الحوار المتمدن - موبايل



خجي وسيامند: الفصل السابع 3

دلور ميقري

2018 / 8 / 26
الادب والفن


دأبت تنظر إلى سحنة رفيق الليل، المشمولة بغمامة الوَسَن. عندئذٍ استعادت ملامحَ أخيه، حينَ كان متدلٍ من سقف عليّة المسكن، معلقاً بحبل الانتحار، متأرجحاً هادئاً وديعاً ـ كما لو كان طفلاً في سرير أيام زمان، تهدهده والدته كي ينام.
" لقد أُشْبِهَ أيضاً بطفل مذنبٍ، هاربٍ إلى النعاس من فكرة العقوبة، التي تنتظره في الغد "، قالت للأخ بنبرة من يعاتبَ شخصاً آخر مسكوناً في داخله. وكان " سيامند " قد استرد حيويته بعد غفوةٍ مبتسرة، سلّمته لحُلم غريب. ردد معقّباً على الحكاية الحزينة: " بلى، كان كابوساً.. كابوساً ". في محاولة لصرفها عن الذكرى المؤلمة لكليهما، حدّثها عن ذلك الحلم، المنتهي إلى جعل كيانه ينتفض بهزة قوية.
" رأيتني في بلدة جدّتي لأبي، والوقت كأنه ظهيرة صيف. وكنت مع الأهل على مصطبة مستطيلة الشكل، مشرفة على النهر، محجوبة من جانبيها عن المصطافين الآخرين بوساطة عيدان من القصب المتشابك. كنت إذاك أنظر بشعور من الحسد إلى فرهاد، المُشرع في صيد الأسماك مستعملاً صنارة من نوع القصب نفسه. فجأة، وعلى حين غرّة، ظهرت رويداً سمكة هائلة، كأنها قرش أو حوت، وكان شص الصنارة مغروزاً في فمها. بدت هائجة، تشزرنا بنظراتٍ حاقدة، كما لو كانت مغضبة من فكرة أن صبياً صغيراً بوسعه خداعها. ثم ما لبثت أن جذبت بحركة عنيفة الحبلَ المعلق بالصنارة، ليُشَدّ الصيّادُ معه. مرتاعاً، تابعتُ طيرانَ أخي في الهواء ومن ثم سقوطه وسط النهر، العميق والسريع الجريان. بدأ الجميع بالصراخ، وخصوصاً الأم. إلا أبي، وكان يقف مبتسماً يراقب المشهد وعلى كتفيه عباءة خفيفة وخَلِقة. لقد لاحَ بابتسامته الشنيعة، المفترة عن أسنان مسودة، مثل دراكولا السينما الكلاسيكية. وبينما أمنا الملولة تستصرخه في يأس، كنتُ أقترب من موقفه ببطء وفي نيّتي دفعه إلى نهر الهلاك ".
علّقت " تينا " على الحلم، بينما يدها تمتد للضيف بكأس من الفودكا: " قبل الحادث المفجع بأيام، حدّثني عن حلم رآه وكان أيضاً يجمعُ بعضَ أفراد الأسرة بما فيهم أنتَ. ولكن تفاصيل الحلم ضاعت من ذاكرتي، اللهم سوى أن واقعته المُفترَضة جدّت في حمّام منزلكم وعلى خلفية حدثٍ سياسيّ، حقيقيّ، هز بلادكم في تلك الآونة "
" ربما الأمر تعلق بموت ابن الرئيس في حادث سيارة، وكان قد استحال في أهميته إلى ما يماثل صلب المسيح في معتقدكم "
" ليسَ في معتقدي، على أيّ حال! "
" بلى، لقد ذكرته على سبيل التشبيه حَسْب ". ثم استدرك القول، ساخراً: " ولو أن الأصح، هوَ الإحالة إلى حادثة مقتل ابن إمامهم؛ علي. وهذا الإمام يُعدّ بمثابة الرب لدى أتباعه، وفي التالي، فإن تشبيهه بالمسيح واردٌ ومشروع ". على الأثر، بدأ يرتشفُ الشرابَ من كأسه المُترع. ما لبثَ أن واصل، مبتسماً بخبث: " حلمي هذا، لعله أن يكون نذيراً بانتحاري الوشيك ". بادلته الابتسامَ على مضض، على مألوف عادة الناس المهذبين. وكانت ما تفتأ مرتعشة جرّاء الذكرى الحزينة، حتى أنها التصقت بالضيف مزيداً من الالتصاق. فلما بادرَ إلى وضع كأسه على الخوان، ومن ثم تطويق جسدها بيده، فإنها تزحزحت متململة: " لا، لا أرغب في المضاجعة هذه الليلة ".

***
آبَ " سيامند " إلى النهل من الكأس، مفلتاً جسدها للانتحاء بجسده جانباً. بينما ذهنها راحَ يستعيدُ وقائعَ سهرةٍ قديمة، جمعتها هذه المرة بأحد مواطنيه. آنذاك كانت في أشد حالاتها النفسية عسرةً، بعدما تعرّضت لخيانة مَن كانت تعتبره حبيباً.
" سافر مع عشيقة إلى ألمانيا، ليقضيا ثمة جزءاً من عطلة الصيف. سافرا بسيارة سبقَ واشتريتها من نقودي؛ نقودي المتكفلة أيضاً، ويا للمهزلة!، بنفقات عطلتهما الممتعة. كنت قد التجأت ليلتئذٍ إلى صديق مشترك، وكان فضلاً عن ذلك جاراً يقيم وحيداً في شقة بنفس العمارة. وإنه مَن تعهّد إعلامي بتلك الخيانة، طالما ضميره لم يشأ السكوت عليها "، استرسلت في السرد، متدفقةً. ظهرَ أنها عجزت بدَورها عن السكوت على الذكرى، الممعنة في اختراق داخلها كسكين. وعليه كان مقاطعتها هنا، مُستفهماً: " قلتِ أن اسمه، ‘ دلير ‘، ذاك الصديق؟ لا أعتقد أنني عرفته في الحي، أو حتى سمعت به. كونه من جيل آخر، وعلاوة على ذلك يقيم في السويد منذ أعوام "
" نعم، ولا فرهاد كان قد تذكّر أنه عرفَ شخصاً باسمه. في أوان علاقتي بأخيك، كانت صلتي مقطوعة بأغلب من صادقتهم فيما مضى، ثم ما لبثنا أن انتقلنا للعيش معاً في ستوكهولم "، قالت موضّحةً. وكان " سيامند " ما يزال مستلقٍ على الأرضية المغطاة بزربية محلية، يرمق جسدها شبه العاري بين وهلة وأخرى بعينين مبهورتين، جائعتين. من ناحيتها، لم تضِق من نظراته أكثر مما كانت تعانيه من ضيقٍ نتيجة الذكرى. على أنه آلمها حقاً، آنَ انطلقت ضحكته مع هذه الكلمات الطائشة: " هل كل ما رويتِه، كان من أجل القول أن ذلك الصديق امتنع عن المضاجعة في تلك الليلة احتراماً لمشاعرك؟ "
" امسع، يا صغيري! سندَع كل هذه الحماقات ونولي وجهينا صوبَ ذلك البار، الذي كان من المفروض بك أن ترتاده الليلة مع آلان. ومن يدري، فقد نتمكن هنالك من لقاء ذات الثوب الأحمر؟ "، فاجأته باقتراحها بلهجة جدية تماماً.







اخر الافلام

.. محافظ جنوب سيناء ووزيرة الثقافة يفتتحان معرض المشغولات البدو


.. مخرج فرنسي يسبب أزمة.. هل طبع مهرجان القاهرة السينمائي مع إس


.. تعرف على الأفلام التي عرضت في مهرجان الشارقة السينمائي الدول




.. الجمهور ومغني الأوبرا.. علاقة شغف يتحدث عنها خوان ديغو فلوري


.. مسؤول تركي يطلب تجاهل مسرحية تسجيلات خاشقجي