الحوار المتمدن - موبايل



خريطة الطريق لمواجهة تغوُّل ، وبطش ، وقمع الدولة البوليسية ( 10 )

سعيد الوجاني

2018 / 8 / 22
مواضيع وابحاث سياسية



في الحلقة التاسعة ، حاولنا رسم خريطة طريق للمعارضة الديمقراطية ، التقدمية ، والوطنية العاملة خارج ارض الوطن، لمواجهة ظلم ، وتغوّل ، واعتداءات الدولة البوليسية المتكررة ، والمسترسلة بدون انقطاع ، وقد خلصنا الى ان اهم واعظم خدمة ستسديها معارضة الخارج التي تتحرك ضمن ظروف ومناخات ديمقراطية هي ، من جهة تجنب لغة السب ، والشتم ، والتشنيع ، والضرب من تحت الحزام ، مع غرس الخناجر في ظهر المناضلين ، لأن هكذا عمل وتصرفات ، من شأنها ان تسيء الى أي عمل جماهيري ، والى أي نضال تقدمي ، من خلال تشكيك المهتمين ببرامج ومستقبل هذه المعارضة ، الامر الذي سينمي ظاهرة العزوف السياسي ، الذي سيؤثر على الوضع التنظيمي للمعارضة الوطنية الجادة ، ومن جهة الشروع في بناء جبهة تقدمية ديمقراطية ، او كتلة تاريخية جماهيرية ، تُوحّد العمل الوطني ، وتسقله بلون النضال الديمقراطي ، المعبر عن آمال وتطلعات الشعب المغربي الفقير والمفقر ، ومن جهة اتخاذ الخطوات اللاّزمة لإنشاء قناة فضائية ، وطنية ، ديمقراطية ترشد المغاربة ، وتلهمهم بحقوقهم السياسية والاجتماعية . ان انشاء فضائية ، ديمقراطية ، جماهيرية تتلكم بلسان الشعب ، يبقى عملا يٌسرّع اكثر في بناء دولة الحق والقانون ، ودولة ربط المسؤولية بالمحاسبة ، ويمكن من خلق معادلة الشعب الواعي ، لمواجهة الاستبداد ، وظلم ، واعتداءات الدولة البوليسية . ان اخطر واقوى سلاح كان ولا يزال هو القلم ، والكلمة الحرة ، والإعلام . فغرس ثقافة رفض الخنوع ، والخضوع ، والاستسلام ، من شأنه تعريض قاعدة التقدميين والديمقراطيين ، ومن شأنه تسهيل احتضانهم من قبل الشعب ، كما يبقى وحده الاجراء الوحيد الذي يسهل تقريب بناء الدولة الديمقراطية الحقيقية ، هذا دون ان ننسى التعريف بالمهجر ، بالمظالم المسلطة على المعتقلين السياسيين ، ومعتقلي لقمة العيش ، ومعتقلي الحركة الطلابية بمختلف المواقع الجامعية ، ومعتقلي حركة 20 فبراير ....لخ .
إذن ماذا عن معارضة الداخل ؟ :
المقصود بمعارضة الداخل ، تلك التي لم تتلوث بمسالك الارتزاق المخزني الإنتخباوي ، ولم تشارك ، ولم تساهم في المسخ ( الديمقراطي ) الذي استنفد كل مقومات وجوده ، بعد ان اعترف رأس النظام بفشل نموذجه التنموي – السياسي ، وبعد ان دخلت البلاد النفق المسدود ، المهدد امّا بالطوفان ، وامّا بالدخول الى المجهول الذي سيكون مدعما من قبل العواصم الاوربية الكبرى ، أي إعطاء الضوء الأخضر ، والاشارة الى تغيير النظام بنظام ، داخل استمرارية الدولة ، أي تجنب سقوط الدولة ، دولة العائلة العلوية ، لصالح دولة الشعب الجمهورية ، وكل هاذين السيناريوهين ، يبقيان جادّين في ما لوْ ضيّع النظام الصحراء ، وفشل في الحفاظ عليها .
إضافة الى هذا المعارضة النظيفة التي لم تتلوث بمسالك الارتزاق الإنتخابوي ، ولم تحصد الاسفار برفضها المشاركة في لعبة المسخ الديمقراطي ، وعن قناعة واقتناع ، وهي تتوزع بين معارضة إيديولوجية ومعارضة عقائدية ، هناك معارضة احتياطية جاهزة بكل قرية ، ومدشر ، ومدينة ، وبكل إقليم وجهة ، وهي تتكون من الشباب الحاصل على الشواهد الجامعية ، والتي تفعل فيه البطالة فعلتها اللعينة ، بفعل فشل النموذج السياسي – التنموي ، وبفعل تفشي الفساد بكل تجلياته ، ومظاهره المختلفة ، وبفعل تسليم الدولة ، ومصير المغرب والمغاربة ، الى حفنة من الفاسدين ، تتقن أسلوب الاعتداء وظلم الناس ، وتساهم وبادراك ، في جريمة تدمير وتخريب المغرب ، والدفع به الى المجهول ، او الى الطوفان .
انه وامام تململ الاحتجاجات المختلفة ، وامام التطورات التي تفرض نفسها على الصراع ، فان بوادر تشكيل هذه المعارضة المستقبلية ، التي تُكوّن اليوم دراع الدفاع الذاتي داخل مناطق تواجدها ، ستلعب دورا أساسيا في الضغط لبناء الدولة الديمقراطية ، دولة المؤسسات والقانون ، وربط المسؤولية بالمحاسبة .
ان كل التطورات الحالية واللاّحقة تؤكد بالملموس ، قوة الشعب والجماهير ، وتثبت قدراتها اللاّمتناهية في التحصين ، وفي الدفاع عن حقوقها المشروعة ، المعترف بها كونيا من قبل الأمم المتحدة ، والقوانين الدولية .
ان العالم اليوم ، وبفضل قنوات التواصل الاجتماعي ( انترنيت ، تويتر ، فيسبوك .....لخ ) ، اضحى مراقبا من قبل الأمم المتحدة ومجلس الامن ، ومن قبل المحكمة الجنائية الدولية ، ومحكمة العدل الدولية ، ومحكمة العدل الاوربية ، ومن قبل المؤسسات القضائية الاوربية ، والحكومات والبرلمانات ، التي أضحت تركز اليوم على القانون الدولي الإنساني ، الذي يعطي للمحاكم الاوربية المعنية ، البث في كل الجرائم المرتبكة ضد الشعوب ، من قبل الأنظمة الدكتاتورية ، والاستبدادية ، والطاغية . فالملاحقة القضائية الدولية للجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ، وجرائم تهريب الأموال الى الخارج ، تجعل الأنظمة تعيش دائما في دوامة الخوف ، خاصة وان هناك امثلة كثيرة للقضاء الإنساني الكوني ، بتجريد ناهبي ومهربي أموال الشعب ، وارجاعها الى اوطانها .
ان نقطة الضعف الأساسية التي تواجهها الدولة البوليسية التي تخرب وتدمر ، ولا تبني وتعمر ، هي علاقتها مع الشعب الذي تذله وتحتقره ، بترويضه على الخنوع ، والخضوع ، والتسول ، كما ان ضعفها يتجلى في تعارض مصالحها الضيقة السادية ، مع مصالح الجماهير ، والاغلبية الساحقة من الشعب .
ان هذا الجانب الأساسي الذي يجعل الدولة البوليسية المعتدية والفاشلة ، ضعيفة البنية سياسيا ، ويحولها الى ممارسة القمع ، والبطش بالناس ، والاعتداء عليهم لإسكاتهم وتركعهم ، سيسحب مستقبلا من ايديها الأوراق السياسية القادرة على اقناع الشعب بالخضوع والاستسلام . فكلما اشتد الخناق سيحصل التراكم ، وستزداد دائرة المقاومة ورفض الانبطاح .
كما ان ما يزكي هذا التحليل ، ان النظام الذي تحول الى دولة بوليسية منذ سنة 2003 ، وانقلب على كل الشعارات التي تم التسويق لها منذ 1999 ، قد انكشفت حقيقته امام الاوربيين والامريكان ، وحتى الأنظمة العربية التي كان يتاجر بصداقتها ، لتقوية وجوده الداخلي ، بدعوى التضامن ( العربي ) ، وبدعوى الدفاع عن ( القدس ) .
ان مكانة النظام قد تراجعت كثيرا ، خاصة بعد افول المعسكر الاشتراكي ، وسيادة سياسة القطب الوحيد في العلاقات الدولية . ان الموقف الأوربي ، والافريقي ، والامريكي ، والروسي ، والكوري الجنوبي ، وكندا ، وأستراليا ، واليابان ، وحتى الموقف العربي من نزاع الصحراء ، واضح للعيان ، بل حتى قطر التي راهن عليها النظام " كُلّنا تميم .. " حين تسوق لخريطة المغرب ، فهي أضحت تعرض خريطته ، مقسومة بخط يفصل بينه وبين الصحراء ( قناة الجزيرة ) .
فما معنى حين يرفض مرات عديدة الرئيس الأمريكي استقبالك ، وماذا حين لا يعترف لك الاوربيون بمغربية الصحراء ، وهم يدركون ان ضياع الصحراء هي نهاية النظام ، إن لم يكن نهاية الدولة ، ومع ذلك يتشبثون بالاستفتاء وتقرير المصير . وماذا حين تتخلى عنك السعودية ، والامارات ، والكويت ، ولبنان ، ومصر ، والأردن ، والعراق.....لخ . فهل هناك من عزلة دولية للدولة البوليسية ،اكثر من هذه العزلة الفاقعة للاعين ؟
ان خريطة الطريق التي عالجنا للمعارضة العاملة خارج المغرب ، ليست هي نفسها للمعارضة العاملة داخل المغرب ، فلكل معارضة خصوصياتها المرتبطة بظروفها . لكن لا يجب ان تٌحجب عنّا تلك الخصوصية ، ان تكون كل معارضة مكملة للأخرى ، ما دام ان الجميع ينشد بناء الدولة الديمقراطية ، بدل الدولة البوليسية التي سرقت الدولة وبوْلستها على طريقتها ، وأصبحت توظفها في الاعتداء على الناس ، بتزوير المحاضر البوليسية لإرسالهم الى السجن ظلما ، وقد كنت احد ضحايا إحدى المحاضر المزورة التي وقف وراءها كل من :
-- مستشار الملك وصديقه المسؤول عن البوليس وعن وزارة الداخلية ، فؤاد الهمة .
-- الوزير المنتدب في وزارة الداخلية السابق ، وكان بمثابة مستشار صديق الملك ، الشرقي ضريس .
-- المدير العام للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني ، والمديرية العامة للأمن الوطني ، عبداللطيف الحموشي .
-- وزير الداخلية الذي لا يزال مع عبداللطيف الحموشي ، وبتعليمات مستشار وصديق الملك فؤاد الهمة ، يعتدون عليّ الى الآن ، بل انهم تسببوا لي في امراض مزمنة خرجت بها من السجن .
وبالرجوع الى خريطة الطريق المتعلقة بالمعارضة الداخلية ، فانه لا بد لها ، إن هي ارادت النجاح فيما فشل فيه من سبقها ، ان نقوم بما يلي :
1 ) لا بد من دراسة التجارب السياسية والاجتماعية العالمية الشبيهة لتجربتنا ، وبصورة خاصة ، تجربة فريدة وهامة ، هي التجربة الإيرانية . أي الابتعاد عن الاقصاء ، والتحضير لنظام الجبهة التقدمية الديمقراطية الوطنية ، او لنظام الكتلة الجماهيرية التاريخية .
2 ) مواكبة ومتابعة كل النضالات اليومية ، التي تقوم بها الجماهير الشعبية في كل مدينة ، قرية ، مدشر ، عمالة ، إقليم ، وجهة ، وتحويلها الى نضال عام موحد ، له بعد اجتماعي كامل ، ذو طابع سياسي واعٍ ومنظم .
3 ) الارتقاء بالأحزاب التي لم تتلوث بمسالك الارتزاق المخزني الانتخابوي ، ولم تساهم في مسرحية المسخ الديمقراطي ، الى وضع آخر يجعلها أداة رئيسية ، واطارا نضاليا سليما .
4 ) تقديم برنامج عمل ، جوهره وقف التردي الذي دفعت الدولة البوليسية الشعب والوطن اليه دفعا ، والانطلاق في وحدة أولى من نضالات صغيرة ومتفرقة ، يجب معرفة كيف يتم صبُّها ونصبها فيما بعد ، في تيار نضالي عريض وجارف .
ان هذا البرنامج يجب ان يشخص الوضع القائم تشخيصا صحيحا وصريحا ، وان يتصور احتمالات التطور الممكن ، وان يحسب لكل منها حسابه العلمي المُقْنع . كما يجب ان يقدم عالما سياسيا متعارضا مع العالم الذي تقدمه الدولة البوليسية السادية ، وان يكون مثَله عالما شاملا ومنظما ، فنقلع بذلك عن سياسة ردود الأفعال ، او سياسة الإحاطة الجزئية بهذه القضايا الجزئية او تلك ، وننتقل الى وضع تصورنا الشامل امام الشعب ، في مواجهة تصور الدولة البوليسية لسائر القضايا ، بدءا من القضايا الاجتماعية ، والسياسية ، والمطلبية الصغيرة ، وحتى مسألة النظام البديل ، والاطوار الانتقالية التي يحتمل ان يمر بها وطننا الغالي في الحالة الراهنة ، الى الوضع البديل ، على ان يتم تحديد طابع ودور كل قوة اجتماعية ، في سيرورة نضالية كهذه ، ولكي تعرف مصالحها بكل دقة متناهية وبكل وضوح ، كما يجب ان تقال للشعب الحقيقة حول ما قد يجابه النضال الوحدوي ، ولو في شكله الأدنى من صعوبات ومتاعب ، لان الطريق لا ولن يكون مفروشا بالورود ، بل سيكون محفوفا بالمخاطر والتضحيات .
5 ) التركيز فيما يخص المجتمع ، على قضاياه الأساسية ، والتركيز فيما يخص الدولة ، على مسألة الديمقراطية ، على ان نفهمها كشيء يتجاوز التمثيل ، والانتخابات ، واللعب ، والتزوير الذي تمارسه الدولة البوليسية .
ان قضايا المجتمع بالدرجة الأولى ، قضايا افقار الجماهير العريضة ، ونهمها ، ونهبها المنظم ، وتشتيتها وتضييعها ، والتخريب ، وضرب الاشكال النضالية التي تتيح للعمال حرية نسبية من الحركة ، وحتى المطلبية ، وقضايا التبعية المتعاظمة الى الخارج ، وارتهان ثروات الوطن لدا الشركات والقوى الخارجية التي تنهب مستقبل بلادنا ، وقضايا التعليم ، والصحة ، والسكن ، والشغل ، والطعام ، وارتفاع الأسعار المقصود ، وقضايا الحرية الشخصية والجماعية ، والمساواة امام القانون ...لخ هي قضايا أساسية ملحة من شأنها ان توحد نضالات القوى الداخلية في اطار الجبهة او الكتلة . فبدون القوة ، ستبقى التنظيمات ( كُلْها يلْغي بلْغاهْ ) ، وعوض خدمة الشعب والجماهير ، سيتم خدمة الدولة البوليسية التي تخرب وتدمر ، أي زيادة تخريب في تخريب ، وتدمير في تدمير .
ان استرداد الشعب لذاته سياسا ليست مسألة إرادة ، وانما هي سيرورة موضوعية أيضا ، يجب ان نعرف مفاتيحها ، وأقنيتها ( قنوات ) ،
او شعاراتها .
ان هذا الضعف البنيوي للدولة البوليسية ، الذي يتجلى في خروج الشعب عن عالمها السياسوي ، والانتخابوي ، ورفض البرلمانية ، للن يكون قاتلا لها ، إذا لم يسترجع الشعب ثقته بالسياسة ، وإذا لم يحصل نجاح ادخال الشعب في عالمنا السياسي .
ان هذا الدخول مشروط بجملة اعتبارات ، في مقدمتها تقديم برنامج شامل ، ومقنع ، يتأقلم على حالة العداء الشعبي للدولة البوليسية ، وللفئات المستفيدة منها ، والمُطبّلة لها ، ولو نفاقا . ويأخذ بالاعتبار الوضع الجديد ، خاصة بعد هبّة حركة 20 فبراير ، الذي تجابه به الأغلبية الشعبية المضطهدة ، الدولة البوليسية كممثلة لمصالح اقلية منظمة ، في حين لا تزال الأغلبية مشتتة وعفوية ، كما ظهر في العديد من خرجاتها .
ان خطورة هذا الوضع ( التشتيت والعفوية ) ، والاستمرار في خروج ، بل غياب الشعب عن السياسة ، انه يهدد بتحوله ، أي الشعب الى العوبة في يد قوى مغامرة من كل الأصناف والاتجاهات ، كما قد يدفع به الى نشاطات ربما الحقت الضرر بروحه الكفاحية النضالية المتجددة .
( يتبع ) .







اخر الافلام

.. مدفيديف: بدء إعمار سوريا بعد الانتخابات


.. سوريا.. خلافات روسية أميركية على وقع التسوية


.. لبنان.. حكومة محاصصة وفساد مستشر




.. سيناريوهات.. أي ثمن سيدفعه بن سلمان بعد اغتيال خاشقجي؟


.. الغباء أم الاستهتار وراء فضح مرتكبي جريمة خاشقجي؟