح الذي يركز كل السلط بيد الملك ، ويعتبره الممثل الاسمى للامة ، وليس للشعب . فهل نسمي نظاما ما بالنظام الديمقراطي ، إذا كان يختزل الدولة في شخص الحاكم ، ويختزل شخص الحاكم في الدولة " انا الدولة ، الدولة انا " ؟ . بل اخطر من ذلك ، ان السلطات الواسعة للملك ، ليست هي التي ينص عليها الدستور الممنوح ، بل هي تلك السلطات الاستثنائية التي يمنحها عقد البيعة غير المكتوب ، لرئيس الدولة ليس كملك ، بل كإمام ، وراعي كبير و أمير ، وهو ما يجعل العمل السياسي ، وممارسة الشأن ببلادنا توصم بالعقم ، وباسكيزوفريينيا " ( اصالة ) ليست بأصالة و ( حداثة ) ليست بحداثة " .
وإذا كان من ميزات الأنظمة الديمقراطية الحقيقية ، خلو وفراغ سجونها من كافة المعتقلين السياسيين ، ومعتقلي الرأي ، والمعتقلين النقابيين ، ومعتقلي فاضحي الفساد بملفات بوليسية مطبوخة على المقاص ، ومعتقلي الحركة الطلابية .....لخ ، فانه بإجراء مقارنة بسيطة بين ( عهدين ) عهد الحسن الثاني ، و(عهد ) محمد السادس ، سنجد ان نسبة المعتقلين في عهد الأخير ، اكثر بكثير من تلك التي عرفها ( عهد ) الحسن الثاني . فكم بلغ عدد المسجونين بين ( عهدين ) ، ( العهد ) الأول استغرق ثمانية وثلاثين سنة ، وكانت هناك احداث سياسة ضخمة ، و ( العهد ) الثاني استغرق تسعة عشر سنة ، رغم ان الوضع السياسي كان يختلف بين ( العهدين ) .
عندما جاء محمد السادس ، تظاهر بانه ملك لل ( فقراء ) ، و رسخ ما سمي إذاك ب ( المفهوم الجديد للسلطة ) ، وبدأ يرسل إشارات إيجابية نحو بناء الدولة الديمقراطية ، والمساواة ، وحقوق الانسان ...لخ. . ان هذا التحول اللاّتحول ، كان يخفي توجس وخيبة الجماعة التي أصبحت مصالحها مهددة ، هذا إذا افترضنا جدلا ، ان تلك الإشارات وبداية التحولات كانت حقيقية ، ولم تكن مجرد خدعة حتى يتمكن النظام من الوقوف على رجليه ، ويتجاوز الاخطار التي كان تحدق به ، وينجح في اقناع الشعب بان الملك ملك الشعب ، وليس ملك اصدقاءه ، وملك المحيطين به من الجماعات الاقطاعية ، والبرجوازية الكمبرادورية . لكن اين نحن من كل تلك المظاهر الخادعة والخدّاعة ؟ .
لقد انقلب كل شيء رأسا على عقب منذ النصف الأول من 2003 ، فتراجعت شعارات ( العهد الجديد ) ، والمفهوم ( الجديد للسلطة ) و ( ملك الفقراء ) ، واصبح تجبر وتغول الدولة البوليسية ظاهرا ومتجليا بشكل ناطق بما فيه ، وعوض الديمقراطية ساد الاستبداد والطغيان ، وعوض الحرية تم ملئ السجون بخيرة أبناء الشعب المغربي ، وعوض التركيز على كفاءة أبناء الشعب في تدبير الشأن العام ، تم تسليم البلاد الى أصدقاء الملك ورفاقه ، والى المقربين منه ، وعلى رأسهم فؤاد الهمة ، ومن كان يحيط به من أمثال مستشاره السابق الوزير المنتدب في الداخلية المدعو الشرقي ضريس ، المدير العام للبوليس المدعو عبداللطيف الحموشي ، والى وزير الداخلية الفاسد المدعو عبدالوافي لفتيت الذي لا يزال يمارس اعتداءه الاجرامي عليّ ....لخ . هكذا تبخر كل شيء في رمشة عين ، وليس بين عشية وضحاها ، واصبح البوليس يسيطر على كل شيء ، فتغول بسبب صديق الملك حتى على الجيش ، والدرك ، والقوات المساعدة ، بعد ابعاد العديد من الضباط الذين كانوا لا يعيرونه ادنى اهتمام ، ويكفي الرجوع الى مراسيم تقديم فؤاد الهمة شخصيا مستشاره المدعو الشرقي ضريس الى الملك عند تعيينه على رأس المديرية العامة للأمن الوطني ، ليتضح المقلب المفضوح في السيطرة على الأجهزة الأمنية ، وكيف تم تعيين المدعو عبداللطيف الحموشي على رأس المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني بعد ابعاد عميل الجنرال حميدو لعنيگري احمد حراري ، وكيف تم تعيينه مديرا عاما للمديرية العامة للأمن الوطني بعد ابعاد بوشعيب الرميل لأسباب معروفة ، وكيف تم ابعاد الجنرال لعنگري عن المفتشية العامة للقوات المساعدة ...لخ ، الى ان انتهى كل شيء في الدولة بيد فؤاد الهمة .
ان خطاب الملك الاخير بوصفه أكثرية الشعب باوصاف قدحية ، وهو الذي يكان يجب ان يكون محايدا ، وان يكون بحق ملك الجميع ، لا ملك فئة دون اخرى ، قد عرى عن الحقيقة التي كانت جلية منذ توليه الحكم ، ويكون بهذا الخطاب قد دفن تحت التراب ، جميع الشعارات التي تغنى بها رموز الدولة البوليسية ، وهي شعارات كانت براقة خادعة ، نجحت في تدويخ حتى اصحاب الملكية البرلمانية على الطريقة المغربية ( الاشتراكي الموحد والطليعة ).
لقد دفن الملك شعار ( الديمقراطية المحمدية ) باصداره اوصافا قدحية في حق المعارضة ، وفي حق جزء كبير من الشعب ، ودفن شعار ( ملك الفقراء ) بتضخم ثورته منذ تسعة عشر سنة ، ودفن ( المفهوم الجديد للسلطة ) حين تغولت وتجبرت الدولة البوليسية التي احكمت قبضتها على الدولة وعلى الشعب ، ودفن ( الحرية ) بتكديسه السجون بالمعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي ، ومعتقلي فاضحي الفساد .
امام هذا الوضع الجديد / القديم ، لنا ان نتساءل عن الاجراءات الضبطية القادمة التي تحضر لها الدولة البوليسية ، التي وجدت الطريق بخطاب الملك ، مسوغا ومشرعا لاتخاذ تدابير جزرية ستمس في الجوهر الحقوق والحريات ، وستحول المغرب الى مملكة خوف ورعب ، داخلها مفقود ، وخارجها مولود .
لا يمكن التفاؤل بالآتي الذي لن يكون غير مزيدا من الجبر ، والضغط والقمع ، وتوغلا في الاستبداد والطغيان ، كآخر سلاح ومخرج تجربه الدولة البوليسية في مواجهة وعي الشعب المغربي المتقدم ، وفرملة الاحتجاجات الشعبية التي تنبع هنا وهناك على طول ارجاء الوطن .
فهل سيحقق القمع ما خفقت في تحقيقه الدولة البوليسية ، في مجال ضبط المجتمع ، والتحكم في كل مفاصيله ، وصولا الى تركيعه بالكامل ؟
بداية ما كان للدولة ان تتحرك بهذا الشكل العدواني ، لو لم تفرغ كل الكائنات الزئبقية من مضامينها التي تلاشت منذ سنة 1999 ، تاريخ تولي محمد السادس الملك . فالبرجوع الى التاريخ القريب ، سنجد ان جميع الهبّات والانتفاضات التي قام بها الشعب المغربي ، في سنة 1965 و 1981 و 1984 و 1990 و 20 فبراير ..لخ ، كانت وراءها احزاب رغم انها اصلاحية وليس ثورية ، فقد ضَمِنتْ ومكنّت من التفاعل مع نبض الشارع الذي يغلي كطنجرة فوق النار . لذا ما ان ترفع دعوى الاضراب عام ، او لاحتجاج ، او لمسيرة ، حتى يلبي الشعب المغربي طلب الدعوة لتصحيح الوضع المختل او للاحتجاج ، رغم ان تلك الدعوات في اصلها لم تكن ثورية ، بل كانت كمتنفس لاعادة رسم الخريطة ، وبناء شكل ثاني من العلاقات بين النظام وبين الاحزاب التي تقف وراء دعوات الاحتجاجات ( الانتخابات وعدد المقاعد ).
الآن وبعد افراغ كل الاحزاب حتى من نفحتها الاصلاحية ، وتحولها الى روافد لدا النظام ، وهي روافد جافة لا ماء يسري فيها ، وبعد ان اصبحت الساحة فارغة من المعارضة القوية ، حتى وجد النظام الذي قتل الاحزاب ، الفرصة سانحة لاعادة ضبط الوضع ، والتحكم في كل المفاصل ، بما يذيب اية معارضة جادة ، وبما يجعل البوليس يتحكمون في الدولة ، ومنها في الشعب .
ان هذا التحول الخطير الذي يؤشر للاستبداد والطغيان ، وسيادة الرأي الواحد الاوحد ، رأي الدولة البوليسية ، لا يعني ان هذه الدولة قوية ، بل هو تعبير صادق وحقيقي ، عن موت الاحزاب ، ومنها موت السياسة ، وانتعاش العياشة ، والخرافة ، واساطير الاولين ، والتقاليد المرعية .
ان الشيء الناطق بما فيه ، وهو شيء ملموس ومشاهد ، ان اعتماد الدولة البوليسة على القمع والزجر ، وطبخ المحاضر البوليسية المزورة لرمي احرار وشرفاء الشعب في السجون ، هو دليل واعتراف صارخ بضعف الدولة البوليسية التي استفاذت من فراغ الساحة ، وخيانة النخبة التي اشترتها ، وبعد ان قضت منها وثرها ، رمتها خارج اصوار " تْوارْگة " ، تجر الخيبة والانكسار ، والتهميش والإهمال ، بعد شعورها بالمقلب الذي سقطت فيها عن طيب خاطرها .
وإذا كانت الدولة البوليسية تبرع في القمع والبطش ، وهي إجراءات فاشلة ، خاصة في الظرف الذي نعيش فيه اليوم ، حيث اصبح التأثير الدولي في القضايا الوطنية يعتمد على مجالات حقوق الانسان ، وهناك مثال الضغوط الخارجية في ملف الصحراء ، فان إجراءات الدولة البوليسية ، أضحت تقزّز الرأي العام الحقوقي الدولي ، اكثر مما تقزّز المشتغلين بمادة " حقوق الانسان " بالمغرب . ولا غرابة حين تكون الاحتجاجات الشعبية ، باسم الدفاع عن الحريات ، والمساواة ، والمطالبة بدولة الحق والقانون ، وبالدولة الديمقراطية التي تربط المسؤولية بالمحاسبة ، وتحارب كل اشكال ومظاهر الفساد ا، لتي أثرت على الوضع الاقتصادي ، والاجتماعي للشعب المغربي ، وبالحق في لقمة العيش ، والسكن ، والتعليم ، والصحة ...لخ .
وهنا ، لنسائل عملاء الدولة البوليسية الذين حرروا الخطاب ، الذي قرأه الملك دون انتباهه الى خطورة مضامينه . كيف تُحرروا خطابا كله اوصافا قدحية في حق الشعب المغربي ، والملك اعترف في خطاب سابق ، وعبر أمواج الاثير ، بفشل نموذجه التنموي والسياسي ، ما دامت التنمية سياسة أصلا ؟
فلو كان الملك قد حلل خطاب الزمرة التي كتبته قبل قراءته وفهم مضامينه ، هل كان له ان يقبل القاءه امام الشعب ، والعالم ، وعبر الاثير ، خاصة وانه يناقض خطابه الذي اعترف فيه بفشل نموذجه السياسي والتنموي ، ومنه اعترافه بفشل الدولة البوليسية التي تدمر وتخرب ، ولا تبني وتعمر ؟
فكيف للملك ان يقرأ خطابا يقرع فيه من سبقه في الإعلان عن فشل سياسته التي هي سياسة فؤاد الهمة الذي يدفع به الى المشنقة ، ويدفع بالمغرب الى الانفجار ، ويدفع بالصحراء الى الانفصال ؟
فهل أصبحت الدولة البوليسية ، دولة فؤاد الهمة ؟
امام هذا الوضع الخطير الذي عرّى عن نفسه بنفسه ، يصبح السؤال هو : ما العمل ؟
موضوع الحلقة المقبلة : طريق واحد للمعاجلة لا طريقان .
( يتبع ) .









اخر الافلام

.. البرلمان السوداني يدرس السماح للبشير بالترشح المفتوح للرئاسة


.. مرآة الصحافة الأولى 12/12/2018


.. شاهد: حفل راقص في قصر الكرملين بمشاركة 1000 من تلامذة المعاه




.. وزير الداخلية: فرنسا ترفع مستوى التهديد الأمني بعد مقتل 3 في


.. الداخلية الفرنسية: منفذ هجوم ستراسبورغ لا يزال طليقا