الحوار المتمدن - موبايل



قناعات الماضي التي لم تبرح الحاضر

حمدى عبد العزيز

2018 / 9 / 6
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


ناقشوا أصحاب ثقافة الإستعلاء الديني والمذهبي ، ستجدون أنهم يقدمون رابط الطائفة أو المذهب علي رابط الوطنية ، ويعلون من شأن الطائفة أو المذهب فوق شأن الوطن ..

وهو فهم وارد إلينا عبر الوهابية البغيضة ، وضعته تبريراً مذهبياً دينياً للخروج عن سلطة الدولة العثمانية (سلطة الخلافة التي كانت بطبيعتها سلطة إستعلاء عرقي ومذهبي) ، ولإن الوهابية في الأساس الإجتماعي فكر نشأ كمسوغ للقبائل الصحراوية النجدية التي تعتاش علي قطع الطرق علي القوافل التجارية وقوافل الحج القادمة من العراق وشمال آسيا ، وممارسة أعمال السلب والنهب والقنص عليها ، وكذلك علي القبائل الأضعف في الصراع علي المضارب وآبار الشرب ومراعي الأبل والأغنام ،

ولذلك شكلت البيئة الإجتماعية التأسيسية أساساً لقراءة الوهابيون للدين الإسلامي ،ولتشكل عقائدهم المذهبية ،وعقائدهم القتالية العصابية ، ورؤيتهم للأوطان باعتبارها المواضع التي تظل حدودها مرهونة بمشيئة السلب والنهب والإغارة علي القبائل وضمها كجزء من كل الأراضي الممكنة التي يمكن بسط السيطرة عليها ،وعليه فإن كل أرض أخري هي ديار حرب طالما لم تدخل في تبعية الطائفة القبلية بالقبائل التي دخلت في معيتها بالنسب ،أوالقبائل التي انضوت تحت قيادها بدفع المعلوم من (الجزية) ، وهنا يأتي دور بلورة المذهب الوهابي ليعطي تلك الصياغة مقدسة لهذا التموضع ، ويجعل من ذلك التجمع العصابي القبلي البدوي (الفرقة الناجية) أو (الطائفة المنصورة) وهو المسمي الذي ابتدعه بن تيمية إستناداً علي أحد الأحاديث المنسوبة للنبي (صلعم) ..

(تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً ، قَالُوا : وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي ) ،

وبغض النظر أنه حديث مختلف عليه من الأساس ومختلف علي روايته ، وتوجد أكثر من رواية مختلفة وضعها الرواة تحديداً لعبارة ( مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي) ، إلي أن جاء محمد بن عبد الوهاب وجعل المقصود بها (ماهو عليه هو وأصحابه) علي اعتبار أنهم الذين اتبعوا السلف الصالح من الصحابة والمسلمين الأوائل ، ولهذا كان بن عبد الوهاب يسمي مذهبه بالمذهب السلفي ولم تظهر كلمة الوهابية إلا عندما جمع الأمير عبد العزيز آل سعود بمعاونة المخابرات البريطانية متمثلة في رجلها الجنرال فيلبي ، والجنرال شكسبير الذي خلفه الذي في تولي مهمة تدريب وتسليح ما أطلق عليه الأمير عبد العزيز آل سعود وقتها ب(الإخوان الوهابية) أو (إخوان الهجر الوهابية) ، (والهجر هنا بضم الهاء وهي دلالة علي القري التي كانت تتشكل حول الآبار في وديان مابين الجبال ، والتي كان الوهابيون قد هجروا جبالهم وهضابهم ليقيمون فيها ويتدربون علي القتال )

إذن هذه هي الفرقة الناجية من النار دون كل الفرق الإسلامية الأخري التي وصمها الوهابيون بالشرك ، وهي الطائفة المنصورة كما أطلق عليها بن عبد الوهاب ، ومن بعده أطلقها فقهاء الوهابية علي كل من اتبع المذهب السلفي الوهابي باعتباره مذهب أهل السنة و"الجماعة" ..

وهنا يمكن التوقف وملاحظة كيف استعار حسن البنا كلمة (جماعة) ،و (الإخوان) عند تأسيسه لجماعته وكيف أن كلمة (المسلمون) هي حصر لنطاق الدين للإسلامي في الجماعة وأتباعها فقط كفرقة ناجية ، طائفة منصورة ..

وهكذا فقد كان الإستعلاء الديني المتمثل في تبنيهم لفكرة أنهم هم (الفرقة الناجية) التي أشار إليها الحديث النبوي المذكور الوارد سابقاً ، وبلورتها في مسمي (الطائفة المنصورة) التي أعتبر محمد بن عبد الوهاب أنها الطائفة التي تضم كل من اتبعه واتبع أفكاره وتنحصر فيهم ومن ابعهم إلي يوم الدين ..

ومن هنا أيضًا كانت أحاديث حسن البنا المؤسس التاريخي عصابات التأسلم السياسي المصرية عن أولوية (الأمة) الإسلامية عن مفهوم الوطنية الضيق ، إلي أن قام سيد قطب بالبلورة والتحديد والتنظير لهذا المفهوم الإستعلائي الطائفي عبر قوله بإن رابط الدين (الذي هو في نظرهم مذهب أهل السنة و"الجماعة" أو الطائفة المنصورة ، وفي الخلاصة النهائية من يتبع الجماعة) هو الرابط الوحيد للأمة ، وأن رابط الوطنية بدعة أتي بها الغرب ، وكل بدعة ضلالة ..

إذن هذا فهم أسست له السلفية الوهابية واستلهمه المؤسسون الأولون لجماعة الإخوان المسلمين ، وشكل ثقافة وقناعة كل تيارات وجماعات التأسلم السياسي وأيضًا شكل جزءاً من قناعة مؤسسة الأزهر باعتبار أن هذا يعزز من شأن المكانة الأممية للأزهر ، وأصبح بالتالي ثقافة للغالبية الساحقة لعمائم الشيوخ في مصر ..

الإستعلاء الديني المذهبي شأنه شأن الإستعلاء العرقي أو الإستعلاء الجنسي يعطي لصاحبه الحق في التصور أنه يمتلك سلطة الوصاية علي الناس ، وأنه هو القانون الذي يمشي علي الأرض وكيلاً عن الله ، أو عن العرق ، أو النوع الجنسي ..
فيستبيح لنفسه إبطال حرية البشر وإيقافها عند حدود الإيمان بمعتقاداته هو ، و الإنتصار لها ، وينتهي الأمر بأن يعطي لنفسه سفك دماء المخالفين لطائفته أو عرقه ، أو نوعه ، وسلب الأموال والممتلكات واستباحة النساء ، وخلافه من تلك الأفكار التي تستخدم في النهاية كمسوغ لأطماع وغايات مادية وساطوية مضمرة غير معلنة أو معلنة تحت شعارات دينية ، ويستخدم الجهلاء والمغيبين والعشوائيين وبعض ضحايا التشوه الإجتماعي كوقود لتلك الأطماع والغايات ..

ومانعيشه في مصر من أحداث برز فيها الإستعلاء المذهبي الديني الطائفي الفاشي الطابع بتجلياته وتنوعاته التنظيمية المسلحة وغير المسلحة تأججت منذ سبعينيات القرن الماضي ومع حضور بشائر ماسمي وقتها ب(الصحوة الإسلامية) علي والتي انطلقت مع تأسيس دولة الرئيس "المؤمن" أنور السادات الذي سمح بتدفق كوادر وأموال التأسلم النفطي من الخليج بماعرف وقتها بخطة (السادات - كمال أدهم "مستشار المملكة السعودية والذي تردد أنه العميل الأول وقتها للمخابرات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط) وما أعقب ذلك من إعادة الإعلان "الثالث" لجماعة الإخوان المسلمين في مصر ، وحصولها علي ترخيص رسمي من الدولة ، وانتشار الجماعات السلفية الوهابية في مصر بجمعياتها ومستوصفاتها وهيمنتها علي دور العبادة ، وبكتبها التي كانت توزع علي الأرصفة وفي وسائل النقل العامة ، تواكباً مع حالات حظر ومنع الإبداعات والأفلام ، ونشر الكتب التي تحتوي علي أفكار التقدم والإستنارة وأي كتب تناوئ تلك الصحوة السلفية الوهابية ، وصار الأزهر بتوجاهاته السلفية الوهابية هو سلطة المنع والمنح لأي جهد فكري أو إبداعي أو إعلامي ،

ومن هنا بدأت المعاناة من الإستعلاء الطائفي تأخذ منحي متصاعد بدأ بأحداث الزاوية الحمراء ، وقتل وسرقة وسلب نهب ممتلكات ومحال أموال الأقباط من الأخوة المسيحيين في الصعيد في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي تحت شعارين أساسيين هما (الإسلام هو الحل) ، و (الإسلام غايتنا ، والقرآن دستورنا) ..
ناهيك عن أن الرئيس "المؤمن" الذي شارك في تأسيس هذا الإستعلاء الطائفي (أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة) قد ذهب هو الآخر ضحية لماشارك في تأسيسه بناء علي دور وظيفي إقليمي كان مطلوباً من طرف دولة المركز الرأسمالي الإستعماري الدولي (أمريكا) التي كانت تريد حشد المقاتلين من مصر والأموال من السعودية لتشكيل جيش الجهاد الإسلامي ضد (الكفار السوڤييت) في أفغانستان ..

ـــــــــــــــــ
حمدى عبد العزيز
4 سبتمبر 2018







اخر الافلام

.. قصة -بوغاتي-.. تحفة فرنسية بهندسة ألمانية وأسلوب إيطالي


.. نيويورك تايمز تكشف صناع صورة السعودية على مواقع التواصل


.. - بلا قيود - مع الأمير خالد بن فرحان آل سعود




.. موسكو: واشنطن تسعى لعالم أحادي القطب


.. جمال خاشقجي.. هذه تفاصيل الخطأ القاتل!