الحوار المتمدن - موبايل



خيري منصور شاعراً بما يكفي ...

مروان صباح

2018 / 9 / 23
مواضيع وابحاث سياسية


خيري منصور شاعراً بما يكفي ...

مروان صباح / اعتدت في كل سبت على قراءة مقال خيري منصور في القدس العربي ، رغم احياناً يحدث انقطاع ، لكن سرعان ما أعود كأن هناك قوة تُلِّح علي وتعيدني لمواظبة قرائتها من جديد وبعودتي أعود لقراءة ما فاتني خلال الانقطاع ، وكما كل شيء في حَيَاتِي بالصدفة ، ايضاً الكتابة لم تكن على الإطلاق يوماً ما بالنسبة لي هدف تخطيطي ، لكنني بدأت عندما تأكدت من إمتلاء الساحة بالكتاب والشعراء والصحفيين في حين افتقدت لأصحاب الرأي ، على الرغم من جميع العصي والحرائق والألغام والوشايات وتجميع ذات المعلومة من مصادر مختلفة وتقديمها لصاحب القرار بهدف التحريض والإقصاء ، بالإضافة ، للسحر بأنواعه وأشكاله ، جميعها وضعوا في طريقي ، تماماً كما وضعت سابقاً ذات الأشياء في طرقاتي وبمحطات مختلفة ، لكنني ها أنا مازلتُ أمشي على الطريق ، بادئ ذي بدء ، كنت قد أشرت في إحدى مقالاتي عن الواقعية الفائقة التى كان قد تحدث عنها خيري منصور مراراً وتكراراً بهدف تنبيه المثقف، بأن الواقع مرتبط مع الخيال والخيال لا يحضر إلا من كثافة الواقع ، وبالفعل ، وجدته أمامي بعد نشر مقالي في دنيا الوطن والحوار المتمدن في مقهي اللمون الموجود بالطابق الأرضي للستي مول ، بدأ بالتحدث عن المابعديات ولأني أعلم جيداً خلفيته القومية وضعت على سطح النقاش مقارنة ، كيف تعامل الغرب مع محاولات النهوض العربي والنهضيات الغير عربية ، وبعد مرور فترة من علاقتنا المكثفة ، جاء في ليلة يجر بيده كل ما قاله على صفحات ديوانه المسمى بالأعمال الشعرية ، وكالعادة طلب قهوته وبدأ ينظر إلى بقعة مجهولةً لي معلومة له وكتب خمسة كلمات على الصفحة الثانية التى خلت من الكلمات لكنها حملت في أعلى الصفحة صورة صغيرة له ، بالطبع ، بعد الصديق مروان صباح / دون هكذا ، اعتزازاً / بك إنساناً / أخاً / ومثقفاً ، وأخيراً توقيعه .

في محصلة منصور الإنتاجية ، تجد وهذه حقيقة لا تعيب خيري بقدر ما تكشف عن رداءة الواقع ، بأن كتاباته عموماً ، ليست مقروءة من أغلبية القرّاء ، بل من أدمن على قراءة مقاله، هم نخبة النخبة وهذا قد اشار له محمود درويش في مقدمته التى خص بها ديوان خير منصور ( الاعمال الشعرية ) ، وبعد سلسلة محطات تفنيدية ذكرها درويش في المقدمة حول موهبة منصور الشعرية وكتاباته ، قدم ايضاً اعتراف لا يقدمه سوى رجل عرف كيف اهتدى لنفسه اولاً وجدير بمعرفة من هم على طريق الهداية ثانياً ، عندما قال ، أنت يا خيري فنجان قهوتنا الأول ، فلا يبدأ نهارناً إلا بك ، ادمناك ، ولم ينج أحد منا من عدواك ، وهنا أتذكر موقف متصل ، عندما قدم خيري اعترافاً مماثل ، كنّا وبعد جولتنا المسائية المعتادة عائدين إلى المقهى من محل يختص بالأقلام ، كان يتردد عليه محمود درويش ولهما فيه ذكريات ، أنزل نظارته ورفع رأسه وأخذ نفساً عميقاً وقال لي ، أنا يا مروان كنت أتمنى لو سبقت محمود للموت ، لأنني كنت أدرك بأنني سأدخل في مرحلة الوقت الضائع واذرفت عينه دمعاً وبقت الأخر تحتفظ بذكائه الحاد ، ثم نظر لي مرة أخرى وقال / محمود درويش ليس فقط استاذي بل معلمي .

ولأن خيري من القلة التى عثرة على ذاتها ، بالفعل ، لم يكن يقف أمام المرآة في كل مساء لكي يسأل ذاته ، من أكون ، لأنه كان يقرأ مقاله في الصحيفة وفي يده الأخرى قلماً يخط مقالاته القادمة ، وهنا تكمن براعته في كيفية العثور على نفسه ، بل ، قد عرفها إلى حد تفصيلي وانقسامي ، كما جاء في قصيدته ( انا وثالث نفسي ) يقول / انا ثالثها / إن في جسدي جثتين ، كأنه يطرح للبشرية معادلة النواة والتطور ومن ثم التجزئات ، فيقول ايضاً في نفس القصيدة / حين ينقسم الجبل الصعب في تلتين / وتنقسم التلتان إلى صخرتين / وتنقسم الصخرتان ... إلى حجرين ، / إن في جسدي جثتين .

لقد تعامل منصور في حياته بالقدر المستطاع مع من كان لحوحاً بحجب الشمس عنه ، استحضر فنون متنوعة من الماضي وابتكر طرق عديدة لكي يزيح جميع الأسباب التى يمكن لها حجب نور المعرفة عنه ، تماماً هكذا ، لأن أوقفته مبكراً مقولة ديوجين ، لهذا حرص على الإختفاء نهاراً والحضور بكثافة في الليل ، لأنه ايضاً كان يدرك بأن البيوت الطينية تختزن أشعة الشمس وبالتالي لا يسهل لكل عابر استنشاقها إلا إذا كان جدير بذلك ، وهذا السلوك وفر له فضاء شاسع بالتنقل كالعصفور بين كتاب مقيم في مكتبته أو بجانب كرسيه إلى نواة فكرة تحلق بين نجوم السماء كي تستبق السمع واعتبر ، بأن مهنة المتاعب للآخرين ليست سوى مكانة رفيعة في المجتمع ، مجهولة الصعود لديهم معلومة الجلوس ، لكن ارتفاعها جاء من كونها نادرة تماماً كما أصبحت العزة في عصرنا شيء نادر، بل كان يمتلكه شعور عميق ، بأن الرجل فينا ، إذا ما اجتمع برجل أخر ، والآخر لا يخبيء بنواياه سُم لكي يدسه في حبر قلم رفيقه أو عندما يفترقان في منتصف الليل ، كما أشار في قصيدة ( تلك المدينة ) قال ، حين ينتصف الليل / تغلق كل البيوت نوافذها دفعة واحدة / ، الذي جعله في قلق دائم ممن فارقه عند هذا المنتصف ، بأن لا ينخرط في كتابة وشاية تكون خنجراً في ظهر لمن أمضى تلك الليل معه ، فإن ابرئه النهار في اليوم التالي من الخيانة ، فإنه يستحق في كل ليلة وسام .

عُرف خيري منصور بأسلوبه الصفوفي ، إن كان ذلك من خلال خواطره اليومية في عدة صحف أو بقصائده القصيرة ، مقتدياً بعبارة الشاعر الصفوفي النفري ، كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة ، وهذا النمط بالأصل قرائني توارثه العلماء ومن ثم الشعراء والكتاب ، لأن مهارة القرآن ، تكمن في جمع البدايات والنهايات والقادمات والخالدات في ستة آلاف أية ونيف ، بالطبع يحتاج المرء إلى أمرين قبل الوصول إليه ، أقصد النمط ، تجاوز الثقافة والفكر للوصول إلى عتبة المعرفة ، معرفة منابت الأشياء وماضيها وتطوراتها التى تتيح لصاحبها التميّز والغرابة ، أي أن يكون غريب بين اعتياديين ، لأن كل غريب مثير للجدل وهذا لا يحصّل إلا لمن قرر عدم توجس من التقليدين وأكثر من عصر لياليه لكي يحوّلها إلى حبر ، تماماً ، هذا ينطبق بالفعل على الراحل الذي تحلى بذكاءً شديد والذي يفسر لنا سبب ايضاً مشكلته مع الآخرين ، قد كان دوستوفيسكي عبر عنها وسماها ضربية المعرفة ، عندما قال التفكير مرض وشدة الإدراك لعنه ، بالفعل ، أين وطأت قدم خيري ، كانت أفكاره تسبقه وكان سيد الكلام وهذا شكل له جمهور عريض من الأعداء .


أضيف إلى ما اسلفته ويتوجب احتسابه كعنصر أساسي في علاقتي مع الراحل ، لقد اتفقناً ثقافياً بشكل كبير لكننا اختلفتا فكرياً ، لأن خيري قد تشكلت الثقافة لديه قبل أن يتشكل الفكر عنده ، لهذا تجده أبدع وبرع في المجال الثقافي أكثر من السياسي ، لكنني في هذا المقام الرحيلي أريد تبيان أمر بالغ الأهمية وعلى الأخص لمن أحبوني وفي أوقات مختلفة ، قرروا الرحيل عني ، للأسف ، لم ينظروا إلى عيني وجوارحي جيداً اللتين كانتا تقولان ، إحترمتكم وأحببتكم كما يجب المرء أن يحترم خليله أو يحب عشيقته ، لكنني كنت ومازلت أشد حباً لله .

أنا ومن على عتبه الرحيل أعترف إنني تدربت على الكتابة من خلال قراءاتي لمقالات خيري منصور واستمعت منه ما لا يمكن للآخرين استماعه ، لأنه خصني كما قال لي يوماً ، لديك مصيبتان وليس واحدة ، طلة الرجل الوسيم والفكرة التى لم تلامس قوارع الطرق ، وهذتان كافيتان لصنع لك أعداء من كل حدب وصوب ، ولكي تنجو من يأجوج ومأجوج ، عليك بالمعرفة فهي تعويذاتك من الشيطان وقبيله ، أما الإعتراف الثاني ، لن يعد بالتأكيد نهارنا بعد رحيل خيري كما كان من قبل ولن يكون سبتنا ، كما كانت سبوتنا في حياته ، سنصحوا كل صباح ، أقل اهتماماً وسيأتي كل سبت دون أن يشعرنا بقلق الانتظار ، لأننا برحيله سنصاب ببعض الكسل أو كثير منه ، كوننا احتفظنا في مكتباتنا بما أنتجه ثقافياً وهذا كفيل أن يمنحنا شعور بالطمأنينة ( الخداعة ) بأننا متى نشاء نستطيع الرجوع إلى انتاجاته ، وبالتالي ، رحيل شخص قد وصفه أدونيس ذات مرة بأنه أفضل من يكتب بالعربية في هذا العصر كفيل أن يعيد الاعتيادين من الأحياء إلى اعتياديتهم الكاملة والخالية من الإثارة والجدل ، وقد يصح في معمعة الموت والدفن والعزاء واعتماد الرحلة من الحفار ، التساؤل عن سؤال عجزت البشرية الجواب عنه ، هل لمثل خيري منصور والذي انتصر لاسمه ورفض أن يتحول لمجرد رقم وانتصر بإنتاجه النوعي على الكم ، أن يتوقف في مماته عن الكتابه وهو الذي كان يكتب في الليلة الواحدة ستة آلاف كلمة ، أرجح من الصعب أو ربما مُمكن ، وهذا الممكن لا يحصل إلا في حالة واحدة ، إذا أخفق دمه في اتباعه وكان البصر حديد، رحمك الله يا أبو أصيل لن تبكيك عيني بقدر سيبكيك عقلي . والسلام
كاتب عربي







اخر الافلام

.. شاب أردني يستلهم أفكار أجداده لصنع مجسمات فنية


.. أخطر 4 قيادات بتنظيم القاعدة في اليمن


.. نافذة من إسطنبول 2- تغطية خاصة لتطورات قضية خاشقجي ???? ???




.. وزارة العدل السعودية: ستتم محاسبة المقصرين في قضية خاشقجي


.. عادل الجبير لفوكس نيوز: -ما حدث لخاشقجي خطأ فادح ولا دخل لول