الحوار المتمدن - موبايل



قوة الأفكار وتواضع الأسلوب في رواية -صوت- إبراهيم غرايبة

رائد الحواري

2018 / 9 / 25
الادب والفن


قوة الأفكار وتواضع الأسلوب
في رواية "صوت"
إبراهيم غرايبة
نجد في هذه العمل معرفة هائلة عند الراوي، حتى أننا نجد أنفسنا امامها مبتدئين، وما زالت طريقنا إلى المعرفة طويلة جدا، هناك كم وتنوع في المعلومات التي يقدم وهي بالتأكيد ثروة معرفة مهمة وضرورية لأي قارئ، وهذا ما يحسب لهذا العمل، فيكفينا أن نستمتع بالمعلومات وبالطريقة التي قدمها الكاتب.
وهذه المعرفة لا تقتصر على الأحداث فحسب، بل نجد الراوي يقدمنا من عالم الأفكار كما هو الحال عندما يحدثنا عن الجمال فيقول: "كأن الجمال هو المورد الذي تتنافس عليه الناس، فالمقعد الذي تصنعه لا يشكل الخشب والجهد المبذول فيه سوى نسبة ضئيلة من قيمته/ ولكن معظم قيمته مردها إلى الجمال في تصميمه وفكرته" ص14، وهذا ينم على أن الكاتب يرتقي بفكره إلى مصاف الفلاسفة، فمن يصل بتفكيره إلى هذه الدرجة بالتأكيد هو مفكر.
ويدثنا عن مفهوم الزمن وطبيعة العصر فيقول على لسان الجد "سالم": "ولكنه الوعي الذي يتأخر عن الواقع، تماما كما تأخر وعينا للثورة الصناعية، كان البارود كافيا قبل خمسمائة سنة للسيطرة على العالم، واليوم بيد الأفراد والجماعات كميات منه أكثر ونوعية أقوى مما كان لدى إسبانيا والبرتغال في القرن الخامس عشر، ولكنه لم يعد مفيدا كما كان من قبل" ص27، وهذه الفكرة مهمة جدا لكي نحكم على الأمور من خلال الزمن والظرف والعصر الذي كانت تجري فيه الأحداث، وليس من خلال وقتنا/عصرنا الآن، لأن يمثل اختلال في الموازين وتشويه للواقع/للحدث الذي كان.
نجد عنده معرفة وقدرة على تحليل وتلخيص الروايات العالمية كما هو الحال عندما أخبرنا عن رواية "الكيميائي" " لباولو كويلو" فيقدم لنا أهم الفكرة الأهم في الرواية والتي جاءت بهذا الشكل: " إذا بقيت هنا ستتحول إلى تاجر وشخص عادي وتفقد سرد، ولكن إذا تعبت حلمك فستتعرف أسرارا كثير" ص52و53، فالراوي يحرص على تقديم الأفكار التي تقدم المتلقي إلى الأمام، وتجعله يتجاوز المألوف والعادي والمتاح.
ونجد هنا سرد تاريخي عن عمليات إعدام الكتب كما هو الحال عندما قال: ط وفي القرن الخامس قبل الميلاد أحرقت كتب بروتاغودراس في أثنينا، وفي القرن الثالث قبل الميلاد أمر الإمبراطور الصيني شيهوانع تي باحراق جميع الكتب في البلاد" ص63، وهذه المعلومات بالتأكيد تنم على المعرفة التاريخية عند الراوي، فهو متعمق وواسع المعرفة بحيث نجده يقدم معلومات وأفكار في العديد من المواضيع وعبر العصور المتعاقبة.
ويقدم فكرته عن الهجرة التي اصبحت أهم وسيلة لخلاص المواطن في المنطقة العربية من البؤس فيقول عنها: "الهجرة في الأساس وسيلة للبحث عن الأفضل والخروج من أزمات تكبلنا" ص78، وإذا الهجرة وسيلة، وليست غاية، وهذا ما يجب أن نفهمه منها.
وما يلفت النظر أن الراوي يستخدم الآيات القرآنية بإسهاب في الرواية، حتى أننا نجد آيات متتابعة ومتلاحقة في نفس الفقرة، كما هو الحال في هذا المقطع: "(وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) (ولا تكنوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون) ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع) ( ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون) ( إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم) ( إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا) ( إنهم عن السمع معرضون) ى( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) (قال كلا فاذهب بآياتنا أنا معكم مستمعون)" ص69، واعتقد ان هذا الكم من الآيات وبهذا الشكل يرهق لنص الروائي ويبعده عن طبيعة الرواية، فيبدو لنا وكأننا أمام خطبة رجل دين، يستخدم كل ما يحفظه من آيات بطريقة فجة.
إذن هناك فجوة بين المعلومات والأفكار الرائعة التي يقدمها السارد وبين طريقة وشكل وأسلوب كتابة الرواية، فهو يعترف لنا بهذا الخلل في بنية الراوية عندما قال: "...وكانت النتيجة ليست روايتي ولكنها رواية كريم وسلمى، وربما كان كريم السارد الرئيس وتشاركه سلمى، وربما لم تكن رواية بالمعنى السائد للرواية، ولكنها رواية بالتـأكيد من حيث أنها تصف عملية تشكل أقرب إلى الخلق، أو أنها إعادة تكوين لشخصين... وربما لو كتبها كريم بنفسه وهذا ما كنت أفضله لجعل بطلها الرئيس هو الصوت وحوله شخصيات أخرى كثيرة ترافقه أو تتولد عنه، الكلمة والقراءة والاستماع والحمة والبصيرة والشك والحيرة والزمان والفضاء والصمت والتأمل" ص41، اعتقد أن يشير بطريقة أو بأخرى إلى عدم اقتناع السارد بهذا الشكل من الراوية، فهناك خلل في بنيتها، فمثلا الجد "سالم" الذي تحدث بروح الجدلية في الماركسية عندما قال: "نحتاج إلى ماركس جديد" ص24 يفقد دوره تماما ولا نجد رابط أو تفسير منطقي أو عقلي وحتى خيالي يبرر وجود المجلدين " على جهاز الحاسوب بعد موته، ولم يكن لهما علاقة مقنعة لنا بمجرى الأحداث.
لهذا نقول بأننا أمام أفكار مهمة ومفيدة وضرورية، وقدمت بشكل جميل وسلس لكنه ليس شكل الراوية، فهل هذا يقلل من اهمية (الراوية) أو من أهمية السارد،؟ أعتقد أن الاتفاق على الشكل تسمية النص الأدبي ليس مهما بقدر حصول المتلقي على المتعة أولا، ثم على المعرفة ثانيا، ثم على الإثارة والتوقف عند ما قُدم، واجزم أن السارد أستطاع أن يحقق كل ما سبق، وهذا كاف لجعلنا نقول اننا امام عمل أدبي جميل.
الرواية من منشورات دار سيرين للنشر والتوزيع، عمان الأردن، الطبعة الأولى 2007.







اخر الافلام

.. مغني الراب الأمريكي سنوب دوغ يحظى بنجمة على جادة المشاهير في


.. إنطلاق الدورة 40 لمهرجان القاهرة السينمائي


.. شاهد: تألق النجوم على السجادة الحمراء في افتتاح مهرجان القاه




.. وزيرتى الثقافة والتضامن يلتقطون صور مع ذوى الاحتياجات الخاصة


.. فنانين وأزواجهم على السجادة الحمراء بمهرجان القاهرة