الحوار المتمدن - موبايل



عن وضع الثقافة العراقية الراهن

سلام إبراهيم

2018 / 8 / 26
الادب والفن


عن وضع الثقافة العراقية الراهن
سلام إبراهيم*
الثقافة مفهوم واسع لا يقتصر على الأدب والفن بل يعني المجتمع ونمط الحياة. ومن هذه الناصية لا أستطيع الحديث عن الثقافة بعد الاحتلال الأمريكي 2003. إذ لا أستطيع النظر إلى المجتمع العراقي دون ما آل إليه عقب قرابة أكثر من نصف قرن من حكم العسكر والانقلابات التي آلت أخيراً إلى سلطة دكتاتورية يتحكم فيها شخص الدكتاتور بكل مفاصلها، صغيرة وكبيرة. لا بل حطم كيان الدولة الفتي التي تأسست عقب الاحتلال البريطاني في أعقاب الحرب العالمية الأولى في 1921 التي اكتسبت بنيتها شيئاً من الاستقلالية بحيث انفصلت السلطات وكان للبرلمان دورا ايجابياً في التطور السلمي للمجتمع العراقي, لكن كل ذلك انهار مع تسلم العسكر السلطة بالقوة العسكرية 14 تموز 1958 وإعدامهم للعائلة المالكة برمتها في قصر الرحاب إلا من كان غائبا. وسحل الساسة كنوري السعيد، ليرسخوا تقاليد العنف المتفشي أصلا في أصغر وحدة بالمجتمع العراقي العائلة، ثم المدرسة، الشارع. ومنذ ذلك التاريخ لم يهدأ الصراع على السلطة بين العسكر والأحزاب الشمولية قومية أو ماركسية وقتها، فالشارع كان ينضح عنفاً، محاولات انقلابية فاشلة وسحل في الشوارع، والشعار الشهير:
- ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة!.
ليتوج الصراع الدموي بانقلاب 8 شباط 1963 الذي صعّد العنف المجتمعي إلى أقصاه. زج الآلاف في السجون، مارس أبشع أشكال التعذيب، قتل تحت التعذيب. دفن أحياء، أغتصب نساء مناضلات. كل هذه الجرائم التي أصبحت عامة شملت العراق كله قامت بها ميليشيا "الحرس القومي" التابعة لحزب البعث الذي سرعان ما أسقطه –عبد السلام عارف- ذو التوجه القومي الناصري بعد ستة أشهر تشرين 1963. وكان بلا سند فأصبحت السلطة هشة وشاع الفساد فيها، وبالمقابل شهدت تلك الفترة نهوضا فكريا واجتماعيا رغم العوز الاقتصادي، عاد البعث في 17 تموز 1968 بحلة جديدة ليتحالف مع القوى المعارضة. ومع تأميم النفط 1972 والتحالف مع الشيوعيين 1973 شهد العراق نهضة اقتصادية وحضارية لا تختلف عما كان عليه المجتمع الدنمركي في تلك الفترة وهذا ما اكتشفته من خلال دراسة تطور المجتمع الدنمركي في مدارس اللغة حين وصولي للدنمرك. شرعت قوانين ثورية تخص المرأة – قانون الأحوال الشخصية مثلا – وقوانين العمل وغيرها. لكن لم يستمر هذا التطور. إذ أستحوذ الدكتاتور –صدام حسين- على السلطة في تموز 1979. وصفى في حفلة دموية رفاقه، ليستفرد في السلطة بشكل مطلق مستكملاً حملته على القوى الديمقراطية والشيوعيين رفاق الأمس. ليعلن الحرب على إيران 1980.
هنا بدأ العد التنازلي لخراب المجتمع العراقي برمته. سجل الدولة ماركة باسمه وحزبه، محطما بنيتها؛ فتحولت من وجود يرعى حقوق الموطن والمواطنة إلى أداة إرهاب مشرعا قانون رقم -200- الذي يحكم بالإعدام كل عراقي ينتمي لغير حزب البعث. عمم القانون على الموظفين والطلبة. ثم شرع بالحرب مع إيران التي لا معنى لها. ثمان سنوات عبثت بحياة العراقي وغيرت مصائر وأنا واحد من الذين تغيرت مصائرهم بسبب هذه الحرب. فهربت من الجبهة والتحقت بالثوار وتغير مسار حياتي كلها فقدت الوطن والأهل وتشردت. فكيف بالمجتمع والمليون قتيل عدا المعوقين لتنهي الحرب بلا نتيجة. وقصصهم التي يحاول الأدب العراقي وخصوصاً الرواية تصور تراجيدية مصائر بشرها. الدكتاتور نقل المجتمع العراقي من لحظة الوثوب في سبعينات القرن الماضي ثقافة وتقاليد إلى انحطاط تام عقب حربه الثانية حينما أحتل الكويت وُطرِدَ ليُحاصَر الشعب. ويبدأ هدم ما تبقى من هيبة الدولة والقوانين. ولتراكم المشاق والتهدم عاد المجتمع إلى بنى سابقة للدولة. العشائر، الدين، الطائفة، إذ صار فعل المؤسسات الدينية مع حملته الإيمانية في تسعينيات القرن الماضي بديلا لمؤسسات المجتمع المدني فشوهت كل الثقافة المدينة ولم يعد للدولة أي اعتبار. بالمقابل صار للعشيرة والقبيلة والعائلة والمرجع الديني دورا في تسيير مجتمع يتداعى. وكان هذا الوضع قبيل الاحتلال الأمريكي 2003.
جاء المحتل ليجهز على ما تبقى. حلَّ الجيش، شكل مجلس حكام على أساس طائفي، قومي ديني أثني. وهذه اللعبة القذرة انطلت على قوى اليسار العراقي لا بل شارك في مجلس الحكم. ليسود دستور ملغوم ويقيم انتخابات معروفة سلفا من يفوز فيها في حكم الوضع الثقافي والسياسي.
العراق على وشك التفتت واقعا وهوية. وهو في حرب أهلية طائفية يتحكم بها ليس العراقي بل وبصراحة قوى إقليمية وبوضوح أشد، السعودية التي تدعم ما يسمى داعش، وإيران الداعمة لفكرة الحشد الشعبي الشيعي. أما الأكراد فيغنون على موالهم مستثمرين الأحداث على أمل إعلان دولتهم.
أزور العراق كل عام وأبقى أشهر في مدينتي –الديوانية- وروايتي الأخيرة –حياة ثقيلة-عما آل إليه العراق الآن في تفاصيل صغيرة. ليس ثمة ثقافة ولا نشاط. وما يقام من نشاطات ثقافية محاضرات أو عروض مسرحية أو معارض في شارع المتنبي أو في اتحاد الأدباء ليس لها علاقة بالمجتمع ولا بالناس، لاحظ الحضور تتكرر نفس الوجوه.
أين هذا النشاط من فعالية القوى الطائفية التي تثير الغريزة الشعبية فترى حشود ملاينيه تسير إلى كربلاء متوقعة احتمال موتها، أو إقناع إنسان بتفجير نفسه لقتل اكبر عدد ممكن من الناس في المقابل الطائفي.
ما يجري في العراق شيء كبير جدا. ثمة تخريب لروح المواطنة، وشرعنة ثقافة العنف بدواعي طائفية، ألا ترى كيف تمارس الأطراف القتل ذبحا أو سحلا، وسط بهجة القتلة من الطرفين. لا حديث عن الثقافة في حرب أهلية تتطور يوما بعد أخر، أمية تخلف فقر بطالة عسكرة. وكل صوت يشكل تهديدا للقوى السياسية التي تحكمت في الثروات وأثرت بالسرقات يقتل بكواتم الصوت بسهولة. كامل شياع، وهادي المهدي والعديد الأقل شهرة. عن أي ثقافة وتطورها نتحدث. ما أوصل العراق إليه الدكتاتور من خراب كنا نظن أنه فظيع. جاءت هذه السلطات وبأصوات الجهل لتتوسع في الخراب ولتوقد حرباً أهلية يقتل بها شباب العراق يوميا والأفق مظلم.
لا كلام عن الأدب. صورت هذا الواقع بروايتي "حياة ثقيلة" التي صدرت 2015 في القاهرة عن دار الأدهم. الرواية جسدت معاني ما ذهبت إليه ولخصت رؤيتي لما آل إليه بلدي ورحمي الذي نعته بالدامي. قد تقول لم تتحدث عن الأدب والمتنبي والإصدارات ونشاطات يوم الجمعة وأمسيات اتحاد الأدباء. أقول لك: زرت دار الشؤون الثقافية في بغداد لاستلام نسخ من روايتي التسجيلية –في باطن الجحيم- في الشهر الرابع 2013 لأكتشف بأن كل موظفي حزب البعث كتابي التقارير عادوا إلى مواقعهم في المؤسسات الثقافية برعاية هذا الحزب الديني الطائفي أو ذاك. فكما تعرف هذه الأحزاب لا عمق ثقافي لها فثقافتها سلفية وتحتاج مرتزقة. والمرتزقة موجودين أعدهم صدام لتبرير سياسته وهاهم يلبون حاجة أحزاب اليمين الديني.
وهؤلاء سعوا حثيثا وساعدهم الوضع العراقي الملتبس لتغييب نصوص عراقية مضيئة بتاريخ السرد الأدبي. نصوص عرت الحرب والدكتاتور والوضع الملتبس بروايات مهمة لـ جنان جاسم حلاوي، شاكر الأنباري، حميد العقابي، نجم والي، حسين الموزاني، فاضل العزاوي، زهير الجزائري، محمود سعيد وغيرهم، وعرقلت فكرة إصدار سلسلة تحت عنوان –أدب المنفى العراقي- التي دعوت لها مراراً في الكثير من المقابلات الصحفية والتلفزيونية والمقالات ، ودعا لها الروائي العراقي أحمد السعداوي في مقاله له عن رواية الإرسي قرأها في أتحاد الأدباء في مطلع 2009، ولم أدرك لِمَ لم تلق آذان صاغية إلا بعد زيارتي المذكورة لدار الشؤون الثقافية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* روائي من العراق







اخر الافلام

.. حاتم العراقي اغنية خبروني عنه شلونه .. قناة ابــو رعــود ا


.. الفنانة سميرة عبد العزيز تكرم الناجية من حادث الدرب الأحمر


.. تفاعلكم | جدل حول النشيد الوطني العراقي وكاظم الساهر




.. رئيس حزب المؤتمر: الاتحاد الليبرالي يهدف لنشر الثقافة الوطني


.. ماذا قال وزير الثقافة السعودي للعربية عن مشروعات الرياض العم