الحوار المتمدن - موبايل



صلاح الدين الأيوبي في القراءات والدراسات الأوربية (ج3)

بير رستم

2018 / 10 / 2
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


ويقول الكاتب محمد إلهامي كذلك بخصوص نظرة الغرب لصلاح الدين الأيوبي ((ومنهم من خلط مدحا بذم، كما فعل مؤرخ الحروب الصليبية ستيفن رنسيمان الذي وصفه بالقول: "لم يتجرد من الأخطاء، ففي سبيل الوصول إلى السلطة أظهر من المكر والقسوة ما لا يتلاءم مع ما حصل عليه من شهرة وصيت فيما بعد" ووصفه باضطهاد "المفكرين الأحرار" ولم يقبل أن صلاح الدين كان يعتقد أن المسيحيين مصيرهم جهنم!! ومع ذلك أسبغ عليه هذا المدح: "لم يحمله على القسوة إلا مصلحة قومه ودينه. كان شديد التقوى، وبرغم ما أحس به من الرحمة والعطف نحو أصدقائه المسيحيين، فإنه اعتقد أن أرواحهم مصيرها جهنم. ومع ذلك احترم أساليبهم، واعتبرهم رفاقا، واختلف عن ملوك الصليبيين في أنه لم ينقض عهده متى بذل العهد لأحدهم، مهما اختلف عنه في الدين... كان دمثا سخيا، وباعتباره غازيا وقاضيا اشتهر بالرحمة، وباعتباره سيدا كان متسامحا شديد التعقل والرزانة، ومع أن بعض أمرائه نفروا منه لأنه كردي محدث النعمة، ومع أن الدعاة في غرب أوروبا نعتوه بأنه المسيخ الدجال، فما من أحد من رعاياه لم يكن له الاحترام ويشتد تعلقا به، كما أن إعجاب أعدائه به لم يشذ عنه إلا عدد ضئيل... اشتهر دائما بالميل إلى البساطة، يكره الخشونة والتظاهر... على أنه كان محبا للاطلاع، ويجد متعة في المناقشات العقلية... اشتهر صلاح الدين بالتواضع والهدوء برغم ما بلغه من سلطان"(3))). هنا تمر معنا ملاحظة جد مهمة تخدم فكرة البحث وهي أن صلاح الدين الأيوبي، نعم كان رجل دين بحسب المرحلة، لكنه كان أيوبياً كردياً كذلك، بل إن "بعض أمرائه نفروا منه لأنه كردي محدث النعمة" وهذه تأكيد لما نريد أن نصل إليه من خلال هذا البحث عن شخصية صلاح الدين والقول؛ بأنه كان يعمل لمشروعه ولو أمتد العمر به وبالدولة الأيوبية، لكان للكرد خلال العصور الماضية دوراً ومكانة أخرى تماماً غير ما عرف بهم من ذل وخضوع وانكسار، بل لكانوا أصبحوا أسياد الشرق دون منازع، لكن وللأسف لم يرحمنا التاريخ وكذلك من دوّنها وسطرها أيضاً.

ويضيف الكاتب أيضاً؛ ((وبالمجمل، فكما تقول المستشرقة الألمانية المختصة في تاريخ الحروب الصليبية كارولين هيلينبراند، "لم يحدث أن تعلقت مخيلة الأوروبيين بشخص مسلم قدر تعلقها بـ(صلاح الدين). إن تفوقه على معاصريه، من مسلمين ونصارى، أقر به أعداؤه الصليبيون، إبان حياته. وإن صورته، حتى في ظل التعصب الأعمى للعصور الوسطى، قد بقيت نقية، لا بل أُضْفِيَ عليها عناصر رومانسية، في وقت كان فيه موقف أوروبا من الإسلام مزيجاً مؤسفاً من الجهل والعداء"(4))). ويقول كذلك ((يفسر ول ديورانت ما أحاط بصلاح الدين من أساطير غربية بقوله: "كان في العادة شفيقا على الضعفاء، رحيما بالمغلوبين، يسمو على أعدائه في وفائه بوعده سموا جعل المؤرخين المسيحيين يعجبون كيف يخلق الدين الإسلامي -"الخاطئ" في ظنهم- رجلا يصل في العظمة إلى هذا الحد"(5))). ويقول أيضاً ((ولذلك تعرض المسيحيون -كما تقول كارين أرمسترونج- لأزمة أمام ذلك المسلم الذي "سلك مسلكا يتوافق مع المبادئ المسيحية بخلاف مسلك محاربيهم الصليبيين لدى فتحهم أورشليم. وهكذا خرجوا بأساطير جعلت من صلاح الدين "مسيحيا شرفيا"، حتى إن بعض تلك الأساطير قالت بأنه كان قد تم تعميد صلاح الدين في السر"(6))). وأخيراً وبحسب المصدر السابق ((يختصر مكسيم رودنسون هذه الأساطير في قوله: "أثار العدو الأكبر صلاح الدين إعجابا واسع الانتشار بين الغربيين؛ فقد شن الحرب بإنسانية وفروسية، برغم قلة من بادلوه هذه المواقف... ووصل الأمر إلى حد أنه ظهرت في القرن الرابع عشر قصيدة طويلة جرى العرف على تسميتها "صلاح الدين" وأعيدت فيها صياغة حوادث الأساطير القديمة، وذلك لأن فارسا من هذا الطراز الرفيع يجب بالضرورة أن يصبح منتميا إلى الأسرة المسيحية، وهكذا قيل إن أمه هي الكونتيسة بونثيو التي تحطمت سفينتها على الساحل المصري، وأنه هو نفسه اعتنق المسيحية وهو على فراش الموت"(7))).

وبالأخير يقول كاتب المقالة: (تفصيل هذه الرواية توردها المستشرقة كارول هيلينبراند، فتورد أن كتابا مجهول المؤلف يرجع إلى القرن الثالث عشر ومكتوبا بالفرنسية القديمة عنوانه "تاريخ ما وراء البحار وأصل صلاح الدين" يذكر أن صلاح الدين "كان باسلا جدا وحكيما"، وأنه سليل عائلة بونثيو الفرنسية النبيلة، وأن صلاح الدين طلب من سجينه هيو الذي كان يحكم طبرية أن يعلمه "كيف يصبح فارساً مسيحيًا، كما أنه لما أحس بقرب أجله أرسل إلى خليفة بغداد وبطريرك القدس وحكيم اليهود كي يرسل كل منهم إليه ممثلا عن دينه، ثم أمرهم بمناظرة بعضهم ليصل إلى "أي من هذه الديانات هو الأفضل"، ولما انتهت المناظرة لم يقرر أي دين يختار لكنه قسم مملكته إلى ثلاثة أقسام، وأعطى الأفضل للمسيحيين، والثاني للمسلمين، والثالث لليهود") ويضيف ((كذلك ظهرت رواية عن صلاح الدين في مجموعة ديكاميرون -وهي مجموعة أدبية ظهرت في منتصف القرن الرابع عشر- تروي أن صلاح الدين سأل اليهودي الذي كان يستدين منه أحيانا: أي الأديان أفضل اليهودية أم المسيحية أم الإسلام؟ ولما أجابه إجابة حكيمة أعطاه هدايا نفسية جداً، وأبقاه في مركز مرموق ومشرف، وجعله من المقربين. وفي نفس هذه المجموعة الأدبية تأتي قصة أخرى عن صلاح الدين الذي يجيد اللاتينية ويتنكر في ثياب تاجر قبرصي مسيحي بالغ الرقة والتهذب، ثم ينقذ أصحابه التجار المسيحيين إذا وقعوا أسرى بيد المسلمين ويسبغ عليهم حمايته(8))) ويختتم الكاتب مقالته بما يلي: ((ومن المؤسف أن آثار بعض هذه الأساطير موجودة حتى اليوم في دراسات يُفترض فيها العلمية والتحرر من هذه الخرافات؛ فمن ذلك كتاب فرنسي صدر عام 2005، يذكر مؤلفاه أن "صلاح الدين كان قد درس في مدارس مسيحية"(9))). طبعاً وكما أشرنا في أكثر من موقع؛ فإن مرد كل هذه القصص والحكايات في جعل صلاح الدين الأيوبي ينتمي بطريقة ما للثقافة الغربية "المسيحية" هي شدة الإعجاب بشخصية ذاك القائد التاريخي.

وكذلك فقد وقفت المستشرقة البريطانية "كارول هيلينبراد" مطولاً مع شخصية القائد صلاح الدين الأيوبي حيث وفي مقالة لها بعنوان "تطور أسطورة صلاح الدين في الغرب" ترجمها عن الإنكليزية الأستاذ الدكتور "ناصر عبد الرزاق الملا جاسم" ومنشورة على موقع الحوار (مجلة سياسية ثقافية عامة – تصدر في أربيل) تقول: "يعد تطور أسطورة (صلاح الدين) في أوروبا، مثالاً نادراً واستثنائياً لتحول محارب مسلم من العصور الوسطى إلى بطل أوروبي. وهذا المثال للانتقال الثقافي بالغ الأهمية، طالما أن (صلاح الدين الأيوبي) كان الخصم الرئيس للغرب المسيحي، في زمن الحروب الصليبية" وبخصوص شخصية صلاح الدين في "مرآة معاصريه" تقول الكاتبة؛ "تستند معلوماتنا عن وجهات نظر الصليبيين عن (صلاح الدين)، خلال حياته، أساساً، على التاريخ المفصل الذي كتبه رئيس الأساقفة (وليم الصوري)، الذي كان مستشاراً للمملكة اللاتينية في (القدس) 1170-1184. وشهادة (وليم) لا تقدر بثمن، عند إجراء أي تقييم سليم لإنجازات (صلاح الدين الأيوبي)؛ فالإمكانيات الفكرية لـ(وليم) مؤثرة جداً، فضلاً عن مركزه المرموق في دوائر الحكم الفرنجية، وبالتالي يمكن أن يتكلم بحجية وببصيرة عن مواقف ومعتقدات النخبة السياسية الصليبية" وتضيف "وصف (وليم الصوري) (صلاح الدين الأيوبي) على النحو التالي: رجل حاد الذهن، نشط في الحرب، وسخي دونما حد(2). ومع ذلك، فإن صورة (وليم) لـ(صلاح الدين) لا تخلو من الانتقادات وعدم الدقة، فهو يورد - على سبيل المثال - أن (صلاح الدين) قتل بنفسه الخليفة الفاطمي، وأبنائه، قبل الاستيلاء على ثروات الخزينة في (مصر)، وأفسد عسكرها بالذهب(3). وفي وقت لاحق، وبعد وفاة (نور الدين)، يلوم (وليم) (صلاح الدين) لنكرانه الجميل تجاه سيده السابق، بقوله: إزدرى (صلاح الدين الأيوبي) قوانين الإنسانية، وتغافل عن أصله (المتواضع)، وتنكر للأفضال التي أسبغها عليه والد الصبـي من قبل، فقام بالتالي ضد ابن سيده، الذي لم يبلغ بعد الحلم(4)".

طبعاً عندما يشير الصوري لأصله (الوضيع) بالنسبة لشخصية صلاح الدين هو يقصد الجانب العرقي الأقوامي -أي نسبه الكردي وليس الإسلامي- وهذه ورغم الموقف السلبي و"الوضيع" للصوري من العرق الكردي، إلا أنه دلالة وإشارة واضحة لخصوصية هذه الشخصية التاريخية ودور نسبه الكردي في عموم مشروعه السياسي وذاك ما دفعنا للبحث في تلك المرحلة التاريخية وبالأخص دور الدولة الأيوبية وما كانت ستكون لها من آثار إيجابية على القضية الكردية عموماً لو استمرت لمراحل تاريخية متأخرة.. وتقول الكاتبة هيلينبراند كذلك؛ "هذه الانتقادات الصارخة لـ(صلاح الدين) من قبل (وليم)، لا تنال، مع ذلك، من احترامه الثابت، وإعجابه به، وخوفه منه. فهو لم يقلل في أي موضع من كتابه من شأن العدو، أو الخطر الذي تمثله قوة (صلاح الدين) المتنامية تجاه مملكة القدس. في الواقع، إنه كان يدرك تماماً طموح (صلاح الدين)، ومزاياه القيادية، حينما يقول: إنه من دواعي سرور جميع الحاضرين... أننا ينبغي أن نبذل كل جهد لمقاومة هذا الرجل العظيم، المندفع من انتصار إلى آخر، إلى أعلى القمم(5)" وتضيف "يما يخص الرأي الصليبـي لأسمى لحظتين من لحظات دور (صلاح الدين)، وهما: النصر في (حطين)، وفتح القدس عام 1187، نعتمد على رواية مصادر أدنى مرتبة من (وليم)، تتمثل بالمذيلين على كتابه**؛ وأحدهم، هو: (أرنولد) سائس (باليان أبلين)***، وكان قادراً على تقديم صورة إيجابية لـ(صلاح الدين)، حتى في ساعة مريرة من الهزيمة، بعد فقدان (القدس)(6)، فنراه يشيد بسلوك (صلاح الدين) في (القدس)، بعد الفتح، مشيراً إلى شفقته وعطفه تجاه السكان المسيحيين الذين هزمهم. وتحدث عن شهامته تجاه زوجات وبنات الفرسان في (القدس)، فيكتب أنه أعطاهم الكثير، حتى أنهم شكروا الرب، ونشروا في العالم اللطف والشرف الذي أنعم به (صلاح الدين) عليهم(7)".

وتقول أيضاً؛ "في وقت لاحق، في عام 1192، وبعد الهدنة مع (ريتشارد)، يُظهر (صلاح الدين) - في هذا المصدر - شفقته نحو القادة الصليبيين(8). مثل هذه الأقوال كلها أكثر من رائعة، طالما أنها صادرة عن مصادر العدو، وأنها كتبت في أعقاب أعظم هزيمة سياسية ومعنوية للصليبيين. ونحن نعرض صورة (صلاح الدين)، التي يمكن استخلاصها من الكُتاب الصليبيين، ذوي التجربة الشخصية في القتال والحياة في الشرق الأدنى، في القرن الثاني عشر، نجد أن (صلاح الدين) حتى في حياته، عندما كان العدو الرئيس للصليبيين، ينتزع من هذه المصادر الإعجاب تجاه شخصيته وإنجازاته. ويمكن الاحتجاج بالقول إن هؤلاء الكتاب قد يكونوا، تحت إلحاح الرغبة في تخفيف مرارة الهزيمة، قدموا المنتصر في ضوء إيجابي مبالغ به. وهذه مسألة ستتم مناقشتها لاحقاً في هذا البحث، لكن التفاصيل التي تبرز فروسية (صلاح الدين) الشخصية، وشفقته، وعطفه، لا تنسجم مع هذه النظرية، إذ يبدو أنه لم يكن هناك دافع لتمجيد (صلاح الدين) بهذه الطريقة، غير الرغبة في تقديم الوصف الحقيقي لما حدث، فشهادتهم المتوهجة تتماثل مع مديح كُتاب سيرة (صلاح الدين) العرب" وتضيف الكاتبة كذلك "لم يكد يمر بعض الوقت حتى دخلت شهرة (صلاح الدين) الأساطير والأدبيات الرومانسية الأوروبية، فإذا كان (وليم الصوري) المعاصر تماماً لـ(صلاح الدين)، قد خشى كثيراً هذا الأمير "الأقوى"، وسلط الضوء على كبريائه، فإن هذه الصورة تحولت في بحر جيل واحد إلى صورة الزعيم الشهم والنبيل، والشخصية المحورية، والنموذج الذي تقتدي به الفروسية المسيحية، وذلك في نص لمؤلف مجهول، ذيّل فيه على النسخة التي كتبت بالفرنسية القديمة لكتاب (وليم الصوري): (تاريخ الأعمال)، في العقود الأولى من القرن الثالث عشر، وحملت عنوان (تاريخ هرقل)(9)".

وتستطرد الكاتبة والباحثة الإنكليزية لتقول بخصوص هذه الشخصية الفريدة فتقول: "ثم أصبح (صلاح الدين)، في مصدر آخر من القرن الثالث عشر، كُتب بالفرنسية القديمة، وحمل عنوان (تاريخ ما وراء البحار، وأصل صلاح الدين)، موضوعاً لأسطورة بطولية(10). يطلق المؤلف المجهول، صاحب هذا الكتاب، على (صلاح الدين): "(صلاح الدين) التركي، الفارس، الذي كان باسلاً جداً، وحكيماً"(11). وفي حكاية طويلة، بعنوان (ابن الكونت بونتيو)(12)، يظهر (صلاح الدين) سليل عائلة (بونتيو) الفرنسية النبيلة، ويورد حكايات متسلسلة، تناولت حرب (صلاح الدين) مع ملكة تركيا، وحلفائها: الملك الايكسلن ملك النوبة، وخليفة بغداد(13). ويقص هذا المصدر أيضاً، في القسم المعنون: (نظام الفروسية)(14)، أن (صلاح الدين) يطلب من سجينه (هيو)، صاحب (طبرية)، تعليمه كيف يصبح فارساً مسيحياً(15)". طبعاً نلاحظ هنا بأن الكاتب وقع في مغالطة تاريخية كبرى عندما يجعل نسب صلاح الدين الأيوبي (تركياً) وأعتقد بأن هذه الإشكالية حصلت كون المماليك هم من خلفوا الدولة الأيوبية وكذلك لربما يريد الكاتب تشتيت النسب بين عدد من الأعراق والثقافات وذلك بهدف التشويش والقول؛ بأن نسبه (الأوربي المسيحي من عائلة فرنسية) ربما هو الآخر يكون "صحيحاً"، لكن بكل الأحوال فإن كل الدراسات تؤكد على نسب صلاح الدين الأيوبي الكردي وتكذب الأنساب الأخرى.

ويقول الكاتب الدكتور ناصر عبد الرزاق: "تظهر صورة مماثلة (صلاح الدين) كبطل شهم، في العديد من الرومانسيات الفرنسية في القرون الوسطى. والمثال النموذجي هو عمل القرن الثالث عشر، بعنوان (أغنيات المطرب الجوال من مدينة ريمس)(18)، الذي يربط (صلاح الدين) بـ(إليانور) صاحبة (بوردو)، زوجة لويس الوسيم (السابع) ملك فرنسا. هذه الملكة الفرنسية الشهيرة، التي استبد بها الضجر في (صور)، في شتاء عام 1148-1149، وفي حالة من اليأس تاقت إلى (صلاح الدين)، الذي تأثرت كثيراً بمآثره. وهنا لا تهم الدقة التاريخية، على الرغم من أنه ينبغي أن نتذكر أن (صلاح الدين) لم يكن سوى طفل في هذا الوقت" وتضيف الباحثة البريطانية؛ "لا نعرف الكثير عن مؤلف قصيدة، تعود إلى بداية القرن الثالث عشر، بعنوان (نظام الفروسية)(19)، وتظهر صورة (صلاح الدين) من خلالها رائعة للغاية: فهو الملك الذي كان في ذلك الوقت أعظم سيد في الأرض الوثنية، والمسلم الأكثر ولاء(20). وتتحدث القصيدة عن دفع (صلاح الدين) لتعلم طقوس الفروسية، من قبل شخص (هيو/ صاحب طبرية)، الذي أسر من قبل (صلاح الدين) قرب (قلعة الشقيف)، ثم أطلق سراحه(21). فهو يخبرنا أن (صلاح الدين الأيوبي) كان يتحدث مع (هيو) باللاتينية، التي كان "يعرفها بشكل جيد جداً"(22). وهذا يسبق بوقت طويل نسبة (بوكاشيو) لـ(صلاح الدين) القدرة على الحديث بلهجة أهل (لومبارديا)(23). لذلك، فمن الواضح أنه في غضون جيل واحد فقط، أو اثنين، أصبح (صلاح الدين الأيوبي) يتمتع بشهرة واسعة النطاق في الغرب، في القرون الوسطى، بوصفه رجل شجاعة كبيرة، وتهذيبٍ عال. وكانت بعض المصادر تبتهج لمجرد أنها تمتدح فضائله، وبعضها الآخر ذهب أبعد من ذلك، للإشارة إلى أنه اعتنق الدين المسيحي(24)".

وقد رأينا سابقاً كيف حظي صلاح الدين الأيوبي باهتمام دانتي؛ الشاعر والفيلسوف الألماني وذلك عندما "وضع (صلاح الدين) في الجحيم، ولكن في الحلقة الأولى، بين فضلاء الوثنية وأبطالها في الماضي الغابر(25)، ومع أن (صلاح الدين) قد وضع لوحده، إلا أنه لم يكن على مبعدة عن رموز، مثل: سقراط، وأفلاطون، وأقليدس، وجالينوس. كما تمتع (صلاح الدين) بقرب اثنين من عظماء الفلاسفة المسلمين: ابن سينا، وابن رشد. وبعزل (دانتي) لـ(صلاح الدين) قليلاً، فإنه كما يبدو أراد أن يخصه بعناية خاصة واستحسان: ومنعزلاً على جانب، رأيت (صلاح الدين)(26). ويلهم (دانتي)، من خلال رؤية هذه الشخصيات، فيصفهم بأنهم: أرواح عظيمة، امتلأت أوداجي بالفخر لمجرد رؤيتهم(27)" وتضيف الكاتبة هيلينبراند "إن إدراج (صلاح الدين) ضمن هذه الجماعة، يدل على ثبات شهرته بالفضائل في أوروبا القرن الرابع عشر، على الرغم من انتشار الأحكام المسبقة المعادية للمسلمين بين المسيحيين في العصور الوسطى. ومع ذلك، من خلال وضعه وحده، أكد (دانتي) على أن (صلاح الدين) هو استثناء. وبالطبع، إن تمثيل (دانتي) للنبـي كان عدائياً للغاية، عندما وضعه في أعماق الجحيم، بين صفوف أولئك الذين قد خلقوا الانشقاق، وهو أمر معروف جداً(28)".
















اخر الافلام

.. الصين تفتتح أطول جسر في العالم


.. شبكة عنكبوتية كبيرة تغلف الشريط الساحلي لبحيرة يونانية


.. مداخلة حسن منيمنة الباحث والأستاذ في معهد الشرق الأوسط في وا




.. مقتل جمال خاشقجي يطيح بمسؤولين سعوديين كبار


.. مراسل فرانس24: يبدو أن هناك عدم رضا تركي عن تطورات قضية خاشق