الحوار المتمدن - موبايل



زين وآلان: الفصل الرابع 2

دلور ميقري

2018 / 9 / 19
الادب والفن


خبرُ شرائه سيارة، أشاع البهجة في نفوس أكثر الحاضرين، وعليه كان أن يسهمَ أيضاً في تنقية جو الصالة من آثار الجملة المريبة، التي أفلتها ببراءة وعفوية لسانُ الفتاة المريضة. على أنّ سحابةَ الحذر والريبة، كانت ما تنفكّ تحلّق فوق رأس والدتها؛ مثلما بدا من ردة فعلها إزاء اقتراح إيصالها وابنتها إلى منزلهما في سيارة " سيامند "، الجديدة. لقد تقدم باقتراحه على أثر سماعه الجملة تلك، المفصحة عن وجود صلة بين " خولة " وطليقة شقيقها. كان يرغب مجدداً سبرَ آثار هذه الأخيرة، مدفوعاً الآنَ بمشاعر متضاربة من التحدي والفضول والإثارة. إلا أنه لم يعد يراه تصرفاً لائقاً، الإلحاح في أمر اقتراحه.
وكان يتحرك مع الضيوف باتجاه مدخل الصالة، لما أطلقت " غزلان " عبارةً عابرة كما لو على سبيل التذكّر: " آخر مرة زرنا فيها أوريكا، متى كانت؟ "، توجهت بسؤالها لمدبّرة المكائد. ثم أجابت بنفسها وفي نبرة تأكيد: " قبل فترة طويلة، ولا شك. نعم، كانت قد رافقتنا سوسن خانم في سيارتها "
" وسنعوّضها بالسيارة الجديدة، ما لو فكّرنا بقضاء يوم الجمعة القادم في أوريكا! "، علّقت الأخرى وهيَ ترمق الشابَ متبسمة. واهتبل " سيامند " سانحة الحديث، ليتوجّه إلى ابنة أختها المريضة مداعباً بالقول: " وأعدكِ من جانبي بجولة في مزرعة صديقي، الجنرال في الأمن. وهناك، في وسع كلبتك الصغيرة اللعبَ أيضاً مع شبل النمر ". قال ذلك، رامقاً بدَوره أمَ الفتاة بنظرة تضمرُ شيئاً من الخبث. لاحقاً، علِمَ يقيناً بما أعتلجَ في صدرها من مشاعر مضطربة. ولكنه تكهّن الليلة بذلك، آنَ فتحَ بابَ السيارة الخلفيّ داعياً إياها وابنتها للركوب.
كانت السيارة تسير على الطريق إلى باب أغمات، بينما خطة صاحبها بدت له في الطريق الصحيح. تطلع " سيامند " إلى جهة السائق، ومن خِلَل النافذة هنالك إلى المنظر الجانبي لشارع البرنس، المتصل في نهايته مع ساحة جامع الفنا. زحام الخلق كان على أشده، وكذلك حركة العربات، مع ضوضاء من هنا وهناك. تحت مدخل قصر البديع، المشكّل قوساً حجرياً على شيء كبير من العلو، هبت فجأة رائحة بول تزكم الأنف، ما دفع " سيامند " لرفع بلور النافذة. لمحَ عند ذلك الفتاةَ المسكينة، الجالسة خلفه مباشرة، وكانت قد غفت على كتف والدتها. وعندئذ أيضاً، بدت أكثر شبهاً بطفلة من أيّ وقت مضى.

***
مع ذلك، شعرَ بأنه قلل من قيمة نفسه قدّام أفراد الأسرة المحسنة. كانوا قد أدركوا، ولا غرو، حقيقة ما فاهت به ابنة " خولة ". وفي التالي، خمّنوا ما يرمي إليه من وراء محاولة الانفراد بالأم من خلال توصيلها لبيتها. ولعل لسان حالهم آنذاك، كان يردد سراً هذه الجملة: " ماذا يبغي الشابُ الغريب من وراء حركته المكشوفة، طالما أنّ موضوع ابنة أخيه قد حُسم نهائياً وبرضاه طوعاً؟ ". كان يؤلمه أن يخطئ الآخرون في فهم طبيعة نفسه، وألا يدركون أنّ ما يحركها ليسَ مصلحة شخصية حَسْب. كان لموضوع الطفلة صلة، حقاً، بسعيه خلف " خولة ". ولكنها صلة من باب الرمز لا أكثر. لقد أخذته الشفقة على ابنة هذه الأخيرة، آنَ راقبها بانتباه عندما كانت تلعب وتتحدث مع " خَجي " وكما لو أنهما من نفس السنّ.
كان فعل الخير، من ناحية أخرى، يكاد يستولي على كيانه كبديلٍ للرغبة في الامتلاك، التي صارَ يراها أساس ما في العالم من شرور الفقر والحروب والنزاعات والكوارث البيئية. ألم تكن رغبة الامتلاك لديه، سبباً أيضاً لما حاقَ بأخويه الراحلين من بلايا، جرفتهما إلى المصير المعلوم؟ كان يحسّ، علاوة على ذلك، بمسئوليته غير المباشرة عما لحقَ من ظلمٍ بأخيه من أبيه، المودع في مستشفى الأمراض العقلية: صورة " زاهد " هذا، ربما كانت قد لاحت لذهنه وقتما راقبَ حركات ابنة " خولة "، المبتلية في مداركها العقلية جراء علّة الصرع وقسوة الاعتقال. بلى، وإنّ شعوره بالشفقة كان لا بد أن يشمل أمها، المنكوبة أيضاً بفقدانها أثر ابنها مذ تم توقيفه قبل نحو خمس سنوات بتهمة المشاركة في انتفاضة دجنبر.
جعل جسمه ينضح عرقاً مع مغادرته السيارة، المتمتعة على قِدَمها بمكيّف جديد. كان الزقاق الضيّق غارقاً في الظلام، ما أعطى مدخل منزل المرأة الملولة شكل الكهف. نزلت " خولة " بدَورها، محتضنة الابنة شبه الغافية وكانت هذه بالكاد تتمكن من السير على قدميها. ثم نظرت الأم إلى ساعة يدها، وكأنما في حركة اعتذار لعدم تمكنها من استقبال الشاب في هكذا وقت متأخر من الليل. ولكنها نبست بالقرب من أذنه، على أثر جهرها بشكره: " سأحضر إلى مكتبك في الغد القريب، ونتكلم عندئذٍ عما يهمّ كلينا من أمور! ".
في مناسبة أخرى، تطرقت " خدّوج " لما جرى على خلفية تلك الليلة. قالت بصراحتها المعهودة، الأقرب للاستهتار: " أنسَ أنها أختي، واسمع رأيي بها! إنها امرأة رهيبة، لا تتورع عن فعل أفظع مما يُمكن أن يتصوره عقلٌ شيطانيّ. هيَ من النوع الحاقد، الساعي للانتقام حتى لو تعلق الأمر بحادثة تافهة من زمن الطفولة. ولطالما قال عنها المرحوم أبي، أنها تربي ثعباناً داخل صدرها. ولعلمك، فإننا نستقبلها بكل ود لخشيتنا من شرها ". ذلك الحديث، جرى متأخراً إذاً. أي بعدما تورّط في موضوع خطير، متشابك الأطراف، كاد أن يعصف بمركزه في مراكش، الهش أصلاً. ولن تكون هذه هيَ المرة الأخيرة، التي سيقف فيها على طرف الهاوية.







اخر الافلام

.. مقتل خاشقجي: هل تصمد الرواية السعودية أمام التشكيك الغربي؟ ب


.. -غاندي الصغير- رشح للأوسكار عن فئة الأفلام الوثائقية للمخرج


.. مهرجان باكو لموسيقى الجاز في أذربيجان




.. مراسل #الجزيرة: العنوان الكبير لخطاب #أردوغان أن الرواية الس


.. زيارة لودريان إلى تونس: ترجمة الوعود إلى أفعال؟