الحوار المتمدن - موبايل



اعترافات

إبراهيم الوراق

2018 / 9 / 25
سيرة ذاتية


اعترافات
إلهي، لم يخلق ذاته العلية، وإنما خلقني أنا المتألم في صخب، وضوضاء. فمن عظم الإله تعظيما يليق به كمالا، وجمالا، وعلى أي عقيدة، أو أي دين، أو أي شريعة، ولم يعظم صورته الدالة عليه في الإنسان الجريح، والقريح، فقد صبأ عن دين الأنبياء، وحكمة الحكماء، وإشارات الأولياء.
فما أبلهني حين خلت التكليف يكون بالقدرة الباقرة، والإرادة الكاسرة، لأني كنت متأثرا بما ابتلعته في صغري من فكر البادية، وتقليد دينها، وانكسار تاريخها، وانبثاث حاضرها، إذ التكليف فيما توارد علي في وجع السقوط، والهبوط، لا يكون إلا للإدراك النافذ إلى للمعاني الخالدة، والمفاهيم التالدة.
فآه، آه، ليس من شرب الخمرة للاستهداء، كمن شرب العسل للاسترقاء، إذ الأول شراب الروح، والثاني شراب البدن. وكل واحد منهما له حكم في الظاهر، والباطن، وعلاقة بما يبني الداخل والخارج من ذهول، وحصول، لكن تجاوز سطوح هذه القضية، وتخطي حدودها الصلدة، ومصاديقها الغضة بالغرائب الفجة، يعلمنا كيف نسير بخطوات إلى مرتع الحقيقة، وكيف نرفع عماد الحياة بأدب، واقتدار، وحب، ورحمة، لأن صعق العقل، ومحقه، وسحقه، هو الطلب الذي ارتحلت القوافل بأمله بين الآجام، والآكام، وسافرت بهمها لبلوغ شأوه، وقمته، وذروته، إذ نهاية البدن الفناء، ونهاية الروح البقاء. وهما معا ملازمان، ومتقابلان، ولا يجوز لنا أن نغرد بأحدهما، ما لم نترك الآخر، إلا إذا عرفنا سر المزج ببنهما في قارورة العشق الأبدي. وحينئذ نكون قادرين على أن نعرف لكل واحد حده، وحقه.
وهكذا كان السر حائرا بين القباب التي تنافست حول غموضها همم السائرين، والواصلين. وما بينهما عشت قصة مأساوية مع الدليل، والحجة، والبرهان، وخضت وحل دروب مكتئبة بأوهام الإنسان، وتناقض وجهات حياته بين المبادئ الإلهية، والبشرية، وغصت بين أمداء ملبدة بغيوم الوحشة، والضياع، والفراغ، وولجت غمرة صراع دخلته صحيحا، وخرجت منه عليلا. فهل كنت أبله حقيقة حين رسمت للحق طريقا واحدا، لا يمشي عليه إلا الأنداد الوجهاء.؟
لا، بل كنت مرآة انعكست عليها نفس علي في صفائه، وصدر الحسن في نقائه، وكان ما كان، وحصل ما حصل، ولم أشهد في عطايا الناس إلا مزيد الذلة، والخسة. ولم أر فيها إلا غروبا لهمتي، وهامتي. أجل، قد عشت معرتها فيما لمسني من غنم النعمة، وغرم المنة، وجسني من ليونة القماش، وغضارة الريش، وسرت معها مراحل قطعتها متشظيا بين الأماكن المطلولة بغدر الإنسان، ومكره، وخزبه، فلم تغنني وفرة ما نلته من مكسب عن هجمة الألم، وهجعة الورم، ولم تفدني الصفات بما أسبلت علي من رداء الخدعة التي انخدعت بها غدرا، أو اللعبة التي انحشرت إليها جبرا، وقادتني متاهاتها إلى أن أفقد كل ما احتوى عليه جوف الطفل من أفكار، وأسرار. فلم لا أسائل ذاتي عن سبب الرزية، وعلة الوقيعة.؟ ولم لا أراجع منطلقاتها، ومنعطفاتها، وأواجه معايبها، ومثالبها.؟ ولم لا أنقض بناءها الذي تهاوى لهزات رجت أركانه، وهزت أساطينه.؟ فأين الخلل إذن، ما دمنا لم نجن من هذه الشجرة التي غرسناها إلا العناء.؟
قد كان ما كان، وها هو قد صار اليوم خبرا بلا بيان، وأثرا بلا عيان، لكن، هل سأنكر ما دبرتني به سنن التاريخ من أوضاع مصطرعة، وأعراض مصطنعة.؟ لن ألصق تهمة إخفاقي بأحد، ومهما حاصرني بريبته، وناجزني بخبيئته، ولن أحاول أن أتجاوز فيما أعانيه منطق السبب، والعلة، إذ هما قانونان لم يستطع أحد من سلف الحكماء وخلفهم أن ينكر ضرورتهما، ولا أن يعادي حتميتهما، وسواء المتصف فيهم بصفة اللاهوتي، أو المتسم باللاديني، لأنهما يجران معا إلى مقتضى النتيجة المحتومة. لكن، ومهما عشنا في غمرة المسبب، والمعلول، ونسينا ما يقوم وراءهما من موجهات للفعل البشري، فإن العودة إلى استكشاف ما يقوم خلف المعاناة من خلفيات، وترسبات، سيبين لنا أننا خالفنا الناموس في كثير من العطايا التي جادت بها يد القدرة فضلا، ونبلا، إما لفكرة أسرت العقل الطازح بغرة الغفلات، وإما لجهل بنظام الأشياء، وقانونها المستحوذ عليها بثبات، وإما لعدم توازن حصل في تقدير الأوليات، وتدبير المعاني المهمات. كل ذلك كان ينتعش في الذات السجينة بالتقاليد البالية، ويسعفها بالتسويغات الفاسدة، وينجدها بالنسيان، أو الكتمان.
لكنه كان شيئا مضرا بماهيتنا، وبحقيقة قدرتنا، وبفاعلية إرادتنا، لأننا إن نسينا خلفيات ما يقع، وحاولنا أن نربطها بغيرنا بلا ورع، وهو ما صاحب في دربه إلا ما رضيه عقله، وقبله في سيره، وحبذه في سربه، فلا محالة، سنبقى سادرين في جهالتنا، وساهمين في انتظارنا، إذ حين نتهم الخارج عنا، نكون متصالحين مع داخلنا، ومتوافقين مع ما يختبئ فيه من غرورنا، ومنسجمين مع ما ننتجعه فيه من أوهامنا الراكدة، وأحلامنا الكاسدة، وإذ ذاك يعسر علينا درك حقيقه ما نحن عليه، ويصعب علينا انتقاده، أو إنقاذه، لأنه لا يحق لنا أن نخطو بخطوات إلى الأمام، ولا أن نسير سيرا تصاعديا نحو المرام، ما لم نعرف معنى السير في عالمنا الباطني، وما لم نلم بوسائله، ونهتم بأساليبه، لكي تقع الأقدام على مأمنها، وتحصل الآمال على مسعاها، وإلا، دهمتنا الغوائل التي لم تخطر على بالنا، ولم تقع في فكرنا، فتغتالنا في منعرج من منعرجات الطريق، أو تجتالنا إلى سجنها الضيق، ثم نصير أسارى في قفص صدئ، لا نطيق الفكاك منه، ولا النجاة من ظلماته القاتلة.
في تلك المرحلة المخضلة بالشقاء، كان سؤالنا المزلزل لكياننا، هل يمكن لعالم الدين أن يسقط بين براثن الخداع، والكذب، والنفاق.؟
كانت الاجابة محيرة لنا في بدايات اتصالنا بمؤسسة العلماء، ومربكة لقرارنا، ومؤلمة لاستقرارنا، لأننا في ذلك الزمن الكسير، كنا نتهم أنفسنا، وننعتها بأقذع النعوت، ونقول: ربما لم نكن في المستوى اللائق بصفتنا، إذ ما نشهده من وقائع متناقضة بين الادعاء، والفعل، يجعلنا بين خيارين، إما أن نقبل تصوراتنا التي اكتسبناها بالتلقين من مشايخنا، وإما أن نغير لبدة تفكيرنا، ونقول: إن الزمن قد تبدلت كسوة مظاهره، وتغيرت معه مجامع العلم، ومداخله، ومخارجه.
لكن، هذا الارتباك قد زال مع طول الزمن الذي أنهك قوانا الذهنية، ولم يبق له في الذات شيء يوحي بالندامة، أو يفضي إلى التشكيك في قيمة ما نحمله من تصديقات، وتصورات، لأن مجرد الصفة لا يكفي في نيل ما تدل عليه من موصوف بالماهية، إذ هي مجافية للحقيقة في مصاديقها، ومجريات تطبيقاتها على الوقائع المتعاندة، وإلا، فما معنى العالم.؟ وما معنى أن توصف بالعلم.؟ وما معنى ان نتزيى بأخلاق العلم، وأدب العلماء.؟ هل ابتلاع كلمات متنافرة، ومتشاكسة، وترديد ألفاظها كالببغاوات، يصيرنا أماثل نستحق أن نكون علماء.؟ قد يكون هذا التشدق مفيدا في الاستحواذ على نفوس العامة، والاهتداء إلى طرق اكتناز المال الوفير، والاستيلاء على المنصب الوثير، لأنه بما علق به من أعراف المجتمع، وعاداته في تقدير مسمى الدائرة المقدسة، يثري الجيب بالأعطيات، والصدقات، ويغني المعدم بما يتوشحه من وشاح العلماء، ورداء الصلحاء، إذ ما يقدمه العامة من عطايا لمسمى العلم، طلبا لصك الغفران، ورجاء لمن الرضوان، لم يكن مما جرى به العمل في الأعيان، وسارت به الأخبار في البلدان، إلا حين دل على الأصل القويم، وأرشد إلى معنى احترام الإنسان للأديان، وتقديمه لمرادها على مراده، إذ لولا ذلك، لما جاد مؤمن بالإله بما أوقفه في سبيل الحق، والحقيقة، لكي يكسب به القربة، والزلفى، ويحصل به عموم الخير على الكائن الحي، وسواء ما حبسه الناس للسابلة، وابن السبيل، أو ما حبسوه لطلاب العلم، والمارستنات، والسواقي، والفنادق، والطرق، والمرابد، والمعابد، وغيرها من الهبات الجارية. لكن لو غصنا في بنياته المعرفية، والثقافية، سنجده اليوم رديئا في معناه، ووطيئا في مغزاه، إذ شهادة العوام للعالم بالعلم، والتصدق عليه، والاسترضاء له، لا يعني سوى أنه بوق يتحدث بأحاسيسهم المكبوتة، وأشجانهم المكتومة، أو أنه ناطق باسم شهواتهم المجنونة، ونزواتهم الممحونة، فهو يسوغها لهم بما يلويه من أعناق النصوص، ويحوره من معناها، أو بما يقوم به من تأويلها، وتحريف مقاصدها، لكي يكون الفعل قادرا على تلك الرغبات الردية بدافع الاقتداء بالأدلة الشرعية. فهل هذا هو العالم الذي ننتظر منه أن يصنع لقاحا للمرضى، أو مركبا يقلص من سرعة الزمن، أو غواصة تمخر عباب اليم، أو أن يبدع شيئا يحرر الإنسان، ويجعله آمنا في مسلك حياته، ومشاعبها الفجة.؟ وهل هذا هو العالم الذي يحتاجه المستضعفون، والمستعبدون، لكي يتحدث بلسان تطلعهم إلى الغد المشرق، وينطق بما تحتقنه دورهم المهمشة من فقر، وبؤس، ويأس، وألم حرون.؟ ألا يرسخ هذا لقاعدة الاغتراب الجماعي، ومعضلة التفاوت الطبقي.؟
قد كنت مغاليا في عدائي لأشباه العلماء، وأنصافهم، ولابسي بزتهم القشيبة، ومدعي مرتبهم الزكية، لأني حين تكونت لدي أول صورة للعالم الحقيقي، أو الرباني، كانت موسومة بالزهد في الملذات، والاستعفاف عن المباحات، والاستخفاف بالكماليات، إذ نشأت في محيط قدس العلم، ولو توهما، واحترم أهله، واصطحب ذويه، لأن أصول مشجر العائلة، قد ضمت في سلسلة نسبها علماء، وأولياء، وصلحاء، كانت لهم صولة في ميدان العلوم الدينية، والتربية الروحية، ولو لم يؤثر ذلك في الجيل الأخير بما يفيد الانتساب الحقيقي، ولم يفعل فيه فعل التاريخ، وفاعليته في الانتماء العرقي، واللغوي، والجغرافي.
ولا أنس إن نسيت ما أشرفت عليه من ذكريات الطفولة، ونقوشها التي انسبكت في عمقي، والتحمت بأمنياتي، أني شاهدت فقيه الزاوية المحصرية، وشيخها في أبهى حلة، وأطيبها خلعة. إذ كانت هالة جلسته يغشاها الوقار، ويلفها بياض المظهر، ويهذبها كلام قليل يدبر القرار، ويكسب المصير. شيء نقش في ذهني، ونحت في عقلي، ورسم في قلبي، ولأمر ما ترسخت جمالية هذه الصورة في روحي، وتوطدت في حردي نحو معالي آمالي، ولو تجاوزت ما تفجر في المحيط من بدع كابسة عن الماضي بمراحل طويلة، وفارقته بمسافات كبيرة، إذ ما تطلعت إليه من أشواق، وما استلهمته من أتواق، كان أكبر من أن أكون مقلدا لغيري في حدود معرفتي، أو متأثرا بقيم جربها من جربها بعزائم كسبه، وخبرها بما خاضه من ألم في تحرير رقبته، ثم صارت له طبعا، وطببعة، وسجية، لا ينفلت عن مقتضاها، ولا ينزوي عن حقيقتها.
ربما قد يكون الخلف منافيا للسلف في كثير من رسوم خصوصياته، ومنطلقاته، وغاياته، لأنه أصر على الاتزار بما يتزر به المناخ من رفاه لا بد منه في وقوع التنافس على المناصب السنية، وحصول التعالي بالمراكز الاجتماعية، لاسيما في زمن يدوس التاريخ فيه من لا عز ليومه، ولا مجد لماضيه، ولا فخر لغده، إذ البقاء على الصيرورة الممجدة بخلالها، وخصالها، والاحتماء بنوالها، وعطائها، لا يحتاج إلى قيمة التوريث للنسب، والحسب، لكي يحصل الابن على مكارم الآباء، ومناقب الأجداد، وإنما هي مرتبطة بسياق الذات، وحواضنها الثقافية، وفواعلها الاجتماعية، وظروفها في العطاء، والأخذ، وسلوكها في البسط، والقبض، لأن ذلك الكبد الشخصي في بناء السقف الفكري، والمعرفي، هو الذي يمنح الفرد قيمته المعنوية الخالدة، ويهبه القدرة على التوجيه، والإرشاد، والتبليغ، والقيادة، والريادة.
وإلا، فإن تدبير أمر الناس في منحاهم الروحي، وهو خلاصهم من أزماتهم النفسية، والعقلية، وفداءهم من أعراض الواقع، وفواجعه الفاتكة، ليس كتدبيرهم في جماعات متكاثفة، لها أنظمتها الثقافية، والاجتماعية، وأنساقها السياسية، والاقتصادية، لأن الأول يستوجب طاقة هائلة في رعاية الخلق بمقتضى ما وجدوا له في الأزل، وهيئوا له في الأصل، والثاني يستلزم قوة الحيلة في تدبير المستحيل، وتفعليه بما يضمن بقاء النظام في الحياة الآمنة، واستقرار سطوته، واستمرار سلطته.
ولهذا، لن تمسح هذه الصورة بمثاليتها، وواقعيتها، ولن تزال الذكرى من الذاكرة البريئة، ولو تجاهلت الألوان، وتجافت عن الأماكن، ولم يبق لها من خيط يربط عنقها بعقد موثق الصيغة، لكي يكون لسان الحال صادحا بالمدح، والمده، ومهما كان ذلك ضروريا في الإبقاء على وجاهة الصلة بيني وبين تاريخ عائلة انتفش فيها حب العاجلة، فلم تحم الذمام، ولم تق الذمار، وكان حتميا في استيجاب ما تدره الصفة من صلات، ومكاسب، ومجالب، ومغانم نتترس بها من صهد الواقع، وصعوبة الرزق الكريم، لاسيما وأني قد أفنيت عمر الشباب بين أزقة ملتوية، ونيات معقدة، وأفكار متذمرة، لم أكسب فيها إلا مزيد أنات، وآهات، وزفرات حرى، ولم أعثر فيها إلا على بضعة جماجم متهرئة، يذكرني رميم عظامها بالإنسان المنقرض، والمنتهي. لكن، لم يعش هؤلاء ما عشته من مخاض أليم، ولم يتأثروا بما تأثرت به من عوالم غامضة، فلم أعاند قيم ذاتي، لكي أصير كما يريدون، وأحيى كما يعشقون.؟
قد تكون الوجاهة مطلوبة في مجتمع فقد بوصلة الأخلاق الراقية، وضاعت منه قيم الروح الخالدة، واستحال وحشا كاسرا في صوته، وصمته. لكن، هل سيعود علي ذلك بشيء من النفع العميم، فأحس بنعومته في كياني المتشبث بتصورات أخرى، تستلهم قواعدها مما عشته من مخاض المشي بين القيعان الناعمة، أو مما ذاكرت به غيري من دروس التاريخ المنسي، أو الموءود، أو مما قرأته من كتب الرجال، والطبقات، والأعلام الذين عاشوا يومهم بشرا، وصوروا لنا في ليلهم ملائكة أطهارا.؟
لم يربكني أن ينبذني أهل المكان بالخذلان، أو أن يهجروني بالنسيان، وهم عائلتي الكبرى التي وجدت فيها قدرا، وهو محل تلادي، ومقر نسبة الرحم إلى هذا الكون المتغول في ذاتي، والمتوحش في لذاتي، إذ ما يحدث من أحداث اغتص بها الوجد في فؤادي، ولو بدا في صعقة الكدر نهاية مأساوية لزمن ضاع يين التفاهات، والغفلات، لن يكون مصيره كما أتخيله، أو كما يتوهمه غيري، لأنه إنذار إلهي مباشر، لا بد منه لتغير الحال، ورقي المآل، إذ ما لمسته من ضرورة الوقوف عند هذه المحطة العسرة، والانصراف عن الماضي الملتبس بين الحب، والكراهية، سيعيد السؤال طريا، ودويا، وسيحيي في نجود الذات أرضا مواتا، كانت في سالف عهدها آهلة للغرس، والزرع، ثم طال عليها الأمد بين فاتك الملمات، فأنبتت في خصبها حشائش سامة، وأعشابا ضارة.
فلا علي إذا رضيت بالنتيجة الشاحبة، وقبلتها على شدة مرارتها، وحرارتها، ولو كانت هزيمة في العقل المادي، وانتكاسة عند من يدرك الصورة من أعراض خارجها، ولم يعرف ما تكتنزه في غورها من ظلال سجينة، وأفياء دفينة، إذ ما أحرزته من نياشين لامعة، وشارات بارقة، كان مغريا للعيون المتوثبة إلى النعمة، والامتياز، والحظوة، والخطوات المقبولة، لكني، وبكل ما تحوزه الكلمة من دلالتها الحقة، فقدت في ذلك كياني، ومنتهى أحلامي، ومشتهى آمالي، لأن رغبتي لم تكن أن أصير راهبا في دير معلول بأغراضه المتناقضة، أو أن أكون قديسا تعلو وجهه كآبة التاريخ المزيف، ومظلومية الإنسان المستضعف، واختلالات علاقاته المتشنجة مع العلم، والمعرفة، والحضارة، إذ كوني عالم دين مؤهلا لتدبير عقول العامة، والترويض لأشجانهم المكبوتة، لا يعني سوى أنني ضيعت بشريتي فيما تقمصته من ألوهيتي، وفقدت سمو مرادها في تجاوز لحظات سقوطها، وانكسارها، ونزلت عن مصارعة كسل كبدها في تحصيل المعاني الوجدانية، والمقامات المعنوية. فهل كنت أنا، أو غيري، قمينا بأن يجسد فراسة ابن رشد، وابن مسرة، وشكيمة البورغواطيين، وأبي دميعة السملالي.؟
ربما كان من لازم الانتساب إلى دائرة العلماء، والفضلاء، أن نمثل هذا التاريخ بصدق، ونجسده بحق، ونفي لما نطق به من روح الكون، وصوت الطبيعة، لكن، كان ما كان، ثم صار العلم شارة لماعة على رؤوس المتزلفين، والمتملقين، وشية على وجوه المرجفين، والمغرضين، لأن ما آل إليه دوره في حماية الحقيقة، وانتهت إليه صياغة جماله، ورعاية كماله، لا يشاكل ما كان عليه بالأمس القريب، إذ استحال متعة مسلوبة من معناها، ومحرومة من محتواها، وغدت دائرته بلا تتميم للبناء الرصين، ولا تأسيس لقواعد المعرفة، والحضازة، بل أهيل التراب على سورة ذلك العقل الفذ الصولات، ودفن في قبر مهجور الزيارات، لئلا يصحو من سباته، وينهض من كبوته، ثم يعود إلي ترميم ذاته، وتسلم مركزه في دورة الزمان، وصيرورة المكان. فلم لا أعتبر ما حصل خلعا لكسوة العلم التي لبستها في زمن الالتباس، لعلي أن ألبس صفاءها في حيرة ذاتي، وفي سآمة فراغي، وفي كدر فقري، وفي بؤس انحسار وجه الحياة عن سبيل وداعة رزقي، ونظارة حظي من العيش الحر، والكريم.؟
ربما، لا يعيبني أن أفارق مهاد ذلك العهد، ولا أن أقطع شطن ذلك الود، ما دمت لم أعش إلا خارج كياني، وبين متاهات هويتي، ولم أصل في مواجهتي إلا إلى ظلمة وحشتي، وجفوة خلوتي، إذ لو رضيت أن أكون عبدا لرؤساء جهالا، خالوا العلم قبعة، وبرنسا أبيض، وجلبابا مزركشا، وهرطقات لا يصح منها كلام سوى ما يبدعون فيه من تلوين، وتزيين، لوصلت إلى كثير مما لا تقع عليه أعين المسفسطين بمخازي الإنسان، وسقوطه في حرب شهواته الساقطة. لكن ذلك المرام، لم يكن رغبة كامنة في الذات التي أبت الخنوع للأيدي الطويلة، وأنفت من أن تكون حاوية لأوساخ الصدقات الممنونة، لكي أذوذ عنها، وأحميها بما أعبده من طرق الرغبات الخاسئة، إذ ذلك لا يتطلب كمال ملكات الالتزام بالقيم النبيلة، ومهارات القول الملتزم بصفاته الذاتية، وحقائقه التعبيرية، والتواصلية، بل يقوم بالفرض في وجود صيغته الرديئة، ما يظهر استواء صورة الظاهر في المظاهر العامة، ولو انطوى الباطن على نيات فاسدة، ونزوات فاتكة، لأن ما ينسحب عليه الحكم في الدائرة المتحيرة بين أصالتها، وحداثتها، لاسيما حين يصير العرف متحكما بغلوه فيما يجسد الصورة، ويحدها بصفاتها، وسماتها، هو ما تصح به صلاة الجسد في البارز للعيان، وتنال به المكانة من طقوس مقيدة بالقول، والفعل، لا يمكن الخروج عنها قيد أنملة، وإلا اتهمت ديانة العالم، وعدالته، وأقيمت محاكم التفتيش على رأيه، وموقفه، إذ لو كان ما تآلف عليه الأدب في زمرة المتقدمين، هو المرعي في نيل صياغة العقد الرابط بين العلم، وأهله، وبين أهله، والعامة، لما حج الناس إلى قلائل من العلماء، تقام بهم التكاليف في الصورة، وتعاد بهم الصولة، وتنال بهم المنزلة، لكن هزلت أطعمة موائد العلم في زمن يستبطن الطمع، والجشع، وغدا الأكل منها جوعا، وعطشا. فلم لا يخفي العالم غلمة شهواته الحارقة، لكي يفري بشبهه أوداح رغباته الحقيرة، وينالها بلا رعاية لمقتضيات الأمانة.؟
ليس لي من دليل أقيمه على تجاوز المكان لحده، وتعديه لمداره، إلا ما شهدته من انتشاء بالمناصب، واستعلاء بالمراكز، ولو حرفت مقتضيات اللغة البريئة للعلم، والعالم، لأن تكالب العلماء على فتات الموائد المترعة بدسم الملذات الشهية، قد أغرق العالم في حروب طاحنة، وأفسد صلة الإنسان بالإله، وبالدين، وبالتاريخ الإنساني. وهل ما قتل من دماء بريئة في الكون البشري، إلا نتيجة حتمية لفتاوى ساقت هذا الكائن الناطق إلى محرقة، ومهلكة.؟
ربما قد كان من شؤم الطالع، وبؤس الأنواء، وخزي الزمان، وجبت المكان، ما رأيناه من فئام كانوا دعاة فتنة، ودمار، وخراب، ثم قادتهم إلى قيادة العلماء ظروف غامضة، وغائرة، لا يعرفها إلا من أدرك كيف يحارب الدين بالدين، وكيف يصرع رجاله برجاله، وكيف يسيء أبناءه إليه بأبنائه. كل ذلك، قد أبصرته، وأدركته، ولو كان مختبئا خلف شعارات عريضة، ويافطات حقيرة، لأن تسييس الدين بدعوى الإصلاح الديني الذي ورد علينا إكراهه من خارج أوطاننا العربية، ومأسسة وظيفته الاجتماعية، ومحاصرة دور العلماء الداعين إلى قيم الحرية، والعدالة، والمساواة، لم يكن إلا سبيلا لانتقاء هذه الدمى الجامدة الإحساس، واختيارها، وإضفاء الشرعية على تناقضاتها، وارتباكاتها، إذ لو كانوا صرحاء مع ذواتهم، ومنطقيين فيما يقولون قديما، وحديثا، لما حادوا قيد أنملة عن عهودهم، وذممهم، ولما مالوا عما قدموا له دنياهم، وباعوا من أجله آخرتهم، لأنهم كانوا سببا في إرهاق أرواح هادئة، وإزهاقها بفتاواهم الملتبسة، وإحراقها بفكرهم السطحي، وإلقائها بين نيران لا يعرف مدى المحق فيها من المبطل.
فكيف يسمى ما عادوا إليه بعد المراجعات المزعومة صوابا، وكيف ينسى أثرهم السيء على الدين، ورموزه، ودماء الناس لا تهراق بالشبهة، والاشتباه.؟ لو كانوا صادقين فيما يدعون من حماية الشريعة، لأعلنوا أمام الملأ أنهم كانوا ضالين، ومضلين، ولاعتذروا لآباء المقتولين في شرق الدنيا، وغربها. لكن فعل السياسة العالمية، وقيمها البرغماتية، لا تأبه بروح المقتول غيلة، ولا بزناد القاتل ظلما، بل تتحصن بهؤلاء الخارجين، والمارقين، لكي تحمي بيضتها، وتقي واقعها من التشظي، والشتات. وذلك لا يكفي في تبرئة ذمة هؤلاء الفتانين، بل كان من لازم القضية أن يحشروا إلى مزبلة التاريخ، وأن ينفضوا من عموم المجتمع، وأن يداسوا بخفاف اللعنة، إذ توبتهم للدول التي انتفشوا فيها غرورا، وكبرياء، لا يعني فكاك ذمتهم مما اجترحوه في حق العقل الإنساني، واستقراره، واستمرار دوره الذي هيئ له أزلا، ووجد له في الطبيعة. وإلا، فإن إضفاء صفة العلماء عليهم، يضر بالعلم، وأهله، ويميت الحق، ويحيي الباطل، ويسعف البطالين بادعاء الصفات، وانتحال المقامات.







اخر الافلام

.. منزل عائلة فلسطيني متهم بقتل جندي إسرائيلي يواجه الهدم


.. ماذا يعني بريكست بلا اتفاق؟


.. غريفيث يقدم مقترحات لطرفي النزاع اليمني




.. أحجية الحكومة اللبنانية.. تشكيل لا تشكيل


.. قوائم التطرف الفرنسية.. أمن متفلت ومتطرف هارب