الحوار المتمدن - موبايل



نيتشة الفنان والفيلسوف

سعود سالم

2018 / 9 / 16
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


نيتشة الفنان والفيلسوف
هناك عشرات الأسباب لإنتقاد نيتشة وعدم الإتفاق مع شطحاته الفلسفية والشعرية أو شطحاتة القريبة من الصوفية، ولكن الشيء الوحيد الذي لا نستطيع أن نتهمه به هو عدم الإيمان بما يقوله. نيتشة مفكر صادق فيما يدعيه، فهو لم يكن يوما يبحث عن الشهرة أو المجد أو المال، همه الوحيد أفكاره وكتبه وهواجسه الأخلاقية، والبحث العبثي للخروج من المأزق والكمين الذي سقط فيه الإنسان. ولذلك فإنه يأخذ الأمور من زاوية أخرى، فيما يتعلق بقضية "المحاكاة - La mimèsis" متحملا مسؤوليته كشاعر، ويوافق إفلاطون في رؤيته المناوئة للفن والفنانين ومقولته بخصوص كذب الشعراء. يقول في هكذا تحدث زرادشت "ولكن إذا قال الانسان بكل جدية ان الشعراء يكذبون، فإنه يقول حقا، لأننا نحن الشعراء نكذب كثيرا، ولابد لنا من الكذب، ما دام ما نجده من العلم قليل"، ثم يواصل في نفس القصيدة قائلا: "لقد اتعبني الشعراء، الأقدمون منهم والمجددون، فما هم في نظري إلا رغوة لا صريح تحتها، بل هم انهار جفت مياهها. إن افكارهم لم تنفد إلى الاغوار، وقد توقف شعورهم عند اول جرفها، وخير ما ترى في تأملاتهم، قليل من الشهوة، وقليل من الضجر، وليست بحورهم سوى مجالات تنزلق على تفاعيلها الأشباح". إن نيتشة قد عودنا على ان يقول شيئا، ثم نقيضه في اليوم التالي، وهي ميزة الفلاسفة الشعراء، أو الشعراء الفلاسفة. غير ان رأيه الذي يبدو في الظاهر لا يختلف عن رأي افلاطون، ولا عن الرأي الديني السائد عموما منذ القدم في العالم اليهودي والمسيحي ثم الاسلامي، في حقيقته لا يحكم على الفن بالإعدام أو الطرد من مغارة زاراتوسترا، ولكنه فقط يحكم على شعراء وفناني عصره الذين يشبههم بالأنهار الجافة. بالنسبة لنيتشه ، الإنسان هو المصدر الذي يتجذر فيه الكون، فالإنسان هو الذي يقوم بتشكيل الكون من خلال اللغة والفكر. ذلك أن الحياة في حد ذاتها وبمعزل عن حضور الإنسان لا معنى لها، الإنسان هو مصدر المعنى في الكون. ومن هنا ينبثق السؤال الذي أرق نيتشة طوال سنوات، ما هي الوسائل وماهي الطرق التي يمكن للإنسان أن يخلق بها هذا المعنى الغائب، وما هي السبل لإدخال العنصر الإنساني في الكون ليخرجه من دائرة العبثية واللامعنى، ليقود الحياة نحو النمو والتطور والكمال، أي جعل الحياة محتملة؟ وإجابة على هذه التساؤلات ظهر الفن كأحد الإحتمالات، وأصبح يلعب دورا أساسيا في فوضى نيتشة المنظمة. إنه بفضل الإبداع الفني، يمكن للإنسان أن يبرر وجوده، وإستمراره في ممارسة الحياة. ومن خلال الفن يمكن للإنسان أن يتجاوز ذاته، ويجد الطريق نحو الإنسان الأعلى أو ما يسميه بالـ"لسوبرمان". فالإنسان هو مصدر الجمال، ومن خلال الجمال، يصنع الإنسان صورته الإيجابية ويمتدح ويمجد نفسه ويستطيع أن يلعب مع الآلهة وينافسها. بالنسبة لنيتشه، القيم الوحيدة الحقيقية، هي القيم الجمالية، والحقيقة الجمالية الأولى هي أنه "لا شيء جميل، يوجد فقط الإنسان الذي يتمتع بالجمال، وفي نفس الوقت لا شيء قبيح إلا الإنسان الذي يتدهور- الإنسان الساقط. ووفقاً لنيتشه ، فإن الإبداع الفني يفترض مسبقاً حالة فسيولوجية خاصة. يستخدم نيتشه مصطلح "فسيولوجي" لأنه يرفض ثنائية الجسد والروح. بالنسبة له ، فإن الجسد أكثر روحانية من العقل نفسه. وبالتالي، فإن الحالة الفسيولوجية المؤدية إلى الجماليات هي نوبات النشوة والإفتتان القريبة من الهيجان والشهوانية المنبثقة عن الإثارة الجنسية. ويرى أن هذ النشوة تتحقق من خلال الرقص والموسيقى والمسرح. كل ما هو ضروري للإنتاج الفني، هو حالة تساهم في زيادة قوة الفنان وامتلائه، في هذه الحالة، كل شيء يراه الفنان يبدو مفرط القوة، بحيث تصبح هذه الأشياء التي تزاحمه في الكينونة هي مرآة تعكس قوته وسلطته - وبالتالي تعكس كماله، هذا التحول أو التعالي نحو الكمال هو الفن. وبالتالي، الفن ليس تقليدًا للطبيعة، ولكنه مكمل ميتافيزيقي يجعل من الممكن تعالي الطبيعة نفسها. فالفن هو النشاط الميتافيزيقي الأساسي للإنسان، وهو الشكل الأسمى للنشاط البشري، "إن العالم هو عمل فني يخلق نفسه". في كتاب أفول الأصنام Le Crépuscule des idoles، يقول نيتشه "عند الإنسان ، الفن يتمتع ويمرح كالكمال" فالفن هو السعادة العليا للوجود، والفن هو مصدر الفرح في العالم. ولا تتطلب فرحة نيتشة أي مبرر، فالمرح يبرر نفسه. ومن خلال هذا الفرح ، يتم تأكيد الحياة، وهكذا نصل إلى دور أساسي آخر للفن باعتباره المصدر الأسمى للفرح. فالفن يجعل الحياة محتملة، بالتأكيد ولكن الفن أيضا يجعل من الممكن تأكيد وزيادة تركيز رحيق الحياة. إن دور الفن هو تحفيز الحياة كتعبير عن إرادة القوة.







اخر الافلام

.. إيغوري لاجئ: نساؤنا يغتصبون في المعسكرات القسرية


.. الجبير: لن نسلم مواطنينا إلى تركيا


.. القمة الخليجية.. التصدي لعدائية إيران وخطر الإرهاب




.. السترات الصفراء.. خيارات باريس والكلفة الباهظة


.. اليمن.. حوار السلم وقناصة الميليشيات