الحوار المتمدن - موبايل



خذوا الله واعطونا خبزا

سعود سالم

2018 / 8 / 9
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


الفضيلة أو الميزة الوحيدة لله، هي عدم وجوده
لا شك أن العالم يعاني اليوم من أزمات وإشكاليات متعددة المنابع والمصادر والأسباب. الحروب والمجاعات والرأسمالية والإستغلال وثلوث البيئة وإزدياد درجة الحرارة والكوارث الطبيعية والكوارث الغير طبيعية والجهل والفقر والإستعمار والإمبريالية، وأنواع متعددة من التمييز بين المواطنين بخصوص اللون أو العنصر أو الدين أو الميول الجنسية، والقائمة طويلة يمكن للقاريء زيادتها وتكملتها. ومن مسببات هذه المصائب المنصبة على رؤوس البشر في هذا الزمان، يأتي في المرتبة الأولى الإنسان نفسه فيما يتعلق بتخريب الطبيعة وتلوث الجو وحرق الموارد الطبيعية والإستغلال البشع لطبقة طفيلية محدودة من الأغنياء لبقية سكان الكرة الأرضية، وكذلك فيما يتعلق بالحروب والمجازر التي لم تتوقف لحظة واحدة منذ مئات السنين. غير أن الإنسان كفاعل ومسبب مباشر لهذه الكوارث وهذا الكابوس يخضع بدوره لدوافع وأسباب وظروف إجتماعية وإقتصادية وسياسية وبيئية وثقافية تتحكم فيه وتملي عليه أعماله وطريقته في التعامل مع العالم والأشياء والبشر. وبالإضافة إلى العوامل المذكورة، هناك عامل آخر شديد الأهمية وهو الذي يهمنا في هذا المقام وهو العامل الديني والذي بدأ يأخذ مكانا وحيزا أكبر بكثير من بقية العوامل وبالذات في المنطقة المصابة بداء الدين الإسلامي. وهو عامل يؤثر تأتيرا مباشرا على تطور وسير المجتمعات، والسبب الرئيسي في العديد من الحروب وفي تخلف هذه المجتمعات وبقائها ضحية للخرافات والأساطير مما يسهل عملية السيطرة عليها سواء من القوى الإستعمارية الخارجية سواء من الذئاب والتماسيح الداخلية، وعادة من الإثنين معا. والعامل الديني يشمل بطبيعة الحال كل ما يتعلق بما يسمى بالحياة الروحية والإيمان بالله والرسل والأنبياء والملائكة والشياطين، بالقرآن والكتب المقدسة والأحاديث والسنة، بالقضاء والقدر واليوم الآخر والثواب والعقاب إلخ. ويبدو وكأن الله هو مركز النظام بأسره ومحور العقدة الأساسية التي يجب فكها ليتحرر الإنسان من جزء من هذه الكوارث. ومن الملاحظ أن جميع الأديان بدون إستثناء لم تقدم دليلا عقليا واحدا على ضرورة وجود هذا الكائن الأسطورة، ولم تهتم بعملية التدليل على وجوده، حيث أن وجوده بديهية طبيعية ويدرك بالفطرة الإنسانية والأمر لا يحتاج إلى أي نقاش أو حوار. بطبيعة الحال كل إنسان متوسط العقل لن يهمه مثل هذا الموضوع، فوجود الله أو عدم وجوده لن يغير أي شيء في الحياة على الكرة الأرضية. ولذلك فنحن نقول مع القائلين بأن الله حتى ولو كان موجودا فلن نؤمن به على أية حال، يستطيع أن يوجد إذا شاء ولكن لا سلطة له علينا ولا على حياتنا. أما المشتغلين بالفلسفة ورجال الدين المهتمين بالعقل، فقد حاولوا منذ القدم تقديم العشرات من الأدلة على وجود الله - ويمكن للقاريء أن يرجع لمواضيعنا السابقة بهذا الخصوص - وذلك لمحاولة التقارب بين الفلسفة والدين وتقليص وربما ردم الهوة المظلمة الفاصلة بين العقل والأسطورة. إن الإهتمام الذي نوجهه لقضية الله والألوهيه، والمبالغ فيه بعض الشيء، لا يرجع ولا ينبع من عداوتنا الشخصية لله، رغم إعتبارنا له عدوا شخصيا، وإنما يرجع هذا الإهتمام لطبيعة الهدف الذي ننشده من وراء كتابة هذه النصوص ونشرها للقراء، هدفنا المعلن مرارا وتكرارا هو محاولة فك الحصار عن العقل الفلسفي والعقل المفكر عموما، وذلك ليس من أجل الترف الفكري أو التسلية لتمضية الوقت ولا من أجل الدفاع عن الإلحاد ونشر الكفر والزندقة بين عباد الله، وإنما من أجل تمكين هذا العقل المحاصر من التحرر من براثن الدين والأديان وكسر القيود والسلاسل التي تشده إلى الماضي المظلم، والتمكن من تفكيك فكرة الأديان ذاتها والتخلص من نتائجها الكارثية مرة واحدة وإلى الأبد وبالذات في هذا الزمن الذي يشهد تقدما ملحوظا للفكر الديني في كل أنحاء العالم وليس فقط في منطقتنا الموبوءة بآلهة وأنبياء قريش. ورغم أن العديد من الباحثين والمثقفين يرون أن البحث ودراسة قضية الله ووجوده أو عدم وجوده هي مجرد تضييع للوقت الثمين للمواطن في مناقشات بيزنطية أو ميتافيزيقية في أحسن الأحوال بخصوص قضية جانبية وثانوية، بدلا من الإهتمام بالقضية الأساسية المركزية وهي "السلطة الدينبة" ذاتها وتدخلها في الشؤون العامة، السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية وتغلغلها في كل ركن من أركان الحياة العامة والخاصة للمواطن. ورغم إقتناعنا بصحة هذا التحليل، وأن وجود الله أو عدم وجوده والإعلان عن موته أو إغتياله أو بعثه، استقالته أو إنتحاره، لن يغير شيئا في حياتنا اليومية ولن يؤثر على أسعار الخبز أو الحليب أو الدقيق، ورغم ذلك فإنه يبدو لنا واضحا من ناحية أخرى صعوبة وربما إستحالة نقض الأديان وتقليص سلطتها وإخراجها من حقل الحياة الإجتماعية والسياسية والثقافية من دون القضاء على جذورها، أي القضاء على الأسس الفكرية والأيديولوجية الأسطورية التي تقوم عليها هذه المؤسسات الدينية المتسلطة والمتحكمة في كل أمور حياة المواطن. فلو أخذنا الإسلام على سبيل المثال، فإنه من الصعب الوقوف في وجه المؤسسات الدينية التابعة لهذه السلطة المكونة من العلماء والمشايخ والفقهاء ورجال الإفتاء والأوقاف والجامعات والمدارس والمؤسسات الخيرية وكافة أجهزة الدولة التي تساندها، بدون التوجه مباشرة نحو الثوابت والأسس المبني عليها هذه الديانة، وهي خرافة الله والألوهية ومحمد والنبوة والقرآن والرسالة والنص المقدس والأحاديث والسنة. بالإضافة إلى ذلك يجب إعادة كتابة تاريخ هذه الديانة وكيفية إنتشارها في العالم بقوة السيف، وحقيقة ما يسمونه بالفتوحات الإسلامية وتكوين المستعمرات في شمال أفريقيا وآسيا، أي إعادة زيارة هذا التاريخ المزيف الذي نعلمه لأطفالنا في المدارس، ودراسة تاريخ الدولة الإسلامية كتاريخ للحروب الإستعمارية من أجل المصالح الإقتصادية وجني الثروات المادية للطبقة الحاكمة التي كانت تنظم هذه الغزوات. ولا شك أن الله لعب دورا كبيرا في تأسيس هذه الأمبراطورية الإلهية، فالعلاقة بين الله والمؤسسات الدينية هي علاقة مزدوجة ويسند أحدهما الآخر، وهما متزامنان في أغلب الأحوال، ونادرا ما يوجد إله بدون مملكة أو ولاية دينية، ونادرا ما توجد ديانة بدون آلهة. ولا شك أنه لتحقيق هذا البرنامج النقدي لفك الحصار عن العقول وتحرير المجتمع، من الضرورة إرجاع هذه الأسس والمباديء التي تقوم عليها الديانات عموما بدورها إلى مصدرها الوحيد وهو الإنسان ذاته، ليس الإنسان الفرد المنعزل، وإنما الإنسان المنصهر في النسيج الإجتماعي والإقتصادي والسياسي. وإذا كان البعض من الشيوخ والفقهاء يعتقدون بإستحالة وجود الإنسان بدون الله، فإنه من المؤكد أيضا إستحالة وجود الله بدون الإنسان، كما يقول هيجل " الله بدون الإنسان ليس أكثر وجودا من الإنسان بدون إله ". ونعرف اليوم أن أغلب الديانات الأولى في تاريخ البشرية كانت نسخة وانعكاسا للأنظمة الإجتماعية السائدة، فالآلهة خلقتها المجتمعات البشرية وأفرزتها وطورتها على صورتها ثم قلبت المعادلة وأكدت أن الله هو الذي خلق الإنسان على صورته، وهي عملية نفسية يمكن تشبيهها بما يسمى الانتقال أو التحويل Le transfert وهي ظاهرة نفسية يقوم فيها "اللاوعي" بإعادة توجيه المشاعر ونقلها من شخص إلى آخر. فالإنسان إذا هو الذي أخترع الآلهة والأديان لحاجته إليها في فترات معينة من تطوره للدفاع عن مصالحه الطبقية. وقد كانت في مكة عدة مئات من الآلهة موزعة على عشرات المعابد المسماة بالكعبة، أشهرها اللات، وهي آلهة العرب الكبرى، ورأس الثالوث الإلهي المؤنث الذي يتألف من اللات والعزى ومناة، واللات صخرة بيضاء مربعة مكانها في الطائف، وسدنتها من ثقيف، وقد بنوا لها بيتاً. وقد انتقلت عبادتها من ثقيف إلى قريش وبقية العرب، وأمر محمد أبا سفيان والمغيرة بن شعبة بهدمها بعد فتح مكة. وهذه الآلهة كانت ضرورية للطبقة الحاكمة في مكة في ذلك الوقت، لأنها جعلت من مكة مركزا إقتصاديا وتجاريا يرتاده الناس من كل البقاع، وهو الأمر الذي ما يزال قائما اليوم بعد عشرات القرون بإسم الدين الإسلامي في مكة نفسها، بعد أن تحولت ديانه العرب من عبادة اللات الأنثى إلى عبادة الله الذكر، وذلك في مواسم الحج والعمره التي يرتادها عدة ملايين من المعتوهين والمغرر بهم كل عام. (بلغ عدد الحجاج عام ٢٠١٧ حوالي مليونين ونصف مليون حاجاً وفق ما أعلنت عنه السلطات السعودية، من ١٦٨ دولة من أنحاء العالم. ويعتبر موسم الحج من أهم مصادر الإيرادات للاقتصاد السعودي، لما يدره من مليارات الدولارات على ميزانية شيوخ البلد؛ حيث ينفق كل حاج آلاف الدولارات على السكن والغذاء والهدايا ومصاريف النقل الجوي خلال موسم الحج، وقد بلغ دخل مشايخ السعودية لسنة ٢٠١٧ من الحج حوالي ٢٥ مليار ريال سعودي - حوالي ٦ مليارات دولار.) وقبيلة قريش التي رفضت الإسلام في بداية الدعوة خوفا على مصالحها الإقتصادية، قبلت هذا الإسلام وأصبحت من أشد المدافعين عنه عندما ضمن الإسلام مصالحهم التجارية وهيمنتهم على مكة، وقريش من القبائل النادرة التي لم ترتد عن الإسلام بعد موت محمد.







اخر الافلام

.. سوريا.. خلافات روسية أميركية على وقع التسوية


.. لبنان.. حكومة محاصصة وفساد مستشر


.. سيناريوهات.. أي ثمن سيدفعه بن سلمان بعد اغتيال خاشقجي؟




.. الغباء أم الاستهتار وراء فضح مرتكبي جريمة خاشقجي؟


.. الجيش العُماني يجري تمرينا عسكريا مشتركا مع القوات البريطاني