الحوار المتمدن - موبايل



خجي وسيامند: الفصل السابع 2

دلور ميقري

2018 / 8 / 25
الادب والفن


" العديدُ من الهواجس انتابتكِ، مؤخراً. هل لهذا علاقة مع قرب سفرك؟ "
فاجأها بالسؤال، محدقاً في عينيها عن قرب، بينما كانت تنتظرُ جوابه. ابتدأت تقول له: " يا صغيري، إنك ما تنفكّ تراوغ.. ". إلا أنه أوقفها مستطرداً: " كما ذكرتِ بنفسك، فإنه شخص يُعتمد عليه وعلى الرغم من مثالبه. وأنا أحتاج لصديق خدوم، حصيف الفكر، للشروع في مشروع تجاريّ "
" وإذاً، أنتَ تنتوي الاستقرارَ في مراكش بصفة رجل أعمال؟ "، قاطعته بدَورها وليسَ دون ابتسامة ساخرة. حدج هيئتها المرحة في شيء من الانزعاج، قبل أن يدمدم: " وماذا اعتقدتِ، أنتِ؟ ". ربتت في حركة لطيفة على ظاهر كفه، المنعكس عليه ظلُ ساعةٍ ثمينة: " سيامند، لا تجعلني أشعر بالخجل لمصارحتك في هذا الخصوص؛ وهوَ أنني كنت أتصورك باقٍ هنا كي تبدد ما بقيَ من مال الميراث، غيرَ عابئ بأن تضير هذه أو تلك بعلاقة غرامية آنية "، أجابته للفور. ورغبت في الاستمرار بالكلام، حينَ انتبهت على غرّة إلى خلو المكان من روّاده. هنالك في الركن القصيّ، أين مدخل التراس، كان نادلٌ أسمر فارع الطول، متسمراً وعيناه يبرق بياضهما في العتمة مثل أحد الضواري وقد تضورَ جوعاً ويتحينُ قدومَ فريسة ما.
" الوقتُ غدا متأخراً للغاية، وسترافقني بالطبع إلى الشقة "، قالت لرفيق الليل وهيَ تتفقد حقيبة يدها. تناهض " سيامند " من مكانه مُلقياً نظرةً عابرة على مشهد الساحة الساهرة، ثم ما عتمَ أن مضى أمامها بخطواتٍ واسعة باتجاه مدخل التراس. فما لبث صوتُ النادل أن أصدى في أغوار الدرج الضيّق، وكان ما يزال يردد كلمات الشكر بالفرنسية.
" الله أعلم، يا صغيري، ما إذا كنتَ ستصبح رجل أعمال حقاً. فإنك مسرفٌ في كل شيء، حتى في البقشيش. وأخالُ أنه سيذهب إلى الولائم والحفلات، كل ما يُمكن أن تجنيه من تجارتك "، قالت له حالما لفظهما بابُ المقهى الجانبيّ، المفتوح على الجادة المظلمة. أجابها ضاحكاً مطوقاً جيدها بيده القوية: " لن أبدد حصتكِ المسجلة في وصيتي، فاطمئني بالاً! "
" من هذه الناحية، على الأقل، كان يُمكنني الثقة فيك لو أنك لستَ أفتى مني "
" لِمَ يُفترض برجل الأعمال أن يكون شحيحاً حريصاً، كي يحقق النجاحَ؟ "
" هذا شرط أساس، فيما إذا كان يود جمع رأسمال جيد لاستثمارات جديدة. أما لو كان سينتهي كاتباً أديباً، بعدما تنهار تجارته بسبب تبذيره، فلا ضيرَ أن يحسّ بمرارة الجوع والتشرد! ". سرعانَ ما وجدا نفسيهما وسط زحمة الساحة، وكانت ما تفتأ تستقبل المرتادين وكما لو أنّ الوقتَ مساءٌ.

***
" أرجو أنني لا أبدو مقتحماً لحياتك الخاصّة، ما لو سألتكِ عمن عرفتِهم من رجال قبل فرهاد؟ "، أخذها أيضاً سؤاله على حين غرّة. انتبهت عندئذٍ إلى أنهما يجتازان رصيفَ الشارع الرئيس، تماماً عند ذات العَرَصة، التي سبقَ واحتضنت أخويّ الشاب بعيدَ قليل من وصولهما إلى مراكش. قالت له، مشيرةً بيدها إلى تلك البقعة الموحشة، الغارقة في العتمة: " أتعلم، يا صغيري، بمَ أفكّرُ الآنَ؟ أنني وإياك هنالك، متمددان، بكل ما تحفل به نفسُ الشخص المتخلى عنه من يأس "
" وإذا بها، خدّوج، تنبثق من خلال عتمة المكان والنفس؛ أليسَ ختامُ المشهد، هوَ كذلك؟ "، ردّ في نوعٍ من التهكّم. ومع إدراكها أنّ ما تفوّهت به لا يعدو عن كونه حماقة، مضت " تينا " في تصوّرها وكأنما بهدف التهرّب من سؤاله الأول: " أو أنها الأخرى، زين، ما الفرق يا صغيري؟ على أيّ حال، هيَ تقيم غيرَ بعيد عن هذا المكان "
" ها أنتِ تراوغين بنفسك، يا صديقتي! ربما عليّ أن أعتذر، كوني تدخلت في خصوصياتك "
" لا، فيمَ الاعتذار؟ أما عن المراوغة، فإنك محقّ ولا مِراء "، قالتها وأضافت في الحال " ثمة ذكرى لا يرغبُ المرءُ استعادتها، كونها تجعله يحمر خجلاً. وثمة ذكرى، في الوسع أن تدرّ دمعه ". انتبه إلى تهدج صوتها، ولعلها كانت تبكي بالفعل. توقف إذاك كي يحتضنها بحنان، مردداً في لوعة وهوَ يقبل عينيها: " تينا، تينا.. أعتذر منك، يا أختي الحبيبة ".
في صالة الشقة، أشعلت كل ما وجد من شموع، ثم اتجهت إلى الحمّام كي تأخذ دُشاً وتغير ملابسها. لما عادت، رأت رأس ضيفها الشاب ملقى على صدره وقد ارتفع غطيطه خافتاً. دأبت تتأمله، مستعيدة في سحنته الحَسَنة الملامح تلكَ الذكرى المؤلمة، التي سفحت قبل دقائق العبرات على نطعها.







اخر الافلام

.. سينما بديلة: لقاء مع ماريو ميكايلو حول فيلم -Vila do Conde F


.. -يوم فقدت ظلي- فيلم سوري ينال جائزة أفضل فيلم روائي بمهرجان


.. -كرامة-.. منبر يرصد الانتهاكات الإنسانية بلغة سينمائية




.. مؤتمر وزراء الثقافة العرب يشهد توقيع اتفاقية -حضانات رواد ال


.. وزير الثقافة التونسي يؤكد على عمق العلاقات بين مصر وتونس