الحوار المتمدن - موبايل



الفن لوجه الله

سعود سالم

2018 / 9 / 10
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


لقد أنتهت منذ فترة طويلة أسطورة الفن للفن ولم يعد أحد يصدق أن الفنان يخلق ويبدع لوجه الله. الفن أصبح منذ سنوات عديدة صناعة متطورة لها منظريها وموضاتها ومصانعها، ولعل السينما والموسيقى والدعاية والمسرح إلى حد ما يمثلون خير تمثيل هذا الجزء من المنظومة الإقتصادية الرأسمالية. غير أن العلاقة بين الإقتصاد والموارد المالية وبين الفن ليست علاقة جديدة، ولكنها أخذت في السنوات الأخيرة صورة متطرفة، وأصبح الفن ميدانا من ميادين الإستثمار المالي كالبورصة أو الذهب أو العقارات. ونحن نعرف اليوم أن الفنان المعاصر لم يعد كما كان في بداية القرن الماضي، يحمل لوحاته وفرشاته وصندوق ألوانه على كتفه ويذهب للجلوس أمام حقل عباد الشمس ليرسمه كما كان يفعل فان جوخ. الفنان اليوم، هو رجل أعمال يمثل مؤسسة إقتصادية ضخمة لها موظفيها ومديريها كالسينما والمسرح، ولم يعد الفنان ينتج أعماله بمفرده، بل هو يتخيل ويصمم، مثله مثل المهندس المعماري، ثم يوظف عشرات الموظفين والعمال والفنيين لينفذوا عمله، ومن الأمثلة العديدة على ذلك كريستو Christo، دانييل بورن Daniel Buren، كرستيان بولتانسكي Christian Boltanski، داميان هيرست Damien Hirst، أنيش كبور Anish Kapoor، أنسلم Anselm Kiefer، ريتشارد سيرا Richard Serra… وغيرهم من الفنانين الذين ينتجون أعمالا ضخمة تتطلب الكثير من الموارد المالية والبشرية. وبذلك أصبح الفن جزءا مهما من الإقتصاد، مثل الصناعة والسياحة والتجارة.
وقد أصابت سوق الفن، منذ عدة سنوات، حمى مجنونة حيث وصلت أسعار أعمال ومنتجات العديد من الفنانين الأحياء درجات خيالية، وفي كل مرة نعتقد أن الأسعار وصلت إلى حدودها القصوى الذي لا يمكن تجاوزه، غير أن السوق يكذبنا في اليوم التالي. ويعتبر الرسام جيرهارد رشتر Gerhard RICHTER ممثل التجريدية الألمانية والواقعية الرأسمالية والذي استطاع أن يشكل ملامح الفن الألماني المعاصر بجمعه بين نوعين متناقضين من التعبير الفني من أغلى الفنانين الأحياء في العالم، رغم أن أعماله تعتبر من قبل بعض المتخصصين كنقد للمجتمع الاستهلاكي الغربي. وكذلك يعتبر جيف كوونز وداميان هيرست من ألفنانين الأحياء التي وصلت أعمالهم أسعارا خيالية تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات. أما أعمال الفن الحديث والكلاسيكي المنتمي لبداية القرن الماضي، فقد وصلت بعض الأسعار مبالغ جنونية وغير مفهومة حتى بالنسبة للمنطق الراسمالي الإستثماري. فلوحة بول سيزان Paul Cézanne لاعبوا الورق ظلت لفترة طويلة أغلى لوحة في التاريخ. لاعبو الورق Les Joueurs de cartes وهي في الحقيقة مجموعة من اللوحات الزيتية من فترة مابعد الإنطباعية، رسمها الفنان الفرنسي بول سيزان، في بداية العقد التاسع من القرن التاسع عشر. تختلف اللوحات بالحجم وبعدد اللاعبين المرسومين. في عام ٢٠١١، بيعت أحدى هذه اللوحات للعائلة المالكة في مشيخة قطر بمبلغ قُدّر بحوالي ٢٥٠ مليون دولار، مما جعلها أغلى لوحة في التاريخ حتى وقت قريب. وتعد اللوحة في نظر المراقبين أحد أهم اللوحات الفنية للمدرسة الانطباعية واحد أهم اللوحات في تاريخ الفن الحديث. ولم تتوقف قطر عند هذا الحد، فقد اشترت لوحة لبول جوجان Paul Gauguin، صديق فان جوخ، سنة ٢٠١٥ اللوحة المسماة Nafea faa ipoipo، وتترجم عادة بـ "متى تتزوجين؟" بـمبلغ ٣٠٠ مليون دولار. وبعد سنتين حطم هذا الرقم القياسي الجديد في صالة كريستيز. فقد وصل سعر لوحة صغيرة الحجم - ٦٥سم في ٤٥سم - رسمها ليوناردو دا فنشي Léonard de Vinci، والتي تمثل المسيح والمسماة Salvator Mundi أو منقذ العالم رقما خياليا لم يتجاوزه أحد حتى اليوم، حيث بيعت هذه اللوحة الصغيرة في صالة Christie s للمزاد العلني في نيو يورك في ١٦ نوفمبر ٢٠١٧ بمبلغ ٤٥٠ مليون دولار. وهذه الظاهرة التي اجتاحت سوق المنتجات الفنية، أصبحت تؤثر بطبيعة الحال على هذه المنتجات ذاتها وعلى الفنانين المنتجين الذين أصبحوا كما سبق القول رجال أعمال وأصحاب شركات للإنتاج الفني، مما يحتم إيجاد موضة وبضاعة جديدة لكل موسم لإرضاء ولتلبية رغبات الأثرياء الذين يريدون استثمار أموالهم. ولهذا دخلت الصورة الفوتوغرافية السوق الفني وأصبحت أسعارها ترتفع تدريجيا لتنافس أسعار اللوحات الزيتية الكلاسيكية وأصبحت تـاخذ مساحة تكبر تدريجيا في صالات العرض الكبرى وفي المعارض الفنية. ولا شك أن الذي ساهم في ذلك بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، هو حاجة سوق الفن إلى بضاعة جديدة، غير الرسم والنحت والتصوير التشكيلي الكلاسيكي منه والحديث، فظهر ما يسمى بالتصوير الفوتوغرافي الفني Fine-art photography. ورغم أن أسعار الصور الفوتوغرافية الفنية لم تصل بعد مستوى أسعار اللوحات التشكيلية، إلا أن الأسعار وصلت درجة خيالية وغير منطقية، وبالذات حين نعرف أن الصورة الفوتوغرافية ليست فريدة كلوحة مرسومة بالألوان الزيتية أو الأكريليك، فالصورة يمكن إعادة إنتاجها وطباعتها حتى آلاف المرات بطريقة مماثلة وبنفس الجودة، بالإضافة إلى الطباعة على الورق أقل صمودا أمام عوامل الزمن والضوء من الأعمال الزيتية. أغلى صورة في العالم حتى اليوم هي من عمل المصور Pater Lik، بعنوان الشبح Phantom، صورة بالأبيض والأسود، أخذت في الجنوب الغربي للولايات المتحدة في مكان يعتقد أنه ـ أخدود الظباء Antelope Canyon، لأن المصور رفض أن يدل على المكان الذي أخذ فيه هذه الصورة بالتحديد. وصل سعرهذه الصورة في ديسمبر ٢٠١٤ مبلغ ستة مليون دولار ونصف، تليها صورة بالألوان للمصور Andreas Gursky، تمثل نهر الراين « Rhein II » والتي وصل سعرها إلى أربعة مليون دولار ونصف.
وهذه الظاهرة تكذب بطريقة ما نظرية والتر بنيامين، الذي أعتقد بتغير العمل الفني ذاته تغيرا نوعيا وجوهريا بواسطة الإمكانيات التقنية الجديدة التي تسمح باستنساخه وإعادة إنتاجه إلى مالانهاية له. وللموضوع يقية







اخر الافلام

.. المحققون الأتراك يبدؤون تحرياتهم في القنصلية السعودية بإسطنب


.. تعرف على أبرز محطات قضية اختفاء خاشقجي


.. إعلان المهرة اليمنية محافظة منكوبة جراء العاصفة -لبان-




.. ترامب يوفد بومبيو إلى الرياض بشأن قضية خاشقجي


.. أدلة تدعم شبهة تعرض خاشقجي لجريمة قتل ???? ????