الحوار المتمدن - موبايل



عن الفن والصدفة

سعود سالم

2018 / 8 / 17
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


في ذلك الصباح البارد، من يوم الجمعة ١٢ يناير من عام ٢٠٠٧، كانت محطة المترو لنفانت بلازا ‏ L’Enfant Plaza Metro station in D.C. قد بدأت حركتها تشتد مع مرور الدقائق، فهي محطة مركزية تتقاطع فيها أغلب خطوط المترو للمدينة، كما أنها تقع في حي تغلب عليه العمارات والمباني الإدارية الحكومية. في حدود السابعة وصل السيد جوشوا بل، وهو رجل في حدود الأربعين من عمره، يرتدي ملابس عادية تميل إلى اللون الغامق وعلى رأسه قبعة بيسبول baseball cap، دخل محطة المترو، ونزل إلى الصالة الفسيحة المؤدية إلى السلالم الميكانيكية والتي تؤدي إلى أرصفة المترو، ووقف في ركن من الصالة وأخرج كمنجته من غطائها الذي وضعه أمامه مفتوحا، دعوة للمواطنين ليضعوا فيه بعض الدولارات حسب الميزانية والسخاء. وفي حدود السابعة و١٢ دقيقة بدأ السيد بل في العزف على كمانه مغمضا عينيه حتى لا يرى حركة الناس التي بدأت تزداد تدريجيا وحتى لا يسمع صوت الخطوات السريعة للمتجهين إلى أعمالهم في هذه الساعة المبكرة من فصل الشتاء. وبعد حوالي ثلاثة أرباع الساعة (٤٣ دقيقة و٢٥ ثانية) أنهى آخر نوتة من القطعة الأخيرة، والتقط الدولارات التي وضعها بعض المارة له ووضع كمنجته في غطائها، وغادر المكان وعلى وجهه علامات الخيبة والحزن. ذلك أنه عندما انتهى من العزف لم يكن هناك سوى صمت ثقيل خاليا من التصفيق أو التشجيع للعازف، ذلك لأنه لم يكن هناك أحد يستمع إليه، فالناس يمرون مسرعين دون أن يتوقفوا للإستماع إليه. لقد مر في هذه الفترة التي عزف فيها، ألف وسبعة وتسعين شخصا (١٠٩٧)، توقف منهم سبعة أشخاص فقط لأكثر من دقيقة للإستماع إليه. وقد تحصل على مبلغ ٣٢ دولار و١٧ سنتا، من ضمنهم ورقة ٢٠ دولار من شخص تعرف على شخصية العازف. ذلك المارة المسرعين إلى مكاتبهم والمشغولي الذهن بمشاريع الويك إند، كانوا لا يعرفون أن هذا الذي يلعب دور موسيقيي الشوارع هو جوشوا بل Joshua Bell، من أشهر عازفي الكمان في العالم، وأنه قبل عدة أيام كان يعزف في مسرح الأوبرا في بوسطن، وأن التذكرة لم تكن أقل من مئة دولار، وأنه عزف لهم في ٤٣ دقيقة ستة قطع موسيقية من أصعب القطع التي كتبت حتى اليوم، ومن ضمنها قطعة Chaconne لباخ - Bach، وقطعة تسمى Ave Maria للموسيقي Schubert. ولم يكن يعلم المارة المسرعين أن العازف الذي قذفوا له دولارا أو دولارين كان يعزف نوتاته على كمنجة ستراديفاريوس Stradivarius Gibson صنعت سنة ١٧١٣ أشتراها العازف بمبلغ ثلاثة ونصف مليون دولار. كل هذه المعلومات قدمها مصمم ومنظم هذه التجربة الصحفي Gene Weingarten كدليل على عدم حساسية المواطن العادي للجمال والفن إذا لم نعلمه مسبقا بأنه أمام عمل فني. غير أن كل هذه التفاصيل هي في حقيقة الأمر فقط الظروف المادية لتقديم وإبراز العمل الفني للجمهور ولا علاقة لها مباشرة بجوهر العمل كما هو.. فهذه التجربة التي قامت بها جريدة الواشنطن بوست ‏The Washington Post، تحت إشراف الصحفي Gene Weingarten، هي تجربة فريدة من نوعها وتدخل في إطار علم النفس السلوكي psychologie comportementale ذو السمعة السيئة، بخصوص الإدراك والتذوق الفني والأوليات التي تتحكم في تصرفات الفرد وسلوكه. فطلبت من أحد الموسيقيين المشهورين، جوشوا بل Joshua Bell بالعزف، دون أن يعلن عن نفسه مقطوعات موسيقية عالمية في أنفاق محطة المترو المزدحمة والمركزية L’Enfant Plaza Metro station في مدينة واشنطن، في محاولة لمعرفة درجة الإدراك الحسي والتذوق الفني عند المواطن العادي، المنتمي للطبقة البرجوازية المتعلمة، في بيئة عامة مزدحمة وفي وقت مبكر غير ملائم. لقد كتب الصحفي المشرف على التجربة مقالا بعنوان “Pearls Before Breakfast” في الواشنطن بوست الصادرة بتاريخ ٨ أبريل، نال عليه جائزة بوليتزر لسنة ٢٠٠٨ Pulitzer Prize for feature writing. فماذا تعلمنا من هذه التجربة؟ جين وينغارتن، يقول بكل بساطة بأن الجمال هو في عين المتفرج "Beauty is in the eye of the beholder"، سواء كان مشاهدا أو مستمعا، ولكنه يستنتج من ذلك، أن النظرة الشخصية الذاتية وغير الموضوعية تجعل الإنسان يختار ما يرى أنه جميل وجذير بالإهتمام ولا يرى الملايين من الأشياء الأخرى الجميلة بالنسبة للعديد من الناس الآخرين. إنها نتيجة بائسة وفقيرة، ولا تقول شيئا أكثر مما نعرفه منذ عدة مئات من السنين "لا نحب الأشياء لأنها جميلة، ولكن الأشياء جميلة لأننا نحبها"، رددها هيوم وسبينوزا وهيجل وغيرهم منذ زمن بعيد. فمشاهدة أو الإستماع إلى أي عمل فني والإستمتاع به لا يمكن أن يرجع للصدفة أو العرضية، إنه عمل إرادي وواع وذو قصدية، من دونها لا يمكن إجراء عملية التحول في الوعي من الإدراك إلى الوعي المخيالي. حيث أن الإستمتاع بالعمل الفني مهما كان نوعه يتطلب نوعا من وضع العالم الحقيقي الذي نعوم فيه بين قوسين وتعديمه لتولد الصورة من هذا العدم المؤقت.
لم يستطع بيل تجاوز النتائج المخيبة للآمال التي حققتها تجربته الاجتماعية مع صحيفة الواشنطن بوست، وبالذات لحظات الصمت بين القطع الموسيقية والتي سماها بالأوقات الحرجة "The awkward times"، بما أنه لا أحد يستمع إليه، فلا أحد يلاحظ نهاية القطعة وبداية أخرى. وبعد عشر سنوات من هذه التجربة الفاشلة، قرر جوشوا بيل إعطاء واشنطن فرصة أخرى لتقدير الثقافة والفن، بعيدا هذه المرة عن تدجيل وشعوذة علم النفس السلوكي، وقرر العزف في محطة القطار هذه المرة، والأعلان عن موعد الحفلة وتوقيتها، وهو الأمر الذي غير قوانين اللعبة نهائيا. كان الموعد في محطة -union- Station in Washington, D.C. في ٣٠ سبتمبر ٢٠١٤، في الساعة الثانية عشر والنصف. وقبل ساعة من هذا الموعد بدأ الجمهور يتجمع في المكان المعد للمشهد، وعندما بدأ جوشوا في العزف، كانت صالة محطة القطار مزدحمة بعدة مئات من المشاهدين الذين جاؤوا للإستماع للموسيقى، وإن كان بالضرورة هناك بعض المسافرين الذين انضموا للزحام في إنتظار موعد قطارهم.







التعليقات


1 - الجمال الفني
ساطع هاشم ( 2018 / 8 / 22 - 22:52 )
الجمال الفني ، موجه الى الناس جميعا ، مؤثر في الناس جميعا ، ولكن بشرط أن يتم اعدادهم لفهمه وتذوقه ، فهو متصل بزمانه ومكانه - طه حسين / سنة 1911


2 - من المسؤول ؟
سعود سالم ( 2018 / 8 / 23 - 16:32 )
السيد ساطع هاشمبطبيعة الحال، هذا كلام صحيح ولا أحد يستطيع أن يقول العكس، ولكن من الذي يعد الناس لفهم وتذوق الفن؟ الدولة بموظفيها ووزرائها ووزاراتها؟ بطبيعة الحال لا أحد يتصور يوما أن الدولة ستهتم بذلك، ليس فقط لعدم الرغبة وعدم الإهتمام بالفن، ولكن أيضا بسبب عدم الكفاءة وعدم توفر الإمكانيات الفنية والفكرية. ليس هناك حل سوى أن يهتم الناس بأمورهم بأنفسهم، وعلى الفنان والمثقف أن يساهموا في التوعية العامة للمواطنين ولكن بدون اللجوء أو الإستعانة بالمؤسسات الحكومية الفاسدة، إنها مهمة كل مواطن واع بمصلحة المجتمع وتقدم الجميع لمجتمع يخلو من القبح والفقر والتسلط والرشوه ..إلخ
وشكرا على المتابعة
مع فائق الإحترام

اخر الافلام

.. سوريا.. خلافات روسية أميركية على وقع التسوية


.. لبنان.. حكومة محاصصة وفساد مستشر


.. سيناريوهات.. أي ثمن سيدفعه بن سلمان بعد اغتيال خاشقجي؟




.. الغباء أم الاستهتار وراء فضح مرتكبي جريمة خاشقجي؟


.. الجيش العُماني يجري تمرينا عسكريا مشتركا مع القوات البريطاني