الحوار المتمدن - موبايل



مناظرة قوى الحرب الروسية بنظيرتها الأمريكية

فؤاد النمري

2018 / 9 / 29
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


مناظرة قوى الحرب الروسية بنظيرتها الأمريكية

تطورت الأمور في سوريا قبل أسابيع قليلة مما استدعي بعض المراقبين إلى عقد مناظرة بين قوى الحرب الروسية بنظيرتها الأمريكية ورغم جهلي التام بالشؤون الحربية والعسكرية غير أن اثنين من أدعياء التحليل العسكري فاجآني بما ادعياه من تحليل استراتيجي .
كتب أحدهما في عموده اليومي في إحدى الصحف العربية يقول لا تناظر بين القوتين لأن الإقتصاد الروسي لا يناظر الإقتصاد الأمريكي . كان يمكن لهذا المحلل أن يقول نفس الشيء في العام 41 بين الاقتصد السوفياتي من جهة والإقتصاد البريطاني من جهة أخرى لكن قوى بريطانيا الحربية فقدت كل تناظر مع القوى السوفياتية ؛ فأقصى ما استطاعت بريطانيا تجنيده في الحرب هو 400 ألف جنديا نصفهم من المستعمرات وبأسلحة قديمة بينما جند الإتحاد السوفياتي 16 مليون جنديا بأسلحة تفوقت على الأسلحة الألمانية الحديثة . كما اعترف قادة بريطانيا بفضل الاتحاد السوفياتي في الحفاظ على حرية شعوب بريطانيا في مواجهة النازية .
ثم لا يعي هذا المحلل الاستراتيجي أن الحرب العالمية القادمة لن تكون حرب جيوش ومدافع ودبابات بل ولا حتى طائرات، إنما ستكون حرباً نووية وصواريخ عابرة للقارات وإذا ما بدأت الحرب الساعة 7 صباحا فستنتهي قبل الساعة 8 صباحاً وقبل أن تتحرك دواليب الإنتاج ؛ وبذلك لا يلعب الإقتصاد أي دور في تقرير نتيجة الحرب .

أما المحلل الاستراتيجي المتخصص بالشؤون العسكرية بدرجة الدكتوراه فقد قرر أيضاً من إحدى القنوات العربية فقدان التناظر بين العسكرية الروسية والعسكرية الأمريكية حيث الأخيرة تمتلك قواعد حول العالم بينما العسكرية الروسية لا تمتلك إلا قاعدة واحدة في سوريا .
هل ظنّ هذا المحلل الاستراتيجي أن الروس أقاموا القاعدة في حميميم لتهاجم أميركا أو إحدى قواعدها رغم أنه هو نفسه لا يظهر على التلفزيون إلا ليشير إلى نشاط الروس في حميميم في دك المدن السورية بمختلف وسائل التدمير ؟ وهل يعتقد هذا المحلل الاستراتيجي أن الأميركان أقاموا قاعدة العيديد في قطر لضرب روسيا من قطر ؟
ألم يتعلم هذا الدكتور أن تشتيت القوى من شأنه أن يضعفها، وفي الحرب النووية القادمة ستلعب الجغرافيا دورا يكاد يكون حاسماً، فطول الجغرافيا الأميركية لا يزيد على 3 آلاف كيلومتر بينما طول روسيا الاتحادية وحدها يصل إلى أكثر من ثلاثة أضعاف طول الولايات المتحدة . لا بد أن ستالين كان يعتقد فيما إذا هزمه هتلر في معركة موسكو سيهزم هتلر في سيبريا وإلا فسيهزمه في فلاديفستوك على شواطئ المحيط الهادي بعيدة عن موسكو أكثر من 9 آلاف كيلومتر
ضرب منطقة يتواجد فيها مركز إدارة العمليات الحربية الأميركي برأس نووي واحد من شأنه أن يشل القواعد العسكرية الأمريكية في مختلف أنحاء العالم والتي لم تبنَ أصلاً لمهاجمة الإتحاد السوفياتي الشيوعي بل لحماية الأنظمة المحلية وكبح قواها التقدمية كيلا تنتقل إلى الإشتراكية .
الحروب الكونية الكبرى لا تنتهي إلى توزيع مناطق نفوذ بين الأطراف المتحاربة بل إلى أن تكون أو لا تكون . في الحرب العالمية الأولى تلاشت ثلاث امبراطوريات كبرى، الجرمانية والعثمانية والنمساوية ؛ وفي الحرب العالمية الثانية تلاشت الإمبراطوريات الرأسمالية، الفرنسية والبريطانية والأميركية التي استمرت في حالة نزاع حتى لفظت أنفاسها في السبعينيات .

إلى هنا وما سبق القول فيه إن هو إلا مجرد ملاحظات من شيوعي لا علاقة له بالحرب وبالشؤون العسكرية، لكن بيت قصيده هو علاقة النظام الاجتماعي بالحرب .
الخطأ الحدي الشائع بين الشيوعيين هو أن النظام الرأسمالي ينتج الحرب بطبيعته . هذا صحيح بحدود فالنظام الرأسمالي عندما ينتج الأسلحة لا يعود رأسماليا حيث النظام الرأسمالي عندما يقوم مرغماً بإنتاج وسائط الحرب لا يكون رأسمالياً بنفس الوقت . القاعدة الرئيسة للنظام الرأسمالي هي تحويل قوى العمل إلى بضائع وسلع ذات قيمة استعمالية في حياة الإنسان أما إنتاج الأسلحة فهي ليست بضاعة ولا تخدم حياة الإنسان بل تنفيها . والنظام الرأسمالي لا ينتج الأسلحة إلا حين يتعطل ولا يعود يعمل بسبب الكساد في السوق . وهكذا فإن إنتاج الحرب في النظام الرأسمالي هو العلاج الشافي لعلة بنيوبة من شأنه أن يعيده للعمل بكل طاقته السلمية في الإنتاج واستغلال العمال لتحصيل فائض القيمة الذي لم يكن يحصله في الإنتاج الحربي . لعل الرأسمالي يحقق أرباحاً وفيرة في الإنتاج الحربي لكن ذلك يقطع عليه عمله الدائم في تحصيل فائض القيمة وهو التجارة المريحة والدائمة للرأسمالي .
العبور الإشتراكي مقابل ذلك هو ضد الإنتاج الحربي وذلك ليس لانتفاء كل علة فيه فقط بل لآنه أيضاً يتميز باستعدادة التام المفاجئ في التحول الكلي لإنتاج الحرب بسبب مركزيته الشاملة . في العام 1941 وصلت جيوش هتلر إلى حواف موسكو بسب النقص في الأسلحة كمّاً ونوعاً ونقص في الدربة العسكرية، وفي العام 43 كان الإتحاد السوفياتي ينتج أسلحة ثلاثة أمثال ما تنتجه المانيا والدول التابعة ويطارد قطعان الهتلرية في كل الجبهات .
بدأ التحول من الإقتصاد الإشتراكي إلى الإقتصاد الحربي في الإتحاد السوفياتي في العام 39 وقد بدأ التحالف النازي الفاشي الإمبريالي ينسج في مؤتمر ميونخ 38 مؤامرة كبرى ضد الدولة الإشتراكية الوحيدة في العالم والتي كانت قد هزمتهم في العام 21 . في العام 51 أي بعد اثني عشر عاماً من سيادة اقتصاد الحرب بادر ستالين إلى رسم التحول من اقتصاد الحرب إلى الإقتصاد الإشتراكي المنافي تماما للإقتصاد الحربي وبدأ بتطبيق الخطة الخمسية الخامسة التي كان هدفها المعلن رفع مستوى حياة السوفياتيين وغير المعلن وهو استعادة قبضة البروليتاريا القوية على قيادة الدولة بعد أن كانت قد وهنت بسبب الحرب والخسائر الهائلة التي لحقت بالبروليتاريا تحديداً . دعا ستالين إلى المؤتمر التاسع عشر للحزب في أكتوبر 52 بعد انقطاع استمر ثلاث عشرة سنة حيث وافق الحزب على الخطة الخمسية ولم يوافق على طلب ستالين بإزاحة كل أعضاء القياد وإحالتهم إلى التقاعد . ثلاثة من أعضاء القيادة نجحوا في اغتيال ستالين بالسم أثناء العشاء معه في 28 فبراير شباط 53 طمعاً في الحلول محله بعد أن أكد أنه قريباً سيحيلهم إلى التقاعد وهم بيريا ومالنكوف وخروشتشوف لكنهم كانوا صغارا لا يمكنهم الحلول محل ستالين أعظم القادة في كل العصور حسب تشيرتشل . القوة الثانية بعد ستالين كان الجيش وليس الحزب . كان أول قرار اتخذه الجيش هو وقف تحويل الإقتصاد الحربي إلى اقتصاد مدني اشتراكي ولذلك أرغم الحزب على اتخاذ قرار خارج قدراته في سبتمبر ايلول 53 وهو إلغاء الخطة الخمسية لأنها وكما أعلنوا توهن وسائل الدفاع عن الوطن . وهكذا تكرس اقتصاد الحرب في الاتحاد السوفياتي منذ العام 53 وحتى اليوم . تفليس الإتحاد السوفياتي بدأ منذ العام 1953 وليس بسبب مسابقة أميركا في التسلح . النظام الرأسمالي لا يسابق في التسلح لأن الأسلحة ليست بضاعة ولا تدخل السوق وهي لا تنتج الثروة بل تعدم الثروة وهي ضد النظام الرأسمالي كما ضد النظام الإشتراكي . لم يكن بمقدور الولايات المتحدة مسابقة الاتحاد السوفياتي فالولايات المتحدة كانت تحرص على نظامها الرأسمالي في الوقت الذي كان الاتحاد السوفياتي ليس إلا مصنعاً للأسلحة وذلك ليس لأن جيشه يبيت نوايا عدوانية بالنسبة لقوى خارجية بل بالنسبة لقوى الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي نفسه . كانت وزارة الخارجية الأميركية تنشر بياناً سنوياً يستنكر جموح التسلح في النظام السوفياتي مؤكداً أن كل الإقتصاد السوفياتي مكرس للتسلح . لم يكن الأمريكان يعلمون أن جموح التسلح السوفياتي كان موجهاً ضد الإشتراكية وقد تحقق ذلك عمليا ولو علموا لكن التسلح السوفياتي محل ترحيب بدل استنكارهم .
ولذلك يمكن القول أن الاتحاد السوفياتي السابق وروسيا اليوم متقدمة على الصعيد العسكري على الولايات المتحدة بفارق عشر سنوات على الأقل إن لم يكن عشرين . وها نحن نرى اليوم أن الشعب الروسي يمحض رجل المخابرات فلاديمير بوتين 70% من أصواته رئيساً لروسيا ليس لأي سبب آخر سوى "لتجحيش" أميركا في حربه على سوريا . صحيح أن المخابرات السوفياتية هي التي جاءت بالأسد الأب لضرب قوى الاشتراكية في سوريا وكانت في حرب أكتوبر 73 على وشك أن تدخل في حرب نووية عالمية حماية للأسد مع أنها ظلت تتفرج على عبد الناصر ينهزم في حرب 67 إلا أن بوتين زاد في اللعبة وهو تجحيش الولايات المتحدة التي لم تجرؤ أن تعترض على جرائم الحرب التي تقترفها المخابرات الروسية (الكي جي بي سابقاً) فنال 70% من أصوات الروس .

في التاريخ السوفياتي كان التناظر بين القوى الحربية السوفياتية ونظيرتها الأميركية ينعقد دائما لصالح القوى السوفياتية . ففي الثاني من سبتمبر 45 لم تستسلم اليابان بفعل القنبلتين الذريتين في هيروشيما وناغازاكي كما يسود الإعتقاد بل لأن الجيش الأحمر خلال النصف الثاني من سبتمبر قد أجهز على كامل القوى البرية اليابانية في منشوريا . اليابان حاربت دولتين عظميين، أميركا والاتحاد السوفياتي، لأكثر من ثلاثة أسابيع بعد جريمتي ترومان بحق المدنيين في هيروشيما وناغازاكي .
في الخامس من نوفمبر 56 وجه الاتحاد السوفياتي إنذار بولغانين لدول العدوان الثلاتي على مصر، بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، يهدد بقصف عواصمها بالصواريخ العابرة للقارات إن لم توقف عدوانها على مصر قبل منتصف الليل . إذاك طالب ايدن وغي موليه رئيسا وزراء بريطانيا وفرنسا طالبا الرئيس الأميركي دوايت ايزنهاور بحمايتهما من الإنذار السوفياتي لكن ايزنهاور اعتذر عن تلبية طلبهما فكان أن وقف العدوان .
في 23 يوليو تموز 58 طلب الاتحاد السوفياتي جلسة عاجلة لمجلس الأمن حيث وجه ديمتري شبيلوف وزير خارجية الاتحاد السوفياتي إنذاراً لكل من الولايات المتحدة وبريطانيا بسحب قواتهما خلال ثلاثة أيام من لبنان والأردن التي أنزلت قبل أسبوع، تحضيراً للإنقلاب على الثورة العراقية، وإلا فإن الاتحاد السوفياتي سيقوم بالإجراءات اللازمة لحماية حدوده الجنوبية . فسر المراقبون الإجراءات السوفياتية اللازمة على أنها احتلال كل من ايران وتركيا من ابرز حلفاء أميركا خاصة وأن مناورات حربية سوفياتية جرت في تلك الأثناء على الحدود مع ايران ومع تركيا . لم يكن أمام أميركا وبريطانيا من مفر سوى الصدوع للإنذار السوفياتي لكنهما استمهلتا الإنذار لثلاثة شهور بدل ثلاثة أيام فوافق الاتحاد السوفياتي على المهلة بوساطة عبد الناصر .
عندما انتهت حرب أكتوبر 73 إلى هزيمة كل من مصر وسوريا ووصل جيش اسرائيل حواف العاصمة دمشق وخطر احتلالها استعد الاتحاد السوفياتي للدخول في حرب نووية عالمية واحتلال سوريا وفلسطين للحفاظ على عميلهم الأسد وليس على مصر فكان أن سارعت الولايات المتحدة إلى اتخاذ مجلس الأمن قراراً بوقف إطلاق النار خشية مواجهة الاتحاد السوفياتي .
في 28 فبراير شباط 91 رفض مجلس الأمن بما في ذلك المندوب السوفياتي وقف إطلاق النار في حرب تحرير الكويت إلا بعد أن يحقق العراق عدة شروط صعبة كان أولها الإنسحاب من الكويت دون قيد أو شرط . بعد سويعة صغيرة وكان قد أصبحت الطريق إلى بغداد مفتوحة أمام القوات البريطانية والأمريكية اتصل غورباتشوف عن طريق الخط الساخن بجورج بوش ليقول له إن لم يوقف الحرب على العراق خلال نصف ساعة فسيوجه الإتحاد السوفياتي إنذاراً نهائياً لأميركا (Ultimatum) وأضاف غورباتشوف على غير العادة أنه ليس هو من قرر ذلك بل قيادة الجيش المجتمعة دون انقطاع في الكرملين . ولم تمض دقائق على الإتصال حتى أمر بوش بوقف الحرب وكان اجتماع خيمة صفوان بحضور المندوب السوفياتي بريما كوف في 2 مارس آذار 91 .

بعد كل هذه الوقائع المسكوت عنها في التاريخ لا يستطيع المراقب حتى غير المختص بالشؤون العسكرية أن يتفق مع المحللين الإثنين اللذين قررا أسبقية العسكرية الأمريكية تبعاً للسبق الاقتصادي أو الإنتشار حول العالم . التحليل العسكري لا بدّ أن يبدأ وأن وينتهي بثوابت سياسية والمحللان آنفا الذكر باعهما قصيرة في العلوم السياسية .







اخر الافلام

.. Socialism episode 3: Antisemitism - what it is and how to fi


.. Socialism episode 1: Socialism


.. Socialism episode 2: Politics in Britain Today




.. انتخابات بافاريا: حزب الخضر يكسر موجة صعود اليمين المتطرف وي


.. شاهد: مظاهرت في ألمانيا ضد اليمين المتطرف