الحوار المتمدن - موبايل



التتار الجدد ينكلون بالأيزيديين

رائد محمد الحواري

2018 / 9 / 14
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


رائد محمد الحواري –فلسطين:
التتار الجدد في كتاب
"الناجيات بأجنحة مكسرة"
خالد تعلو القائدي
من حسنات الفيس بوك أنه يعرفا على اشخاص رائعين، وهؤلاء يقدمون لنا كتبا في غاية الأهمية، الصديق الاستاذ "جميل السلحوت" أرسل لي هذا الكاتب المهم، وحثني على قراءته والكتابة عنه، فهو صاحب الفضل في كتابة هذا المقال وهذا التقديم للكتاب.
عندما يتحدث أحد ما بضرورة بفصل الدين عن الدولة، يُتهم بأنه كافر وعميل للغرب المعادي، دون أن يعرف هذا الذي أطلق الحكم عليه شيئا عن مفهوم ومعنى فصل الدين عن الدولة، فالمجتمعات المدينة التي كانت سائدة في الهلال الخصيب والتي شكلت المجتمع المدني الهلالي بهذا التنوع والتعدد والانسجام قبل أن يصل الإسلام إليه، كانت تعيش في حالة من التعدد والتنوع دون أن يكون هناك تباين أو تمايز بين هذه الجماعة أو تلك، أو هذه المنطقة أو تلك.
وقد استمرت المجتمع الهلالي بالتواصل والتكامل والبناء الاجتماعي والعمراني والزراعي والاقتصادي دون أية معيقات، فالتعدد والتنوع هو حالة طبيعة في هذه المنطقة، من هنا نجد بيننا "الأشوريين، والكلدان، واليهود ـ قبل أن يهجروا بالقوة والإكراه إلى فلسطين ـ والدروز، والعلويين، والأيزيدين، المندائية، ولكاثوليك، والأرثوذكس، والموارنة، والانجيلين، واللوثريين، والصوفيين، بطرقهم المتعددة، والسنة والشيعة، هذا فضلا على أن المجتمع الهلالي لم يفرق في يوما من الأيام بين أبنائه على أساس جغرافي/وطني، فلم يكن هناك فرق بين الشام وشرق الأردن، أو بين فلسطين ولبنان، أو بين سكان بغداد أو كردستان.
وكلنا يعلم أن بلادنا استقبلت في بداية القرن العشرين هجرات من غرب أسيا مثل الشيشان والشركس والأرمن، وهم يعيشون كمواطنين هلاليين تماما، لا نفرق بين أحد منهم.
وعندما تأسست الأحزاب القومية والوطنية في الهلال الخصيب، ركزت على مسألة وحدة المجتمع الهلالي في برنامجها، حتى أننا نجد قادة ومؤسسي تلك الاحزاب كانوا من غير السنة، كما هو الحال في حزب البعث العربي الاشتراكي "مشيل عفلق"، والحزب السوري القومي الاجتماعي "أنطون سعادة"، وحركة القومين العرب "جورج حبش"، والحزب التقدمي الاشتراكي "كمال جنبلاط" وغيرهم الكثير، ولا ننسى أن لأهلنا من الطوائف غير السنة أهم دور في طرد الاحتلال الفرنسي من بلادنا، ف"سلطان باشا الأطرش" أهم علم من أعلام الثورة السورية.
إذن كان هناك نسيج جامع وشامل للمجتمع الهلالي بكافة أطيافه، وهو سمة قوة ونجاح هذا المجتمع وتألقه في التعامل المدني والاجتماعي، فكان لا بد من إحداث خلل يقضي على هذا الانسجام، ويلغي التعدد والتنوع فيه، فشكلوا وأسسوا وأخرجوا لنا تيارات دينية سياسية ابتدأت بفكر "محمد عبد الوهاب" في الجزيرة العربية، ثم فكر "حسن البنا" في مصر، والذي شكل أخطر جماعية منظمة سياسية "الاخوان المسلمين" الذين بدأوا دعوتهم بسلاسة وبمقولة "الوسطية" والتي سرعان ما تحولت إلى تكفير وتخوين كل من لم ينتمِ للجماعة.
فكانت بداية الخروج العلني والواضح عن (الوسطية) محاولة اغتيال الرئيس "جمال عبد الناصر"، ثم رسال (المجاهدين إلى افغانستان) الذي تحولوا إلى تنظيم القاعدة، ثم إلى داعش، وبعدها إلى النصرة وأخواتها، والتي "لا تبقي ولا تذر، لواحة للبشر" فحصدت كل الانجاز المدني والاجتماعي في المجتمع الهلالي، فتم تهجير وقتل وسلب كل من هو غير سني، و"نفخ في الصور، "وأخرجت الأرض أثقالها، وقال الإنسان ـ غير السني ـ ما لها" وكان ما كان.
إذن عملية أحداث خلل في بنية المجتمع الهلالي كانت مقصودة ومخطط لها، ولولا تلك الخطة والمنهجية المعادية للمجتمع الهلالي ما حدثت كل تلك الأعمال من قتل وتهجير وتشريد، لتخلق واقعا ديمغرافيا جديدا خاليا من التعدد والتنوع.
من هنا علينا أن نفهم ما حدث في سوريا والعراق وقبلها في لبنان، ولا ننسى أن المخطط الصهيوني في فلسطين هو رأس الحربة لهذه الأفكار والجماعات، وقد شاهدنا التواصل والتكامل والتعاون بين دولة الاحتلال وتلك الجماعات.
لهذا نقول أن المجتمع الهلالي يتميز عن بقية المجتمعات الأخرى بتعدده وتنوعيه، ولا يمكن أن نسقط عليه حالة المجتمع العربي في الجزيرة العربية، فهناك بيئة صحراوية فقيرة تجعل غالبية السكان متماثلين في الأدوار الوظيفية "الرعي والتنقل والترحال" منسجمين فيما بينهم، متماثلين بالسلوك والأفكار، بينما المجتمع المدني المتعدد والمتنوع، يتباين في المهن والحرف والعمل والتفكير، فلا يمكن أن نسقط أفكارا تصلح لمجتمع صحراوي على مجتمع متنوع جغرافيا ومتعدد في الأفكار والاتجاهات.
تقول "عائشة عودة" في روايتها "أحلام بالحرية": "أن الحديث عن الألم والتعذيب وهو ألم وتعذيب ضافي"، من هنا نقول: أن تناول هذه الشهادات للنسوة الأيزيديات اللواتي تعرضن لأقذر عملية تنكيل في التاريخ المعاصر تعتبر عملية تعذيب اضافي لهن، ورغم هذه المعاناة الإضافية إلا أنهن أصررن على الحديث بتفاصيل دقيقة عما فعل بهن دواعش/الإسلام السياسي.
من هنا سنجد أنفسنا نتألم كما تألمن، فهن أردن أن يظهرن الحقيقة البشعة للإسلام السياسي ودوره التخريبي والتدميري للمجتمعات المدنية، سنأخذ شهادة الأيزيدية الكردية العراقية "عمشي" امرأة في الخمسين من عمرها والكيفية التي عُوملت به من الدواعش، فهي "أم لأربعة أبناء وست بنات وخمسة أحفاد" ص 22، تقول: "...بأعجوبة وصلنا إلى جبل شنكال، ولكن السيارة تعطلت، ولم نستطع الصعود إلى الجبل، مكثنا قرابة ساعتين هناك، وبينما نحن في غفلة من أمرنا، وصل جند الخلافة الإسلامية إلى الجبل، هتافات وتكبير هز الجبل، قبضوا علينا وعلى العديد من العوائل الأيزيدية، كنت أسمع صوت اطلاق النار، والهلع أصاب الجميع ودب الذعر بينهم، والعديد منهم تركوا سيارتهم وهربوا إلى الوديان واختبأوا خلف الأحجار والأشجار، لكننا لم نستطع الهرب حيث طوقنا الدواعش من كل الجهات، إلا أن أحد أبنائي استطاع الهرب.
لم أكن أعلم شيئا عن ساهر، ان والده يقول: هل قتلوا ساهرا، هل خطفوه، هل استطاع النجاة؟ كنت أبكي بشدة، تمنيت أن يكون معنا، إن أقدم الدواعش على قتلنا، سنموت معا،... قام الدواعش بسلب كل شيء منا، الحلي والهواتف النقالة، والمال الذي كان بحوزة شقيقة زوجي، والأرواق الثبوتيه جوازات السفر، حيث قاموا بتفتيشنا بشكل همجي واجرامي، لم نكن نستطيع الكلام أو حتى النظر في وجوههم،... كنا نشعر بالخوف، والجوع يكاد يقتلنا، كنا مئات العوائل الأيزيدية محتجزين في تلك البناية، كانوا يبحثون عن الفتيات الجميلات أولا، ...أسرع الدواعش بفصل النساء والأطفال عن الرجال، وأخذ العديد منهم إلى جهة مجهولة على شكل مجاميع، بينما بقيت مع ابنتي شيماء التي لم تكمل بعد الحادية عشرة من العمر، أما بقية أفراد عائلتي مع عائلة شقيقة زوجي، فقد قام الدواعش بعزلهم عنا ونقلهم إلى خارج شنكال، ... ذهبت لرؤية زوجي، وعندما رايته تألمت كثيرا وأنا أنظر إليه، ضعيف البنية، خائفا شاحب الوجه، والجوع والظمأ يكادان يقطعان أنفاسه، إنها لحظات صعبة أن تجدي زوجك غير قادر على الكلام ولا يقوى على الوقوف، ... غير أن زوجي لم يذق البسكويت، وأعطاه لابنته الصغيرة "شيماء" كنت اعتقد أننا سنبقى معا، ...كنت أتوجع في داخلي، قبل ساعات أخذوا أطفالي وزوجات أبنائي والآن سوف يأخذوننا أيضا، وابنتي شيماء لا تعرف شيئا عن كل ما يحصل سوى البكاء والخوف والجوع، وهي تسألني مرارا وتكرارا "ماما" إلى أين يأخذوننا؟ وهل سيأتي والدي معنا؟ وأين أشقائي وشقيقاتي؟" ص22 – 24، هذا ما حصل عندما تم اختطاف "عمشي" وأسرتها، لكن كيف عُوملت "عمشي" في الأسر؟ وما كان موقعها/مكانتها؟، تجيبنا عن هذه الأسئلة بقولها:
"أقدم الدواعش على عزل الفتيات الباكرات عن عوائلهن وأخذهن إلى مكان مجهول، باعتبارهن غنائم للدولة الإسلامية، ...والوجبات كانت أجبانا منتهية الصلاحية وفواكه متعفنة ومياها آسنة وملوثة وحارة، لم نكن قادرين على النوم بسبب العدد الهائل من المخطوفين في الزنزانات والردهات، حيث مرت أيام ولم يكن يتوفر الماء للاغتسال... أتذكر جيدا عندما سمعنا أصوات طائرات التحالف وهي تحوم في سماء سجن بادوش وكنا نتمنى أن يقوموا بقصفنا وإنهاء معاناتنا مع العذاب.
تلعفر
...قاموا بأخذ بناتي كل من "الماس وسهيلة" وهما يصرخان عاليا من الخوف والرعب، كنت أسمعهما تناديانني "ماما، ماما لا تسمحي لهم بأخذنا" ..أبلغونا الدواعش أنهم سيجمعون كل من تعلن إسلامها مع أفراد عائلتها من الرجال.
...إلى الموصل فسوريا
...قام أبو عمر الحلبي ... ورغم بلوغه السبعين إلا أنه اغتصبني عدة مرات وبكل وقاحة... بعد ذلك باعني إلى داعشي آخر يدعى أبو أسعد السوري، ...ثم باعني إلى المدعو أبو دعاء وكان أخطر الدواعش وأشدهم قسوة، وتعرضت إلى التعذيب الجسدي أثناء وجودي معه، ... بعدما أشبع شهوته الحيوانية من امرأة في الخمسين، قام ببيعي للداعشي أبو إسماعيل المصري، ....كانوا يجمعوننا في غرف خاصة كانت تسمى أسواق النخاسة للعبيد، ... وتم بيعي للداعشي أبو عبد الله الجزراوي،...لم تغلق أبوابها أسواق النخاسة والعبيد بعد، والبيع والشراء أصبحا تجارة مربحة جدا، والدواعش القذرون يشبعون رغباتهم وشهوتهم الحيوانية من جهة، ويكسبون المال من جهة أخرى، .. نفس أساليب التعذيب النفسي والجسدي والاغتصاب اللاأخلاقي يتكرر في كل مرة مع من يفوز بالصفقة" ص 24 – 31،
من خلال هذه الشهادة يمكننا أخذ فكرة عما فعله الدواعش في أهلنا العراقيين، وبالتأكيد الشهادة تكفي لتوضيح صورة المعاناة، وهي تفوق بحجمها وطريقتها وأسلوبها ومدتها أي فكرة يمكن أن يتخيلها أي إنسان معاصر، لكن الكاتب لم يكتف بهذه الشهادات، بل يضع بين أيدنا خلاصة تجربته مع الدواعش وما فعلوه بأهلنا، وهنا نضع شيئا من هذه المقابلة أمام القارئ، ليكون أمام حقيقة كما رآها "خالد تعلو القائدي":
لقاء صحفي مع الكاتب والموثق "خالد تعلو القائدي" من كتب هذا الكاتب ووثقه بالصور والوثائق والشهادات.
ـ سمعنا قصصا عن تجارة داعش بالأيزيديات في الأسواق، فهل هذا صحيح؟
نعم، كان يتاجر بالأيزيديات بشكل علني ضمن أسواق النخاسة...بعد اجبراهن على ارتداء ملابس فاحشة وعمل مكياج خاص لهن، ... وكانت اسعارهن تختلف من امرأة إلى أخرى، فالفتاة البكر كانت تباع بسعر أعلى." ص196و197.
ـ ماذا يحدث في سجون داعش مع المختطفين؟
...يجري تعذيب المختطفين بكل الأساليب، وأكثر النساء كن موجودات في منازل الدواعش كسبايا، ... كان ارتداء النقاب الإسلامي الأسود فرضا عليهن، ... فقد عانت تلك النسوة إمّا من الاغتصاب الوحشي أو من التجارة بهن، أو معاملتهن كخادمات في البيوت، والأصعب من هذا كله انتزاع الدواعش لأطفالهن من بين أيديهن، أي أخذ أطفالهن الصغار، وارسالهم إلى معسكرات التدريب الخاصة بالأطفال." ص197و198.
ـ ما أهم الأسرار التي كشفتها شقيقتك لك عن داعش وذكرتها في الكتاب؟
بالنسبة لي، إن أهم شيء هو أنهم متطرفون، يحملون أفكارا إرهابية، لا يتبعون أي شعائر أو دين، وهم مدربون بشكل جيد/ ولهم أجسام ضخمة، ينتمون إلى دول عديدة، بينهم إناث لهن خبرات قتالية عالية، يملكون معلومات كثيرة عن جميع المجتمعات، لديهم تقنيات متطورة جدا، ومع ذلك، لا يمكننا أن نعتبرهم من جنس البشر، وهم يتعاطون المخدرات، وغيرها من الممنوعات، ولهم مهارات عالية في اختراق المواقع الإلكترونية، وتجنيد المقاتلين عبر شبكات التواصل الاجتماعي، واختراق الأجهزة الأمنية للدول، إذ يستطيعون الانتقال من دولة إلى أخرى بكل سهولة" ص 198، وهذا ما يجعلنا نقول أنهم دخلاء على المجتمع الهلالي، وإلا كيف يحصلون على المعلومات والسلاح؟، وكيف جاءوا وهم يتقنون القتال؟، وكيف يمتلكون تلك القدرات والمعرفة في استخدام وسائل الاتصال الحديثة؟ ومن أين حصلوا عليها؟، وكيف يتنقلون بهذه السهولة؟.
المؤلف لا يريدنا أن نثار عاطفيا مع تلك الحالات الإنسانية، بل يريدنا أن نصل إلى أن المجتمع العراقي مجتمع متعدد ومتنوع منذ أن وجد العراق، يقدم لنا احصائية علمية عن عدد الأيزيديين قبل قيام القيامة الداعشة وما بعد القيامة، وحجم الخلل في بنية المجتمع العراقي:
احصائيات المديرية العامة للشؤون الأيزيدية في وزارة أوقاف حكومة إقليم كردستان، كنتائج لجرائم بشعة اقترفها ارهابيو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بحق الأيزيديين، منذ 2014 -8 – 3.
ـ عدد الأيزيدين في العراق نحو 550,000 نسمة.
ـ عدد النازحين من جراء غزوة داعش نحو 360,000نازح.
ـ عدد الشهداء في الأيام الأولى من الغزوة 1293 شهيدا.
ـ عدد الايتام الذين أفرزتهم الغزوة كما يلي:
ـ الأيتام من الأب 1753.
ـ الايتام من الأم 407.
الأيتام من الوالدين 359.
ـ الأطفال الذين لا يزال والداهم بيد داعش 220.
المجموع الكلي للايام 2745.
ـ عدد المقابر الجماعية المكتشفة في شنكال حتى الآن 68 مقبرة جماعية.
ـ عدد المزارات والمراقد الدينية المفجرة من قبل داعش 68 مزارا.
ـ عدد الذين هجروا إلى خارج البلد يقدر بنحو (100,00.
ـ هدد المختطفون 6417 منهم:
الإناث: 3548
الذكور 2569. ص210
إذن يتأكد لنا أن هناك مخططا لتحويل منطقة الهلال الخصيب منطقة ذات تجاه واحد فقط، كما هو الحال في الجزيرة العربية، حتى يتم افقادها أهم عنصر قوة فيها، عنصر التنوع والتعدد.
وفي نهاية الكتاب يقدم لنا "خالد تعلو القائدي" صور فتوغرافية للنساء والأسر الإيزيدية التي قدمت شهادتها في هذا الكتاب، مما يجعله كتاب موثق يعتمد على الحقائق بالشواهد وبراهين.
الكتاب من منشورات مركز دراسات رووداو، أربيل، كردستان، العراق، الطبعة الأولى 2018.







اخر الافلام

.. هكذا تبدو الرقة بعد عام تحريرها من تنظيم -الدولة الإسلامية-


.. -آخر المسيحيين- : ماض أليم ومستقبل مجهول


.. لقاء سامح عسكر مع برنامج إسلام حر




.. مرايا | القلب لأقباط مصر


.. هذا مصير كل من تحالف مع الإخوان في تونس