الحوار المتمدن - موبايل



بلزاك..(سكرتير) التاريخ! والكوميديا (البرجوازية) بين الادب والسياسة (4)

ماجد الشمري

2018 / 9 / 13
الادب والفن


هكذا كان بلزاك..فموقفه وفلسفته هي بالضبط موقف وفلسفة برجوازي صغير نموذجي.وينتمي فكريا لثقافة وقيم تلك الحقبة الزمنية للقرن التاسع عشر،وبداية الصعود الظافر لمثله الاعلى الاقتصادي:البرجوازية الفرنسية.ان الايمان الديني الذي كان يمضي نحو التلاشي،ليحل بدله الدين البرغماتي النافع،منح السماء آلهة ارضية جديدة.وكما قدم العلم الذهب،فالبرجوازي هو وريث الموسوعيين الوحيد،بأعلانه العقل ربه الجديد المسيطر على كل شيء في هذا العالم.لان العلم وتراكم المعرفة هو المحفز الرئيسي ومهماز التقدم العلمي-الصناعي-التكنيكي،وهو الذي يزيد من تنمية وتثمير ثروة البرجوازي وتراكمها مع الربح عبر دورة الانتاج والتجارة وتوسيع الاسواق.لذا نجد ان "الكوميديا الانسانية"لم تكن مجرد عمل روائي محض وعابر لكاتب فقط،بل كانت اكبر من ذلك بكثير.فهي ترجمة حرفية لسيرورة طبقات اجتماعية داخل المجتمع الفرنسي.فبلزاك وعمله السردي الطويل-وكما وعى ذلك جيدا-هو عمل هائل لعالم اجتماع مادي ،ومحلل سايكولوجي فهم النوازع النفسية التي تحرك الافراد.فنبذ كل المفاهيم والقيم التقليدية،وآلهة الزيف العقيمة،وكل ترهات الاوهام واللامعقولات،ليتصدى للمادي الملموس الذي يراه محركا لكل الفعاليات داخل المجتمع.فقد عرض الواقع الاجتماعي بكل وضوح وجلاه من اي تزويق مثالي او رتوش تضبب ملامحه،لتضلل القاريء باوهام وخيالات.فلا الحب ولا الايمان الديني ولا الاخلاق ،ولاكل علاقات البشر الانسانية كما يجري تصويرها او تصورها،وهي خلاف ماهيتها في حقيقتها في مصهر الواقع العياني واتونه الملتهب بالصراع والتنافس..عرض بلزاك حقيقة التناقضات الطبقية،ومصائر الافراد والشرائح الاجتماعية بشكل مباشر وامين،سواء في المدينة او الريف-كما في رواية الفلاحون.م.ا-.لم يكن بلزاك مخترعا او متخيلا لشخصيات رواياته،ليس من رأسه،بل كان يغرف شخوصه من بيئته وزمنه وناسه ماشاء من ذوات يجعلها حية تدب في تاريخه الروائي.وكان فعلا كما قال عن نفسه:سكرتيرا للتاريخ!.فهو يستحق بجدارة ان يطلق عليه:مؤرخ المجتمع الفرنسي،او كاتب التاريخ الاجتماعي،وجراح الواقع!.ففي كل ماكتبه حاول اثبات صفاته تلك،والظهور او الاطلاع بهذا الدور،بتأكيد هدفه المعلن من الكتابة،بنقل وعكس الواقع الصادق الحي في مدونته الموسوعية الميتة بين دفات الكتب!.وفعلا وبكل امانة مرآوية وموضوعية فعل ذلك.ففي قصة"موريست فينو"والتي كتبها بأسلوب المؤرخ الموضوعي،والمخلص لواقعيته الاجتماعية،كتب قائلا:"ان على كاتب الرواية ان يستخدم الوسائل الفنية،وهذا حق طبيعي مسموح به،فالطبيعة اباحت لنفسها دائما وابدا ان تكون اكثر ابداعا منه،فكما ترى،الطبيعة سمحت لنفسها هنا ان تعرض القصة بصورة تبدو اكثر تشويقا من الرواية".لم يكتب بلزاك الا عن اشياء وموضوعات واشخاص رأهم وعرفهم وعايشهم،استلها من الواقع العياني لحقائق ومجريات وقضايا تاريخية حدثت دون شك.فهو لم يتصدى او يتناول في كل اعماله الادبية:الموضوعات الغيبية،او الماورائيات وشؤون الالهة والروحانيات،بل رصد وراقب وسجل الاحداث والشخصيات والتفاصيل اليومية الملموسة كبيرها وصغيرها،فهو كان مطلعا وعارفا بكل شيء اجتماعي في كل ماكتبه،بسرده اللاقط لحيثيات ودقائق الواقع باطنها وظاهرها.حتى انه ولدقته التسجيلية الحرفية كان يستند على التوثيق التاريخي لمجريات ماكان يرويه،وعندما تعوزه الوثائق وتكون ناقصة،يلجأ للاحتمالات،ويعتمد على خبرته وصدق حدسه لما يقارب الحقيقة.وهنا نجد لدى (كاتب التاريخ)-بلزاك-استخدامه الواسع لكلمات عدم اليقين والشك مثل:"ربما"و"من المحتمل"و"اظن"و"اعتقد"!.ومن تلك المستندات التي كان بلزاك يعتمد عليها ويستخدمها في توثيقه:سندات الملكية،وحسابات الانفاق المنزلي،ونصوص الوصايا والارث،الخ.فقد كان يضع حزمة براهينه على واقعيته امامنا كمسجل عقود او كاتب محكمة،كرسالة بلونده في بداية رواية"الفلاحون" والتي عثر عليها بالصدفة!.ووثيقة الاتهام التي تكشف سر مدام دي لاشانتري،ورسالة الرجاء للمركيز ديسبار في رواية"الحرام"وكالتزام صارم بالصدق الواقعي،كان بلزاك ينقل بصورة حرفية حتى الصيغ القانونية الجافة والمملة،وكليشهات الجمل المكررة من كثرة استخدامها،بل واكثر من ذلك،ففي رسالة ناتالي دي ماندفيل الى زوجها التعيس في رواية"عقد زواج"والتي تنتهي بهذه الكلمات:"خذ ثانية القبل التي اضعها لك في المربع الفارغ في الاسفل...ناتالي".-يوصي بلزاك بطبع مربع صغير تحت توقيع ناتالي عند نشرها!.وفي رواية"اوهام ضائعة"يورد بلزاك حسابات مدونة كوثيقة،وهي وثيقة دقيقة مؤكدة وحرفية،فحتى مشتريات الدعاية لعطر الوجه وكريم السلطان للجمال حاضرة في تفاصيل الرواية!.فبلزاك كان يسجل الواقع بكل دقائقه وحتى غير المهم دون كلل او ملل.فهو وكما يقول:"يريد ان ينافس سجلات مكاتب الزواج"!.انها اكثر من منافسة بكثير،فهو يطمح لهتك كل الاسرار والخفايا والتفاهات واليوميات المضجرة والكئيبة،والتي نجدها عبر طيات اوراق موسوعته الروائية"الكوميديا الانسانية".فنحن نلتقي الشخوص الروائية كألاب جوريو،ولكن بأسمائهم الحقيقية مثل:نابليون،وتاليران،وفوشيه،ولويس الثامن عشر،وحتى خياط بلزاك الخاص-بويسو-كلهم اشباح واقعية تحوم في"الكوميديا الانسانية"وفيها ليس هناك من خيال،فقط الواقع الجاثم الصادم بواقعيته.وليس بأمكان بلزاك ،-عندما كان يحاول في بعض روايات"الكوميديا الانسانية"ان يغير او يبدل في بعض الشخصيات والاماكن بغرض تمويه اصل الشخصية-ان يظلل القاريء الحصيف ويخدعه،الاا ن القاريء المطلع وخصوصا الفرنسي الذي يعرف تاريخه جيدا ان يتعرف وبكل سهولة على تلك الشخصيات الحقيقية المموهة بأسماء اخرى في هذا السفر الادبي الكبير.....
............................................................................................................
يتبع.
وعلى الاخاء نلتقي...







اخر الافلام

.. عيد ميلاد سعيد فرنسا 24 باللغة الاسبانية!


.. جمهور الجونة يحتفي بفيلم «يوم الدين» بالتصفيق وقوفا


.. نجيب ساويرس لـصناع فيلم «يوم الدين»: «عملتوا إنجاز وفخور بيك




.. عمرو سلامة وصبا مبارك يخطفا الأنظار بصورة تذكارية.. ووزيرة ا


.. درة تواسي الطفل بطل فيلم يوم الدين بعد دخوله في نوبة بكاء عق