الحوار المتمدن - موبايل



الرقص الدرامي لغة محكية بحاجة الى فهم آخر للمسرح

رائد شفيق توفيق

2018 / 9 / 20
الادب والفن


الرقص الدرامي لغة محكية بحاجة الى فهم آخر للمسرح
الكيراكوف تظافر ادائي بين العناصر المسرحية
رائد شفيق توفيق
اقتياس
مر المسرح عبر عصور ومراحل تاريخية قديمة متعددة كان الاعتماد فيها على جسد الممثل في أدائه وخاصة في المسرح الشرقي (الهندي / الصيني / الياباني) .. بل تزايد الاهتمام بلغة الجسد، حقبة بعد اخرى، لدى الكثير من مخرجي المسرح الحديث،انطلاقا في إيصال المعاني والدلالات المسرحية من جهة والبحث عن لغة عالمية مسرحية موحدة من جهة اخرى.واسلوب (الكيروكراف) الذي يعرف بـ(الرقص الدرامي) وهو من فنون الاداء القديمة الحديثة، الذي يعدّ نشاطاً ادائياً مميزاً، يحتل مكانته في التمثيل ويفصح عن الخبرات الدنيوية للفرد والجماعة بمادة حية دائمة التطور والحركة ، كما يظهرالكيروكراف قدرة (جسد الممثل) على الحديث بلغات عديدة تتميز بقدرة أدائية تفسر المعنى في الرقص وتعبر عن المحتوى الدرامي للرسالة المقدمة للمشاهد من خلال التلاقح والتظافر الأدائي ما بين العناصر المسرحية كالجسد والموسيقى المتدفقة في إيقاعاتها المختلفة فضلاً عن التظافر مع الوسائل التقنية التي توّظف لخدمة العرض المسرحي كالإضاءة ومشاهد الـ(داتا شو) وغيرها من الأدوات والوسائل التي يوظّفها المخرج لإبراز رؤيته الإخراجية .
النص البصري
لذا فان الوسائل التي تجسّد النص البصري هي كثافة جسد الممثل في الفضاء الإبداعي وعلاقته بالأشياء والكتل لتجسيد وتكامل الرؤية الطقسية للعرض ، وهذا يعني تحقيق النوايا المطلوبة بالإيماء والحركة والرقص الدرامي المشحون بالمعنى المطلق الذي ينتجه الجسد عبر تكاملية أدائية مع العناصر الأخرى كالموسيقى والإضاءة. ويرى البعض إن هذه الطريقة ذات تأثير قوي، أقوى بخمس مرات من ذلك التأثير الذي تتركه الكلمات ، ويعد الكيروكراف أو فن (الرقص الدرامي) من ابرز ظواهر المسرح المعاصر ، اذ ينحو الرقص الدرامي إلى تأسيس ترسانة مصنفة من لغات محكية تعتمد الحركة والإيماءة والإشارة لتعكس بدورها عجز الكلمة عن التعبير المناسب للأفكار المحسوسة والانفعالات المكتسبة إذ تنوب لغة الرقص الدرامي المعتمدة بالأساس على الجسد عن لغة الحوار في النص المسرحي بتمازج تام بين مكملات الفضاء والموسيقى لتشكل تلاحماً يتماوج فيه الجسد ويتراقص ليتحرر من هيكله ويطلقه ليفيض احساساً يوحي ويعبر عن مكوناته بلوحات مسرحية متناسقة في الأداء سواء على المستوى الفردي أو الجمعي .لهذا يتأسس الرقص الدرامي على منظومة جمالية تنكشف من خلالها تجليات الروح ومعاناتها الذي يعد اسلوباً من أساليب التربية الروحية والدينية ليُظهر لغة العصر والتجريب الحديث للعودة بالفن إلى منابعه الأصيلة وإضفاء المسرحة عليه.
نموذج مسرحي
الدراما كما هو معروف هي محاكاة للفعل البشري ، وأن المسرحية في أوسع معنى لها عبارة عن فعل يؤديه إنسان ولا يعني هنا الفعل مجرد حركات الممثل التي يصور بها الشخصية وأنما تشمل الجوانب النفسية والعقلية التي تحرك سلوكه الظاهري ، وكنموذج للكيراكوف يمكن ان نميز في مسرحية اهريمان على سبيل المثال التي قدمت خشبة المسر ح الوطني العراقي منذ بضع سنوات التي ساسلط الضوء عليها . اذ يمكن ان نميز في هذه المسرحية طريقين في تناول الموضوع وطرحه بشكله المتألق الذي شاهدناه الاول استخدام الالوان النقية ومعالجة الظل من خلال التقنيات المتوفرة وتوظيفه لصالح المضمون لرسم صورة ذهنية مؤثرة في المتلقي تحرك كوامنه ، وهذا الاسلوب اظفى على العمل رونقه المرجو منه من حيث تأكيد المضمون بحيث اثر في المشاهد كل على وفق رؤاه من خلال انعكاس الصورة الذهنية المتولدة نتيجة استخدام نسبية التدرج في الالوان .. اما الطريقة الثانية فهي تلامس الالوان بعضها البعض بتفاعل وانسجام مع الحركات الراقصة او الرقص التعبيري الذي تؤديه الشخصيات بشكل فردي تارة وجمعي تارة اخرى هذه الحركات تناغمت مع ازياء الشخصيات التي مثلت كل منها انموذجا لطبقات المجتمع وشرائحه على مختلف مستوياتها ، اضافة الى الضوء والظل الذي عكس صور الشر الذي اراد ان يبرزه المخرج الى اقصاه ، اذ ان الاشياء التي تواجه العين تلمس بعضها بعضا في تتابع تدريجي باتصال انسيابي وادراكات حسية بعيدا عن النزعة المثالية التي يحاول البعض ان يظهرها في اعماله .. هذا العمل قدم نماذج لتيارات فنية لعبت دورا هاما في الظواهر الفنية التاريخية حتى عصرنا الحاضر. ان استخدم الالوان بطريقة نقية وقوية عكست الصور الرمزية الفنية الراقصة يضاف الى ذلك تأثيرات الجانب الديني انطلاقا من صراع الخير والشر على الدوام .
واقعية محورة
ينطلق المخرج باسلوبه من الواقعية المحورة ويمكن ان نطلق عليها بالتعبيرية ، لكنها تعبيرية هادئة مستقرة بالرغم مما فيها من حركة انفعالية اذ فيها الوجوه منتصبة ناظرة الى المشاهد بصمت مطلق.وتجدر الاشارة الى الاسلوب متنوع التقنيات المعتمد في هذا العمل الذي توزع بين الشكل (وجه محطم مقهور وممزق).. واسلوب الواقعية التعبيرية التي تتجسد فيها المواضيع العراقية والبغدادية الشعبية بالذات.. وهناك الاسلوب الاكاديمي الذي يخضع الى قواعد الظل والضوء والنسب الواقعية بمعنى النقل الحرفي .
العمل اجمالا لوحة تشكيلية تنطق عن نفسها وهويتها ، تتمحور مواضيعه في استهداف الشر بكل اشكاله واساليبه للخير ممثلا بشرائح المجتمع (الحلاق ، بائع العصير ، الطالب ، العامل ، الفلاح .... الخ ). كما نجد في ثنايا العمل ان هناك محاكاة ذات طابع سياسي ونضالي تعكس صور عقود مظلمة مر بها العراق ، اذ صور مراحل تاريخية من العراق القديم متصلا بعراق اليوم حيث نرى ملامح من تراث وادي الرافدين تتجسد بالابعاد الثابتة والمهن المتوارثة التي تذكرنا بكهنة سومر وبابل وجلجامش. كما نرى توهجا ونقاوة وطيبا على الوجوه برغم كل ما اضفاه اله الشر اهريمان على واقع الحياة وسيطرته على نفوس الناس وتوجهيهم باتجاهات خطط لها خدمة لمايريد ، وكأن المخرج يستعين بهذا الاداء لاعادة الطمأنينة الى النفس.
العمل لمن تمعن فيه يبدو كلوحة تشكيلية تتنانغم فيه لحظة اشتباك ذهن المتلقي مع النص التشكيلي الذي أخذ بالاتساع بفعل جماليات التحديث في ابداع المكياج وتوظيف الماكير لادوات العمل واستخدامه لمواد بسيطة انتج لنا منها شكلا يكاد يكون حقيقيا اذا ما تابعنا الصورة الذهنية لدى المتلقي خاصة في تعامله مع شخصية اهريمان التي كساهما بمواد بسيطة هي الطين وبعض الالوان الفاتحة الامر الذي يؤكد قدرة الفنان العراقي على الابداع باعتماد البساطة .
طرح هذا العمل الأسئلة النبيلة التي تكشف عن الأقنعة التي تخفي خلفها خفايا الروح عبر العصور، فتصنع جدراناً للصمت والصوت .. بمثابة مدوّنات ملغزة تحتفل بالرمز والمرموز ما يجعلنا نرى العالم كما يراه (بودلير) بمثابة غابة من الرموز .. ومن تلقائية الأداء ضمن عمليات التجريد والتسطيح لتعرية المرئيات من كل لواحقها . ونشهد اهتماماً واضحاً بالحركة المحورية والدائرية المفعمة بالحياة ، التي تشبه حركة نمو الجنين داخل الرحم لتستوعب الجمهور لحظة التلقي ضمن سياق تواصلي بين الأنا والآخر وبحدود التلقائية الواعية التي تكشف عن مواقف الفن الحداثوي المتمفصل بالجذور الرافدينية التي تقترح تكوينات تعبيرية تحاكي ذاتيتها المحملة بخطابات الأمل والألم والحلم المفقود الموجه إلى مناهظة العالم المظلم المُحيط بالإنسان والمحتفل بالاحتلالات المتكررة للأوطان … ليصبح العمل رسالة إنسانية محملة بالأفكار والمواقف الجمالية متعددة الأصوات التي تدون ماحصل وما سيحصل للإنسان المعاصر والمحاصر… لتأتي مرحلة الحوار مع الذات بمثابة فهم للحقيقة الكلية التي جسدها العمل ، وفق تراكمات الأمس المؤدلجة وتداعيات الحاضر المتآمرة معرفياً وثقافياً وجمالياً ، ما يساهم في ان يتمسك الانسان بالجوهر على حساب الأقنعة .
تهالك جسد
توالدت المعاني وتعددت في هذا العمل فاختلفت الأشكال ذات الطابع التجريدي ، وتنوعت المفردات (أجساد – أقنعة – اعمال – طين ــ شمس ..) ذات النزعة التركيبية وتكاثرت الانفعالات الإنسانية ( الأرض تحترق كشمعة – الاحتلال – المقاومة – نساء عاملات – بقايا وطن ) فمنحت التكوينات الدرامية أنساقا تقنية تواصلية ، ذات طابع رمزي يقترب من التجريد ويبتعد عن التشبيه ، متمسك بالانتماء إلى الطابع الشرقي بدلا من الارتماء الوجداني في أحضان أساليب الغرب المتمردة على الذات .. وبالتالي نجد اداء متمسكا بتجليات الرمز التراثي في الفن تصنع أسئلة الحضور الغائب بفعل الاحتلال ، بحثاً عن الجوهر المسكوت عنه .
احتفلت تكوينات العرض بالجسد المتهالك الممتليء بأبجديات الحزن والألم والحلم ؛ اذ ان المخرج منح الأجساد وجوداً شاذا بدون ملامح أو تفاصيل مكانية ، لتمكينه من الحضور في ذاكرة المشاهد .. هذا التجسيد ربما يستشعر المشاهد لحظة الاشتباك بصريا معه وكأنه بمثابة الوطن أو الأرض الطيبة او المدينة المستباحة (بغداد) التي جعلت من الجسد وملامح الوجه قضية انسانية تبحث عن الخلاص من الظلام ، تجاه أشكال الاحتلالات المتكررة على الإنسان ليصبح الجسد خطاباً ثقافياً ذو طابع ملحمي في عصر ممتليء بالحروب . وهكذا فإن الحال إذا ما استمر على ما هو عليه فإن الناس يتكلسون في الروتين فيموتون أو تتجمّد عقولهم وتتحجر أفكارهم وتلتبس مواقفهم وتتصنم مشاعرهم ليصبحوا مجموعة آلات تعمل من أجل الحفاظ على استمرار تكوينها الأوّلي فقط ، أي الحياتي اليومي ، وحتى الحفاظ على هذا التكوين يصبح خارج دائرة المعرفة ومعنى الحياة نفسها .
نحن بحاجة إلى فهم آخر للفن الذي هو وجه من أوجه الثقافة يتسع للنقد ويتكيّف مع المعنى الواضح لكلمة الثقافة ، وهذه الأخيرة يجب أن تتسع للجميع وتتكامل بالجميع بحيث يتاح لأفراد المجتمع الواحد أن يختبروا أحاسيسهم كي يستقوا حقائق الواقع المعرفي ، هذه حزمة من التصورات والأمنيات طرحتها مسرحية اهريمان فهل ستظل ممكنة أم نحلم بها في عوالم بعيدة عن الواقع ؟ ولعل المدخل الصحيح أو الجواب الممكن يكمن في إعادة النظر بما يجب أن يتلاءم مع حاجة الفرد والمجتمع المتطلع إلى إنتاجها وتطوير ذلك الإنتاج تبعاً لمتطلبات التطور المعرفي والاجتماعي والحضاري الذي تسعى إليه الثقافة العراقية.
السينغرافيا
أعتمدت المسرحية من حيث الاكسسوارات والسينغرافيا على على أهمية إبراز طاقات الألوان باتجاه ماهو مقدس ذو الطابع المثيولوجي الذي يعد من مقدساًت الحضارات الشرقية القديمة المتجذر بالفكر الإنساني والاسطوري والفلسفي… فنلاحظ اعتمادها تكوينات وأشكال مجردة متوشحة بالوان مختلفة واعطائها سيادة في التعبير والترميز بجانب اعتمادها اللون فضلا عن اللون الأبيض المعبر عن السلام تأكيداً على اظهار القيمة الرمزية التطهيرية للون باسلوب تعبيري يقترب من الترميز الذي يستعين بالوعي، بحثاً عن الاعماق.
قدم المسرحية مجموعة من الشباب وقد ابدع الفنان (علي دعيم) في تصميم واعداد واخراج هذا العمل وتفاعل هؤلاء الشباب في تقديم هذا العرض .واهريمان شخصية اسطورية من التاريخ الشرقي القديم تمثل اله الشر الذي عاث فسادا بكل ما هو خير وكان في حرب دائمة مع اله الخير وعمد {علي دعيم } الى اظهار اهريمان في المشهد الاخير برأس شيطاني وبملابس عصرية وبدلا من ان يبحث في كتاب الشر الكبير الذي ظهر في بداية المسرحية نراه يأتينا حاملا جهاز لابتوب ليتصفح به ويستمر بتخطيط مؤامراته .







اخر الافلام

.. وزيرة الثقافة تتفقد مكتبة مصر العامة بمطروح


.. -ماتريوشكا- أول فيلم روسي مصري ينتج في الألفية الثالثة


.. العرب أجدادا للفرنسيين.. تأثير العربية على اللغة الفرنسية




.. إيران: مشاركة دولية في مهرجان سينما الحقيقة للأفلام الوثائقي


.. بين اللحن الشرقي والموسيقى الإلكترونية.. تانيا صالح ترسم لنف