الحوار المتمدن - موبايل



خطر الدولة البوليسية اخطر من خطر الدولة الدكتاتورية ( 12 )

سعيد الوجاني

2018 / 9 / 12
مواضيع وابحاث سياسية



إذا كانت الدولة الدكتاتورية تتسم بسيطرة الجيش عليها ، فان الدولة البوليسية تتسم بسيطرة البوليس عليها كذلك . لكن الفرق ان الدولة الدكتاتورية غير مضمونة الاستمرارية ، لأنها دائما تكون مهددة بالانقلابات العسكرية ، او بالثورات الشعبية ، وهذا ما حصل في أمريكا اللاتينية ، وبالعالم العربي كالسودان التي تعرض لعدة انقلابات .
اما الدولة البوليسية المخفية ، فهي عادة ما توجه السير العادي للدولة البوليسية ، باستعمال الأدوات ( الديمقراطية ) ، كالبرلمان ، والجماعات المحلية ، وجمعيات المجتمع المدني ، كما تتحكم في الأحزاب والنقابات ، بما يُثمّن ويرسخ المناهج البوليسية ، المسيطرة ، والمتحكمة في المجتمع والدولة ، التي تكون قد سرقتها وبوْلستها ، بما يجعل المجتمع في خدمة البوليس ، وليس البوليس في خدمة المجتمع .
وكما ان الدول الدكتاتورية تسقط بالانقلابات العسكرية ، فان الدولة البوليسية تبقى عصية عن السقوط كدولة ، بالانتفاضات الشعبية ، كما حصل في مصر وتونس إبّان ( الربيع العربي ) . إن الذي ( سقط ) هو رئيس الدولة ، وبعض معاونيه ، وليس النظام الذي انتج الرئيس ، والبارع في إيجاد رئيس جديد يجسد استمرارية الرئيس المعزول .
وهنا يسألنا سر بقاء الدولة البوليسية المتحكمة في الوضع السياسي باوربة ، وعدم تعرضها للضغوطات الشعبية التي أطاحت في البلاد العربية ، برأس النظام ، دون النظام الذي انتج الرئيس .
ان سر استمرار الدولة البوليسية الاوربية ، انها تخضع للطبقة البرجوازية الفارضة لدكتاتوريتها ، مع الحرص على استعمالها لشعارات البرجوازية المتوسطة ، وما فوق المتوسطة ، إضافة الى ترويجها حتى لشعارات العمال والفلاحين ، وهي الشعارات التي تختفي ، بمجرد الإعلان عن نتائج الانتخابات ، حيث يصبح اول ضحية لممارسات دكتاتورية البرجوازية الاوربية ، هي الطبقات التي شاركت في العمليات الانتخابية ، الهادفة للحفاظ على بقاء واستمرار الوضع البوليسي للدولة البوليسية الاوربية . وهذا هو سر الاختلاف ، بين الدولة البوليسية الاوربية التي تعتمد الآليات الديمقراطية باسم الديمقراطية التي هي ديمقراطية الطبقة البرجوازية ، والدولة البوليسية العربية الخاضعة لدكتاتورية الحزب الوحيد حيث تطغى شخصية الرئيس كفرد ، على حساب باقي الطبقات التي تندمج في نظام بوليسي قهرا .
من خلال هذه المقدمة ، فان ما يوجد بالمغرب اليوم ، هو الدولة البوليسية ، بعدما كان الجيش والدرك ، هما من يتحكم في تحديد طبيعة ووظيفة الدولة ، أيام الجنرال محمد افقير ، الجنرال المدبوح ، الجنرال احمد الدليمي ...لخ
إذن السؤال الذي سنطرح لتوضيح نوع النظام السياسي السائد اليوم بالمغرب ، هو ، ما هو التكتيك السياسي الذي مارسه النظام تحت تغطية ما يسمى ب ( مسلسل التحرير والديمقراطية ) ، و ( العهد الجديد ) و ( المفهوم الجديد للسلطة ) ، ليصل الى بسط اليد على كل الدولة ، وليس فقط على النظام ؟
للإجابة عن هذا السؤال التساؤل ، يستلزم منا بالضرورة ، استحضار الاستراتيجية الدائمة ، المطابقة لطبيعة النظام كنظام مطلق عصي عن الإصلاح ، بل هو ضده ، ويجسد استمرار النظام كنظام بتريمونيالي ، اوليغارشي ، وكمبرادوري ، وبتريركي ، ساد في المغرب طوال قرون عدة ، ويمثل مصالح الطبقة الاقطاعية – الرأسمالية ، التي نمت وترعرعت في ظل التبعية والعمالة للإمبريالية .
فمنذ ان تمكنت هذه الطبقة من التحكم المطلق في مقاليد الحكم ، في السنوات الأولى من استقلال ( ايكس ليبان ) ، وضعت لنفسها استراتيجية دائمة ، يشكل عمودها الفقري : الاستغلال الفاحش للجماهير الشعبية ، مقابل اغتناءها ، هي ، المتزايد من خلال خدمة المصالح الأجنبية . ولقد ارتكزت هذه الاستراتيجية على محاور مستمدة من الأيديولوجية الاقطاعية ، والتي يمكن تلخيصها كالتالي :
1 ) الاستيلاء الكامل على السلط المكونة للحكم ، من تشريعية ، وتنفيذية ، وقضائية من طرف الملكية ، المعبر السياسي عن مصالح الطبقة السائدة ، وعدم السماح باي تنازل في هذا المجال .
2 ) اعتبار الملك الممثل الاسمى ( للامة ) ورمزها ، عوض الشعب ، لأن الهدف من الإيحاء باستعمال مصطلح ( الامة ) ، هو الانتماء الديني الذي يعكسه الدستور غير المكتوب ، بتمكين رئيس الدولة ليس كملك ، بل كأمير ، وإمام ، بسلطات استثنائية ، تطفو على السلطات والاختصاصات المنصوص عليها في الدستور الممنوح .
3 ) وكتحصيل حاصل للفقرتين الاولى والثانية أعلاه ، تسود النظرة التحقيرية ، والاحتقارية للشعب ، واعتبار جماهيره مجرد رعايا ، لا رأي لهم ، ولا دور في تسيير امورهم ، بل هم مجرد مادة للاستغلال ، وجب تنويمها ، وتخديرها ، وقمعها بشكل عنيف ، كلما عبرت عن سخطها ، او حاولت المعارضة الحقيقية ، الوقوف امام الطغيان والاستبداد .
4 ) عدم الاعتراف بالتنظيمات ، والأحزاب السياسية والاجتماعية ، كمؤسسات ذات تمثيلية ، بل واعتبار العلاقة مباشرة مع الشعب على حد تعبير النظام . أي دون المرور عن طريق الأحزاب .
5 ) ان هذه الاختيارات على الصعيد الداخلي ، تندرج في اطار الخدمة اللاّمشروطة لمصالح الامبريالية ، الحليف المصيري ، الذي دأب النظام على تنفيد كل رغباته ، سواء بالنسبة لاستنزاف خيرات البلاد وطاقاتها الاقتصادية والبشرية ، او على مستوى استعمال الموقع الاستراتيجي الهام ، الذي يتمتع به المغرب ، لتنفيذ المخططات السياسية والعسكرية للإمبريالية في المنطقتين العربية والافريقية ( الزايير ، اليمن ) .
وفي سياق توضيح معالم هذه الاستراتيجية العامة ، وجب التأكيد هنا على الطبيعة اللاّوطنية الدائمة للنظام ، فهو ، باعتباره ممثلا للطبقة الاقطاعية التي سادت خلال قرون عديدة ، ثم الطبقة الاقطاعية الرأسمالية في ( العهد الجديد ) ، فانه لم يستطيع حكم المغرب ، وبخاصة في مراحل ضعفه واندحاره ، في عهد الدولة العلوية على وجه التحديد ، لم يستطيع ذلك الاّ بالتحالفات مع الأجنبي ( فرنسا بالتحديد ) والخضوع له ، كما شهدنا من خلال التدخل الأجنبي في ظواهره التجارية والاقتصادية أولا ، ثم في شكله الاستعماري من خلال معاهدة الخيانة ( الحماية ) التي وقعت الملكية على عقدها ، لمواجهة ثورات القبائل البربرية بالأطلس المتوسط ، وبالريف ، وبجبالة في المناطق الثورية التي سموها بمناطق ( السّيبة ) ، أي المناطق الخارجة عن حكم النظام .
ومن اجل خدمة استراتيجيته العامة ، فليس للنظام من وسيلة ، والحالة هذه ، سوى العنف ، والقمع الهمجي الذي رفعه الى مستوى فلسفة في الحكم ، كما هو مشاهد اليوم ، حيث تأن السجون بزفرات الشباب القابع في زنازين النظام .
وإذا ما راجعنا سجل النظام منذ مجيء محمد السادس ، وليس فقط في عهد الحسن الثاني ، سنجده مليئا بأبشع صور القمع والإرهاب ، بدءاً بالمحاكمات الصورية ، بالملفات المطبوخة التي كنت انا ضحيتها ، وكان ضحيتها المناضلون التقدميون ، والديمقراطيون ، وطلاب المنظمة الطلابية الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ، إضافة الى مناضلي لقمة العيش والعيش الكريم . ففي حكم الحسن الثاني ، رغم ان القمع كان عاما ، الاّ انه لم يشهد سحل الناس ، ولا جلوسهم على القنينات والقارورات ، ولا سجن الاحداث بدعوى التظاهر ، وصولا الى أساليب الاختطاف ، والتصفية الجسدية ( مول الكرسي ... شهداء الحسيمة الذين تم احراقهم بوكالة بنكية ... الشارف ... هشام المنظري ... مول الصباط .... لخ ) مرورا بأساليب التعذيب والاكراه ، التي يمكن للنظام البوليسي ان يتباهى بها ، بانه ضمن الأنظمة الأكثر حذاقة في هذا الميدان .
وان نحن اردنا القيام بمقارنة بسيطة بين عهدين : عهد محمد السادس ، وعهد الحسن الثاني في مجال حقوق الانسان ، فإن عدد المسجونين في عهد محمد السادس ، اكثر بكثير عن عدد المعتقلين في عهد الحسن الثاني ، نظرا لاختلاف المدة الزمنية لحكم كل واحد منهما . لقد حكم الحسن الثاني سبعة وثلاثين سنة ، في حين لم يتعدى حكم محمد السادس العشرين سنة .
ومن البديهي ان يكون نظام له هذه الصفات ، وتلك الطبيعة ، محكوم عليه بالعزلة الدولية ، كما هي مشاهدة اليوم ، خاصة في ملف الصحراء ، وحراك الريف ( هولندة ) ، والتناقض التناحري مع الشعب .
ووعيا من النظام بهذه العزلة المترتبة عن طبيعته واستراتيجيته ( اوربة باستثناء فرنسا ، واشنطن ، روسيا ، السعودية ....لخ ) ، وبأن القمع والعنف ، وإن كانا يسمحان له بالبقاء ، فإنهما ينميّان أيضا تلك العزلة ، الداخلية والخارجية ، ويدفعان بها نحو الاستفحال والتعمق ، فأنه ينهج باستمرار ، ومنذ استقلال ( ايكس ليبان ) ، تكتيكا سياسيا متكررا ، واصبح مفضوحا ، سماه ويسميه ب ( الانفتاح ) ، يلجأ اليه ظرفيا كلما خنقته العزلة في الداخل ، او هددته في الخارج .
بهذا التكتيك المفضوح والكاذب ، يستهدف النظام من جهة ، طمأنة الدوائر الأجنبية التي تخشى على مصالحها ( فرنسا ) ، في ظل عدم استقرار الأوضاع ، وتنامي المد الشعبي بالشكل الذي يهدد تواجدها ، ويستجيب من جهة ثانية ، للتطورات الحاصلة في قاعدة النظام الاجتماعية ، والتي تطرح معادلة بين الأصول الاقطاعية العتيقة ، والتطلع للعصرنة والليبرالية ، ومن خلال ذلك ، اخضاع البرجوازية الوطنية وتحييدها من الصراع ، وكذلك سجن البرجوازية الصغيرة ، او على الأقل الفئة العليا منها ، في دور لا يمس بجوهر الهياكل الاقطاعية القائمة ، بل يسعى فقط الى ترميمها ، واصلاحها ، ومعارضتها معارضة بنّاءة ( الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة ) .
هذا هو التكتيك الذي مارسه النظام ، وكرره من خلال الانتخابات التي جرت منذ 1999 ، وبمناسبة هبّة حركة 20 فبراير التي افرغوها من المضمون ، وهي نفس اللعبة سادت بعد انقلاب القصر في سنة 2003 ، واستفراده اليوم بكل الحكم .
فكلما خنقته الازمة الموضوعية ، لجأ النظام الى محاولة التنفيس عن الوضع السياسي المتأزم ، من خلال اجراء انتخابات صورية ، او محاورة الأحزاب الملكية ، بحثا عن تسكين الصراع الاجتماعي / الطبقي ، الذي ينخر المجتمع من قدميه الى رأسه ، وضمان السلم الاجتماعي على حد تعبيره . وغالبا ما يكون انفتاحه هذا ، موازيا ، ومتزامنا مع قمع همجي ، يسلطه على الفئات والمناضلين الأكثر تجدرا وصلابة .
كما انه ، أي ما يسمى ب ( الانفتاح ) ، يتسم بالظرفية وقصر النفس ، إذ يعود النظام ، بعد فترة وجيزة يكون قد رتب فيها أوضاعه ، وربح شيئا من الوقت ، الى طبيعته الحقيقية العدوانية ، البسيكوباطية ، والسوسيو – باتيكية ، ليضرب كل توجه ديمقراطي ، من شأنه ان يمس بحكمه المطلق ، او يحقق مكتسبات إيجابية لصالح الجماهير .
هكذا وفي غياب الدستور الديمقراطي النابع من الشعب ، فان النظام لا يتردد في تنظيم انتخابات صورية ، لتشكيل برلمان هو برلمانه ، وحكومة هي حكومته ، وهذا ليس له من تفسير ، غير ان النظام لا يرغب ، ولا يرى مصلحة في الديمقراطية الحقيقية ، بل اكثر من ذلك ، إنه عاجز بنيويا ، وبحكم طبيعته ، على تحقيق الديمقراطية والليبرالية المزعومة .
وإذا كان هناك من يراهن على ان النظام البتريركي ، البتريمونيالي ، الكمبرادوري ، والالوليغارشي ، سيتطور من ذات نفسه ، نحو أوضاع تشابه الملكيات الاوربية ، فان ذلك يبقى من باب الوهم الصرف ، ذلك ان الديمقراطية البرجوازية لم تتحقق تاريخيا ، الاّ بعد تنازل الملكية عن الجزء الأساسي من سلطتها ، لصالح المؤسسات البرجوازية ، واقتصارها على دور رمزي في النظام . بل ان هذا التنازل نفسه ، لم يتم طواعية ، بل جاء نتيجة نضالات بطولية ضاربة ، وتضحيات جسام ، قدمتها الجماهير الشعبية ، من اجل هزم الاقطاع والاستبداد .
فإذا كان النظام ، لا يقبل بالملكية البرلمانية على الطريقة المغربية ، التي يدعو اليها كل من الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة ، فكيف سيقبل بالملكية البرلمانية على الطريقة الاوربية ؟ شيء لا يصدق ، ولا يتصوره الاّ مغفل ، او فاقد للتمييز .
ان النظام السياسي الحاكم اليوم في المغرب ، لا ، ولن يقبل اي تنازل عن ادنى جزء من السلطة الفعلية . فنظرته للمؤسسات المنتخبة ، وفية كل الوفاء لأيديولوجيته الاقطاعية . ان النواب بالنسبة اليه ، مجرد خدام ، والمؤسسات لا يجب ان يتعدى دورها تطبيق سياسته ، والاجتهاد في تحسينها وخدمتها ، وهي في نفس الوقت ، أجهزة لدعم مشروعيته وتكريس ( البيعة ) له بالمفهوم العتيق للكلمة .
هنا يكمن التفسير الحقيقي للحلقة المفرغة ، من جميع التجارب الانتخابية الصورية ، التي لا يحق بنا ان نتناولها من زاوية التجارب الديمقراطية ، بما تحمله هذه الكلمة من دلالة ، بل من زاوية التكتيك السياسي ، المسمى ب ( الانفتاح ) ، والذي تفرضه على النظام ، نتائج سياسته اللاّشعبية من جهة ، وكفاحات الجماهير الشعبية من جهة ثانية .
( يتبع ) .







اخر الافلام

.. -ما لا تعرفه عن زياد الرحباني؟--| الجزء الأول


.. إيران تعزز حضورها غرب نهر الفرات بسوريا


.. إجلاء الآلاف من سواحل المكسيك تأهبا للإعصار ويلا




.. الفقر يستفحل في اليمن والموظف يفقد اغلب راتبه


.. انطلاق أعمال مؤتمر الإستثمار السعودي