الحوار المتمدن - موبايل



مس بيل وتأسيس العراق

ميسون البياتي

2018 / 9 / 26
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


إسمها الكامل : جيرترود مارجريت لوثيان بيل ، وهي حامله لوسام الإمبراطوريه البريطانيه . ولدت عام 1868 في بريطانيا وماتت منتحره في بغداد عام 1926 وكانت كاتبه ورحاله وموظفه سياسيه , ومديرة , وعالمة آثار . إستكشفت ورسمت خرائط كثيره وأصبحت مؤثره في رسم السياسه البريطانيه في العراق من خلال سفرها وعلاقاتها في الشام والعراق والأناضول والجزيره العربيه , وقدمت خدمات جليله الى العائله الهاشميه في كل من الأردن والعراق , وكانت سيده محترمه ومحل ثقة الجميع

تميزت شخصيتها بالطاقة ، والفكر ، والعطش للمغامرة التي شكلت طريقها في الحياة. كان جدها لوثيان بيل كان عضواً في البرلمان ، وهذا ما شجع فضولها لإكتشاف لعالم ، والإشتراك في وقت لاحق في السياسة الدولية . توفيت والدتها عندما كانت بيل ف 3 من العمر لهذا إقتربت من والدها وأخذت عنه الكثير من إستقلالية شخصيته

حصلت جيرترود بيل على شهادتها من جامعة أكسفورد في سن 17 عاماً بمرتبة الشرف الأولى . ولم تتزوج طيلة حياتها ولم يكن لها أطفال , أصبحت صديقه للحاكم البريطاني على سنغافوره في العام 1903 وإستمرت المراسله بينهما حتى عام 1909 ومنذ العام 1913 دخلت في علاقة عاطفيه مع الميجور تشارلز دووتي _ ويلي إستمرت حتى مقتله في معركة غاليبولي بين بريطانيا وتركيا , بعدها إنطفأت عاطفياً وغمرت نفسها بالعمل حتى موتها


خال المس بيل كان يعمل سفيراً بدرجة وزير في طهران زارته بعد نهاية الجامعه ووصفت رحلتها في كتابها ( الصور الفارسيه ) 1894 ثم سافرت الى سويسرا وطورت قبلياتها في علم الآثار واللغات , وقد أصبحت تتقن اللغة العربية والفارسية والفرنسية والألمانية والتركيه والإيطالية . عام 1899 زارت فلسطين وسوريا . عام 1900 رحلت من القدس إلى دمشق للتعرف على حياة الدروز ثم سافرت الى نجد والحجاز 6 مرات خلال 12 عام التاليه

نشرت ملاحظاتها عن الشرق الأوسط في كتاب ( سوريا: الصحراء و البذور) الذي نشر عام 1907 وفي نفس العام سافرت الى الدوله العثمانيه وعملت في التنقيب عن الآثار مع السير وليام رامزي

في 1909 ، جاءت الى بلاد الرافدين وزارت بابل والنجف . عام 1913 سافرت 1800 ميل من دمشق الى منطقة حائل وعادت منها الى بغداد ثم الى دمشق . عام 1927 وبعد عام من وفاتها نشرت زوجة إبيها مجلدين ضخمين من المراسلات وبالمعلومات الدقيقه جداً بين المس بيل ووزارة الخارجيه البريطانيه حول تنقلاتها هذه في الشرق الأوسط التي سبقت الحرب العالميه الأولى

في وقت لاحق من الحرب طالبتها المخابرات البريطانية الحصول على جنود متطوعين من الباديه وحتى وفاتها كانت المرأة الوحيدة التي تملك السلطة السياسية والنفوذ في تشكيل السياسة الإمبريالية البريطانية في الشرق الأوسط . 1915 إستدعيت الى القاهره فقابلت ت. إي . لورانس الذي كان زميلاً لها في جامعة أوكسفورد حيث تم تعيينهما في مقر مكتب المخابرات البريطانيه في القاهره عام 1915 فساهمت في إعداد التقارير عن مواقع القبائل العربيه في الشرق الأوسط لبناء تحالف معهم ضد الدولة العثمانيه

في 3 مارس 1916 تم إرسال بيل الى البصرة التي استولت عليها القوات البريطانية في نوفمبر 1914 لتقديم المشورة إلى المسؤول السياسي بيرسي كوكس فيما يتعلق بمنطقة كانت تعرفها أفضل من أي غربي آخر . وضع لها كوكس مكتباً في مقره حيث كانت تعمل يومين في الأسبوع لأنها لم تكن في القيادة العامة لقوات الدفاع في البصرة . رسمت خرائط لمساعدة الجيش البريطاني الوصول إلى بغداد بأمان . فحصلت على لقب ( ضابط الإرتباط مراسل القاهره ) فكتبت من البصره الكثير من التقارير الى جون فيلبي في القاهره

بعد أن استولت القوات البريطانية على بغداد في 10 مارس 1917 استدعيت بيل من قبل كوكس إلى بغداد ومنحها لقب ( السكرتير الشرقي ) ومع انتهاء تفكيك الإمبراطورية العثمانية بعد نهاية الحرب في 1919 تم تعيين بيل لإجراء تحليل للوضع في بلاد ما بين النهرين بسبب معرفتها وعلاقاتها مع القبائل في المنطقة وكانت لديها أفكار قوية حول القيادة المطلوبة في العراق . أمضت الأشهر العشرة التالية في كتابة ما اعتبر فيما بعد تقريرًا رسميًا متقناً موجود في المكتبه اليوم بعنوان ( تقرير مصير بلاد ما بين النهرين ) . كان لدى المفوض البريطاني في بلاد ما بين النهرين ، أرنولد ويلسون ، أفكار مختلفة حول الكيفية التي ينبغي أن يدار بها العراق ، مفضلاً أن تكون الواجهه حكومة عربية تدار من قبل المسؤولين البريطانيين الذين سيحتفظون بالسيطرة الحقيقية

في أكتوبر 1920 طلب منها بيرسي كوكس العودة إلى بغداد والاستمرار في العمل كسكرتيرة شرقية ، بوصفها جهة الاتصال مع الحكومة العربية المقبله . لعبت جيرترود بيل دور الوسيط بين المسؤولين البريطانيين وبين مختلف مجموعات العراق ، بما في ذلك أغلبيه شيعية في الجنوب ، وأغلبيه سنية في الوسط ، وأغلبيه كرديه في الشمال ، وكان الحفاظ على هذه الجماعات موحدة أمر ضروري لتحقيق التوازن السياسي في العراق والمصالح الإمبريالية البريطانية . لم يقتصر أمر احتواء العراق على موارده في النفط فحسب ، بل موقعه الإقليمي بين سوريا وتركيا وايران ونجد والكويت أهم من ثروة النفط

في معمعة الحرب الأهليه الروسيه قررت الدول ال 16 المشاركه في هذه الحرب الجلوس الى مائدة مؤتمر سان ريمو 1920 للحد من شدة خلافاتهم . عام 1921 وعلى هامش سان ريمو عقد مؤتمر آخر لتسوية الإشكال البريطاني الفرنسي حول نفوذ كل منهما في سوريا والعراق فعقد بينهما مؤتمر في القاهره 1921 وتم فيه توقيع معاهدة الإستبدال . فصار العراق والأردن تحت حكم بريطانيا , سوريا ولبنان تحت حكم فرنسا . فلسطين تحت إدارة دوليه لم تحدد وقتها لأن بريطانيا رفضت وقتها مغادرة فلسطين , بعد نهاية الحرب العالميه الثانيه وبسبب مديونيتها العاليه للأمريكان بسبب الحرب وافقت على ( تقسيم ) فلسطين ثم دمجت حصتها من فلسطين مع إمارة شرق الأردن , التقسيم ظاهراً كان بين العرب واليهود لكن حقيقته أنه بين الأمريكان والبريطانيين

عندما أصبحت سوريا كلها تحت الحكم الفرنسي خلعت بريطانيا الملك فيصل البريطاني عن حكم سوريا , فحملته بريطانيا وصدرته ملكاً على العراق . عند وصول فيصل في عام 1921 الى العراق كانت المس بيل هي مرشدته في قضايا كثيره لا يعرفها عن هذا البلد , كما إختارت له طاقمه الوزاري ثم أشرفت على اختيار المعينين لشغل المناصب القيادية في الحكومة الجديدة

يشار إليها من قبل العرب باسم ( الخاتون) ومعناها سيدة الحكمه , وهي التي عرّفت فيصل على زعماء العشائر العراقية في بداية عهده , كانت بيل في أوائل عشرينيات القرن العشرين جزءًا لا يتجزأ من إدارة العراق

استعمل النظام الملكي الهاشمي الجديد العلم الشريفي الذي كان يتألف من شريط أسود يمثل الخلافة العباسية وشريط أبيض يمثل الخلافة الأموية وشريط أخضر للأسرة الفاطمية ومثلث أحمر فوق الأشرطة الثلاثة التي ترمز إلى الإسلام . فأشارت بيل الى أن هذا العلم يجب أن يكون خاصاً بالعراق عن طريق إضافة نجمة ذهبية إلى التصميم . إستمر علم العراق بنجمة واحده حتى تأسيس الإتحاد الهاشمي بينه وبين الأردن فتحولت النجمه الى إثنتين

توج فيصل ملكًا على العراق في 23 أغسطس 1921 ، لكنه لم يُرحب به لأن العراقيين رأوا فيه شخصاً غريباً عنهم وبقيت المآذن تلهج بالدعاء لسلفه العثماني حتى بعد إنقضاء 3 سنوات على حكم فيصل . وكان هو مخلوعاً من سوريا ومتشبثاً بعرش العراق ويصرح دائماً : أنا سند للسياسه البريطانيه , مما يجعل تطوير علاقته مع العراقيين أمراً صعباً للغايه . كان العمل مع فيصل شاقاً الى الحد الذي جعل بيل تقسم أن لا تشارك في صنع ملك آخر

من إنجازات المس بيل عام 1919 على مستوى الثقافه ، أنها أسست أول مكتبة عامه في بغداد ، وخدمت كرئيسه للمكتبه في الأعوام 1921 , 1924 وكان إسم المكتبه هو ( مكتبة بغداد السلام ) مكتبة خاصة تعير الكتب لمشتركيها ، عام 1924 تم الاستيلاء على المكتبه من قبل وزارة التربية والتعليم وأصبحت معروفة باسم مكتبة بغداد العامة , في عام 1961 ، أصبحت هي المكتبة الوطنية العراقية

من إنجازات المس بيل الثقافيه تأسيس نواة المتحف العراقي من بعض التحف التي تم العثور عليها أثناء التنقيبات , افتتح المتحف رسمياً في حزيران 1926 قبل وقت قصير من وفاتها . بعد وفاتها وبأ مر من الملك فيصل الأول تمت تسمية الجناح الإيمن من المتحف بإسم : جناح المس بيل

عندما عادت بيل لفترة وجيزة إلى بريطانيا في عام 1925 ، واجهت مشاكل عائلية واعتلال الصحة . بدأت ثروة عائلتها في الانخفاض بسبب بداية إضرابات ما بعد الحرب العالمية الأولى والكساد الاقتصادي في أوروبا . عادت إلى بغداد وسرعان ما تطور لديها إلتهاب ذات الجنب عندما استعادت صحتها قليلاً سمعت أن أخاها الأصغر مات بسبب التيفوئيد , وكانت هي مصابة بالكآبه منذ مقتل حبيبها الميجور تشارلز دووتي _ ويلي في الحرب

في 12 تموز 1926 تم اكتشاف جثتها ميته بسبب جرعة زائدة من الحبوب المنومه . هناك الكثير من الجدل حول وفاتها ، كانت الجرعة الزائدة انتحارية مقصودة أو عرضية لا أحد يدري , لأنها طلبت من خادمتها أن توقظها . تم دفنها في المقبرة البريطانية في منطقة الباب الشرقي ببغداد . وكانت جنازتها حدثاً كبيراً ، حضره زملاؤها والمسؤولون البريطانيون وملك العراق . وقيل أن الملك فيصل الأول تابع من شرفته الخاصة المسيرة التي تحمل نعشها إلى المقبرة







اخر الافلام

.. ترامب يشكر السعودية بشأن انخفاض أسعار النفط


.. الجيش اليمني يحاصر معقل الحوثي ويقطع الإمداد عن صعدة


.. البصريون ينتظرون الحلول من الحكومة




.. البصريون ينتظرون الحلول من الحكومة


.. داعش يحاول هيكلة تنظيمه عبر ولايتي الجزيرة والجبل