الحوار المتمدن - موبايل



خجي وسيامند: الفصل السابع 5

دلور ميقري

2018 / 8 / 28
الادب والفن


عزيزي سيامند
رسالتك، أدهشتني ولا غرو بعد غياب أخبارك تماماً عني ( والأصح مقاطعتك لي! ) منذ مغادرتي مراكش. كم مضى مذاك الوقت؟ ثلاثة أعوام أو أربعة؟ على أي حال، سُعدت باستعادة علاقتنا. ولو أنّ الظروفَ حالياً، المذكورة في خطابك الطويل، قد لا تُبيح لي إظهار هكذا مشاعر سعيدة. وسأعود لاحقاً، بالطبع، كي أعلّق على ما أوردته أنتَ بخصوص تلك الظروف.
قبل كل شيء، أود إخبارك بالطريقة الملتوية، الطريفة، التي وصلتني فيها رسالتك. ربما لاحظتَ من عنواني، المسجّل بخطي على ظرف هذا الخطاب، أنني أقيم الآنَ في مدينة أخرى غير العاصمة ستوكهولم. جرى ذلك من حوالي عامين، نتيجة سلسلة من المتاعب إن كان على صعيد عملي في المستشفى أو حالتي النفسية. وحدتي ثمة، المزدحمة في المقابل بذكرياتي مع " فرهاد " المسكين، عادت عليّ بالحالة تلك. وكنتُ قبل أيام في زيارة لستوكهولم، لصديقة تقيم بالقرب من مسكني القديم، حينَ سرت في جسدي قشعريرة الذكرى. مررتُ بعدئذٍ على المسكن، أستطلعه من الشارع عن بُعد. وإذا بيد تقبض على معصمي، وصوت مرتعش يهتف من وراء كتفي باسمي. كانت امرأة عجوز، تعيش على نفس الطابق أينَ وُجِدَتْ شقتي تلك. " فرهاد "، كان لا يتحمل ثرثرتها وتطفلها، وكانت هيَ من ناحيتها تمحضه مشاعر الريبة والجفاء.
" ساعي البريد، أسقط في صندوقي رسالةً مبعوثة على عنوانك السابق. سترافقينني إلى شقتي، فأسلمك الخطاب. وفي أثناء حديثك عما جدّ معك خلال عامين، أتعهّد تضييفك القهوةَ بالحليب مع الكعك المحلّى بالسكّر والقرفة! "، قالت لي العجوز وهيَ تشد من جديد على معصمي. أما بشأن انتقالي من ستوكهولم، فإنها حكاية أخرى أقلّ طرافة وتسلية.
كنتُ ذات صيفٍ أقضي إجازتي في بلدتي الأولى، لدى المرأة الجديرة بصفة الوالدة، وكانت هيَ بدَورها تعاني من الملالة والسأم بعد وفاة رجلها. كان الجو رائعاً، حاراً مثل ربيع مراكش في أوان زيارتي لها. الكوخ الصيفيّ، المملوك من لدُن مُحْسِنتي الطيّبة ( ولعل هذه ستذكّرك أيضاً بمثيلتها في المدينة الحمراء؟ )، يقع على رابية صخرية مشرفة على الغابة العذراء، المتلاشية عند أقدام البحيرة الكبرى؛ مالارين. آنذاك، فكّرت في الانتقال للعيش وسط الطبيعة الساحرة وكما لو أنّ الصيفَ سيكون دهراً. ما حفزني على اتخاذ قراري، كوني عزمتُ مرةً على قضاء إجازتي مع أخيك في ذلك المكان؛ هوَ مَن كان قد أبدى لي هكذا رغبة قبيل رحيله الفاجع، قائلاً أنه سيعود منه مع لوحات جديدة. يا للوحاته غير المتحققة، لفرشاته اليتيمة ولآماله الموءودة!
رسالتك، بالأحرى صفحاتها الثلاث، كانت تضوع بروائح المدينة الحمراء، المميزة؛ الدروب المتربة، الملتهبة بشمس الظهيرة، المرشوشة تواً بالماء من أبازيم وجرار أصحاب المحلات التجارية؛ زوايا الأزقة، المختزنة تحت ظلالها الكثيفة بَوْلَ المارة العابرين؛ الحدائق والعَرَصات، بأزهارها ووردها وياسمينها؛ الأسواق المتنوعة، بأقمشتها وجلودها وعرعرها وحديدها المشغول؛ الدكاكين الضيقة، المحشور فيها العطارون مع قوارير ومطربانات أعشابهم وبهاراتهم؛ الساحة العجيبة، أين تزحف الثعابين وتنط القردة وتهدل القماري وتخب خيول الكوتشي.. الخ الخ
عليّ كان أن أقرأ خطابك، هنا على الأريكة في صالة الشقة الدافئة، بينما نوافذها تُلسع في قسوة بالمطر ورذاذ الثلج المُبكر. أفعل ذلك، حالمة بشمس مراكش الخالدة، المهيمنة على سمائها الأكثر صفاءً من بشرة حسناء سويدية! ولا يخطرن في بالك، أنني أسوق الكلام عن نفسي: " تينا "، التي عرفتها أنتَ في خلال ثلاثين يوماً، كأنما كبرت ثلاثين عاماً. كيفَ جرى ذلك التغيير؟ لا أدري، حقاً. إنه شبيه، إلى هذا الحد أو ذاك، مع ما تضمنته رسالتك من أحوال جديدة عليّ الجدّة كلها. ولا أقصد بحالٍ من الأحوال الناحيةَ السياسية، المفعمة بتفاصيلها كلماتُ ذاك الخطاب، بل أخبار الأصدقاء والمعارف في طرفكم. الآن، على أثر قراءتي للرسالة وإعادتي لبعض فقراتها مذ بعض الوقت وأنا على الأريكة الدافئة، يتوجّب عليّ الرد فيما يخص التساؤلات الواردة فيها.
وبدءاً أقول، أنني استغربت بشدة لتحولك من الانشغال بالأمور التجارية ( لنغض الطرفَ عن الاهتمام بموضوع القلب والعاطفة! ) إلى ميدان العمل السياسيّ، الكرديّ. ما يكمن خلفَ استغرابي، لو شئتَ التعويل على رأيي، أنك تعيش وتعمل في بلدٍ يبعُد آلاف الأميال عن بلدك. ولتغفر سذاجتي، ما لو سألتك عما إذا كانت " كردستان " هيَ بلدك الحق أم أنها سورية؟ ولم أكن لأسمح لنفسي بذلك الشعور من الاستغراب، أو السؤال المعقّب إياه، لو أنني ما كنتُ يوماً على معرفة جيدة بقضيتكم القومية فضلاً عن مواقف من صادقتهم هنا من مواطنيك اللاجئين. والأجدى أن أختصرَ ردّي، بأن أذكر أخاك الراحل بناءً على موقفه من ذلك التنظيم الكرديّ ـ الماركسيّ، الموصوم بالإرهاب في الدول الغربية بما فيها السويد.
" إننا الكردُ ضحية لاتفاقات دولية، صممتها حكومات الحلفاء بعيد انتصارها على السلطنة العثمانية في الحرب العظمى. وعلى الرغم من كونها حكومات مسيحية الثقافة، متحررة الفكر، لم ترَ تثريباً في إلحاقنا بدول أربع على طريقة الزواج الإسلاميّ! الجزء الأكبر من كردستان، بقيَ مع ذلك من نصيب الدولة المهزومة في الحرب. ثمة، تم على الأثر وأد أي محاولة للاستقلال ومن ثم الشروع في سياسة التتريك. وكانت هذه السياسة تحقق ثمارها أو تكاد، آنَ انفجرت ثورة كبيرة للكرد في العراق، تبعها إعلان حكم ذاتي لأشقائهم في إيران. الأحداث تلك، جرت هذه المرة على خلفية انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. منذئذٍ، وحتى تأسيس ذلك التنظيم القوميّ الماركسيّ، لاحَ أن الجزء الملحق بتركيا سيكون بؤرة الاستقلال الكرديّ. على أنّ هذا التنظيم، كونه يؤمن بفكر شموليّ، أراد أن يهيمن على القرار السياسيّ في الأجزاء الأخرى من كردستان. ولأن سورية هيَ الجزء الأصغر والأضعف سياسياً، انتقل نشاط التنظيم إليه اعتباراً من مستهل الثمانينات على أثر الانقلاب العسكريّ في تركيا. المقدمات المنطقية لشن حرب عصابات على أنقرة، انطلاقاً من الأراضي السورية، لقيت في المقابل معارضة قوية من لدن مواطنينا طالما أن أولادهم كانوا حطبَ الحرب بدرجة أساسية. علاوة على ما سبق التنويه به، حول سحب التنظيم شرعيةَ العمل السياسيّ للحركة الكردية المحلية بتشجيع وتحريض الأجهزة الأمنية في دمشق ".
كذلك كانت وجهة نظر " فرهاد "، وكانَ عليّ إيرادها بحَسَب ترسخها في ذاكرتي. كما أظن بأنها ليست غريبة عنك، أفكاره بهذا الخصوص. مثلما أنك تعرف أيضاً، مقدارَ كرهي الخوض في أمور السياسة. إلا أنني وطبقاً لرغبتك، كتبت ما كتبت نقلاً عن الذهن الواهن، المتزاحمة فيه شتى الأفكار والذكريات.
أخيراً، دَعَني أجيبك عن تساؤلك بشأن إمكانية عمل شيءٍ مُجدٍ لحالة زعيم التنظيم، المحاصر في روما. أنتَ استفهمت في خطابك، ما إذا كان في الوسع البدء في حملة على مستوى الأحزاب السويدية اليسارية، بما في ذلك سفر بعض برلمانييهم إلى روما للتعبير عن تضامنهم مع الزعيم وحث الحكومة الإيطالية على منحه حق اللجوء السياسيّ، أو على الأقل، رفض تسليمه لأنقرة؟ وجواباً، أذكرك أولاً بتلك الدول الغربية، التي دفعت أمور شعبكم إلى هذه الهاوية. فإنها هيَ مَن يفرض سياسته الخارجية على دولة صغيرة كالسويد، عدا ما تلعبه المصالح الاقتصادية من دور مهم وفعال. على ذلك، يلوح لي أمراً مشكوكاً فيه بقوة، إمكانية تأثير السويد في هذا التوجه الغربيّ الداعم لأنقرة في موضوع مصير زعيمكم.. بله أن نفكّر، بكون غالبية الأحزاب السويدية تتفق بهذه الدرجة أو تلك على وصم الحزب بالإرهاب.
إنني أحترم رأيك ومعتقدك، وكان بودي يقيناً تقديم مساعدة في شأن الوضع الحرج والمزعج، المَوْصوف. إلا أنني أقف عاجزة، مغلولة اليدين بإمكانياتي المتواضعة جداً. في هذه الحالة، لا أستطيع سوى إبداء شعور التضامن وبنفس حرارة استعادتي لذكرياتنا المراكشية، الجميلة والمثيرة.
لا يسعني في الختام إلا التعبير عن إعجابي بأسلوبك في الكتابة، وأتساءل عما يمكن أن يكونه من قوة وجزالة في اللغة العربية، التي تجيدها بالطبع خيراً من الإنكليزية. ربما سأحظى منك قريباً برسالة، تنبئني فيها بشروعك في كتابة انطباعاتك عن فترة إقامتك في المدينة الحمراء؛ وهيَ فترة، تجاوزت بالتأكيد ما قيّضَ لأخويك الراحلين أن يقضياه هنالك.
ت. س
يناير 1999

> يليه الجزء الثاني من الرواية، وهوَ بعنوان " زين وآلان "









اخر الافلام

.. كيف كشف الفنان مصطفى أنور شيخ على حقيقته بأغنية؟| جدودنا


.. ماهي المقالب التي كان يقوم بها الفنان مصطفى أنور بآنسات المد


.. تفاصيل جديدة في الرواية السعودية حول مقتل جمال خاشقجي




.. مراسل الجزيرة يتحدث عن التفاصيل الجديدة في الرواية السعودية


.. تواصل ردود الفعل الدولية المشككة بالرواية السعودية