الحوار المتمدن - موبايل



زين وآلان: الفصل الرابع 5

دلور ميقري

2018 / 9 / 22
الادب والفن


حقّ له أن يسترخي على كرسيه، المجدول من القش، مستمتعاً بأمسية خريفية لطيفة الهواء. وكان سعيداً، بالأخص، لاطمئنانه على مزاج سعادة الجنرال، طالما أنّ هذا دعاه للمبيت في الفيللا كي يشرعا غداً بمغامرة الصيد. فكّرَ عندئذٍ أنّ الوقتَ مناسبٌ لطرح موضوع ابن " خولة "، كون الرجل تكلم عن معرفته الجيدة لبعض أقاربه. ولكن رغبة هذا المضيف في الاسترسال بالثرثرة، ألزمت " سيامند على التريّث. فراحَ يستمع إليه باهتمام متكلّف، ملقياً بين الحين والآخر نظرة على البركة المستطيلة الشكل، التي كان القمر يرسم صورته المضيئة على صفحتها وكأنما ليثير ذكريات تماثيلها الحجرية، الراحلة.
" هل وصلك شيء من الإشاعات، بشأن مسيو جاك؟ "، توجّه إليه المضيفُ بالسؤال على غرّة. يبدو أنه كان قد شرد بعيداً، بينما الرجلُ يأتي على سيرةٍ ما. تفرّسَ الجنرال فيه، ثم أستدركَ موضّحاً: " أعني ذلكَ الكَاوري، مالكَ المزرعة الأصليّ "
" آه نعم، الرسام الفرنسيّ! ولكنني لا أدري ما كنه تلك الإشاعات؟ "
" عجباً، مع أنها تتعلق تحديداً بابنة أخيك؟ "، قالها ثم نقل نظرة حذرة بين وكيله والسائق. وما عتمَ أن نهضَ فجأة، طالباً من ضيفه أن يتبعه إلى المكتب. ولاحظ " سيامند "، كيفَ كانت أوداجُ الجنرال تنتفخ زهواً في أوان رميه الأوامر على من حوله، مستعيداً بها سلطته القديمة. فخاطب عند ذلك داخله ساخراً، بينما يتأثر خطى سعادته: " ليخبّ على فرس الغرور ما شاءَ له الغرور! ". كان المهم بالنسبة له أن يفضي حديث ابنة أخيه، بصورة ما، إلى الحديث عن ابن " خولة ". بل إنه أملَ بما هوَ أبعد؛ كأن يكون لدى الجنرال معلوماتٍ عن لغز المرأة ذات الثوب الأحمر تغنيه عن فتح ذلك الحديث.
حجرة المكتب، كان لها بابٌ واحد يُفتح على الصالة الرئيسة. وكان الغبارُ يملأ المكان، دلالة على زهد المالك الجديد بالمطالعة والتأمل على حدّ سواء. كذلك عبّر بنفسه، مشيراً باحتقار إلى الكتب الكثيرة المخزنة في الخزائن الزجاجية: " سأتخلص منها قريباً، لأنها تجلب العث والبق! إنه الوكيل السابق للرسام، وهوَ رجل يهوديّ من ساكني الصويرة، مَن تعهّد بنقلها مع لوحات وتحف ومتعلقات شخصية لمعلمه الراحل ". ثم إذا به يُطلق ضحكة مكتومة، فيما يستوي بمكانه خلف طاولة المكتب: " تذكرتُ حادثة طريفة، كانت سبباً بتعرفي على ذلك اليهوديّ "، قالها وقد فُتحت شهيته مرة أخرى للثرثرة. أتبعَ جملته بضحكة أقل تحفظاً، وما عتمَ أن بدأ يروي تفاصيلَ الحادثة.

***
أفاق مبكراً، ليجد نفسه في حجرة نومٍ يهبّ عبرَ نافذتها نسيم الصباح المحمّل بعبير حديقة الفيللا. بلمحة سريعة، استجلبَ وقائع انفراده مع الجنرال في حجرة المكتب. كان انطباعه الأساس لا بأس به، على الرغم مما تخلل الخلوة من أشياء منغصة، مُحالة لفظاظة المضيف، المعهودة. هذا، عدا تكشير الرجل عن أنياب الجشع، مستغلاً تلهف " سيامند " على المزيد من المعلومات. وكان الشابُ الغريب يعتقدُ بدءاً، أن ما يعلمه الجنرال جاءَ بحُكم منصبه السابق. إلا أنّ مَنْ تفرد به في حجرة المكتب، ملفوفاً جرمه الطريف بعباءة وغطاء رأس على الطريقة المحلية، ظهرَ بذاته أنه متورطٌ بعمق في قضية المرأة ذات الثوب الأحمر والبرّاق.
كان من المحال، فكّرَ " سيامند " وهوَ ما زال في سريره، أن يكون الجنرال خصبَ الخيال لدرجة أن يخترع كل تلك الحكاية متشعبة الوقائع ومتعددة الأطراف. على أيّ حال، سيكون خداعه مجانياً ما لو أكّد مصدرٌ آخر، موثوق، كذبَ حكايته؛ أو على الأقل، تفاصيلها المهمة. للمصادفة السعيدة، أنه الآنَ في الضاحية وكان يعزم منذ الأمس على زيارة منزل أخيه القديم: كان يبغي هذه المرة الانفراد بامرأة " حمو "، متحججاً بمعاينة أعمالها الفنية واستعداده لشراء بعضها. إنّ " غزلان " ستكون وحيدة في المنزل قبل حلول الظهيرة، كون رجلها يعود من مصلحته على وقت القيلولة على عادة الموظفين غالباً. بدَوره، كان على " سيامند " التهرّبَ من جولة الصيد مقدماً للمضيف أيّ عذر ممكن.
مع توسط الشمس للسماء، مشيعة حرارتها الشديدة في جسده، خرجَ مع سائقه من ذلك المنزل. كانت " غزلان " في وداعهما عند المدخل، مسرورة من حصيلة عمل يومها فضلاً عن سبب آخر يتصل بدافع الزيارة الحق. بطبيعة الحال، لم يعلم " سي عمر " بما جرى هنالك في الداخل، كونه بقيَ أمام الفيللا، أين تم ركن السيارة. واحتراساً لأي طارئ، كما في أمر احتمال عودة الزوج مبكراً أكثر من المعتاد، كان السائق يطل على معلمه بين فينة وأخرى.
نباحٌ ممطوط، كعويل طفل، استقبلهما ثمة عند مدخل الفيللا. ذلك كان كلب حراسة، ألمانيّ السلالة، مطلق السراح وراء السور الأماميّ، المشغول من حديدٍ حالَ لونُ صباغه الأخضر. صوتٌ آخر، أكثر خشونة، عليه كان أن يرفع رأسَ الشاب السوريّ إلى أعلى. وكان ذلك صوتُ الجنرال، ينتهر كلبه طالباً منه الالتزام بكوخه. كان منتصباً على حافة الشرفة، مترنحاً قليلاً وربما بفعل السُكر. ثم توجه هذه المرة إلى الضيف، ليخاطبه بطريقة ملتوية ـ كيلا يفهم السائق: " ها، هل تأكدتَ من أصالة اللوحات قبل شرائها؟ ". سكتَ برهة، قبل أن يعاود فتح فمه بالقول: " على أيّ حال، لقد فوّت علينا فرصةَ الصيد اليومَ في خلال فترة الظهيرة. وفي التالي، لن يكون بالوسع تدبّر غداء من شواء لحم الطيور! ".













اخر الافلام

.. تعرف على أسواق باريس الشرق..بيروت وعلاقة تجارها بأغنية الفلك


.. من هم الممثلين العرب الذين ساهموا في نجاح أبرز المسلسلات الأ


.. بتحلى الحياة – مسلسل ثورة الفلاحين – الممثلة فرح البيطار




.. بي_بي_سي_ترندينغ |فيلم #فطور_إنجليزي: آخر الأعمال الدرامية ا


.. بيع لوحة للفنان بانكسي بأكثر من مليون يورو بعد تمزقها!