الحوار المتمدن - موبايل



مدخل إلى الفلسفة الماركسية (10-12) الماركسية والدين

غازي الصوراني

2018 / 10 / 3
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية



مدخل إلى الفلسفة الماركسية (10-12)
الماركسية والدين
تقديم :
رغم إن الفصائل والأحزاب الشيوعية والماركسية العربية، بحكم رؤيتها الفكرية وبرامجها السياسية ودورها النضالي التاريخي منذ تأسيسها وحتى اللحظة الراهنة، إلا أن سؤال الفلسفة عموما وسؤال ما هي الفلسفة الماركسية وعلاقتها بالدين خصوصا؟ ما زال متداولاً – بهذه الدرجة او تلك من الجدية والوعي أو التراجع أو الارتباك – بين معظم الرفاق أعضاء هذه الفصائل والأحزاب العربية، وما زال النقاش حول هذا السؤال محمولاً بالشكوك او اليقين العاطفي البعيد -بمسافة نسبية بين هذا الرفيق او ذاك – عن امتلاك الوعي بالفلسفة، وبالنظرية الماركسية وقوانينها ومقولاتها وجوهرها المادي النقيض للفلسفة المثالية، ولكل الأفكار والمفاهيم الغيبية او الميتافيزيقية، ما يعني ان هذه الأحزاب والفصائل تعيش عموماً حالة من الارتباك الفكري او فوضى الأفكار، عززت وكرست – حتى اللحظة – نوعاً من التفكك او التراجع في هويتها الفكرية لحساب "هويات" أو أفكار طارئة توفيقية وملتبسة أو شكلانية ذات طابع وطني او قومي مبسط او مبتذل او ديني او ليبرالي مشوه ، على الرغم من ان الماركسية – هوية أحزابنا الفكرية – نظرية علمية لا تحتمل أي شكل من أشكال التوفيق مع "الهويات" الأخرى المشار إليها، لأننا سنقع في هذه الحالة في مستنقع التلفيق الذي سيؤدي بنا صوب حالة من التوهان والضياع الفكري، الذي سيؤدي بدوره إلى حالة من الهبوط السياسي ارتباطاً بغياب التحليل الطبقي الماركسي لمجريات الصراع والحركة، سواء على صعيد النضال الوطني التحرري ضد الوجود الإمبريالي/الصهيوني من ناحية، أو على صعيد النضال السياسي والصراع الطبقي الديمقراطي الداخلي في مجتمعاتنا العربية من ناحية ثانية.
وهنا تتبدى أهمية طرح السؤال مجدداً: ما هي الماركسية؟ وجوابنا الصريح والواضح، ان الماركسية هي نظرية علمية، بمعنى انها تتكون من مجموعة من القوانين والمقولات والفرضيات، وهي أيضا – وهذا هو المهم- تنطوي على المنهج: أي الطريقة او الأسلوب، وهما الأداة الأساسية لكل علم من العلوم، وفي هذا الجانب نؤكد على "أن الماركسية ليست "علماً" بالمعنى المعتاد للكلمة، وإلا لكفى أي انسان –كما يقول الصديق جيلبير أشقر- أن يدرسها في مدرسة أو جامعة ما ويتخرج بشهادة في "الماركسية" وهو أبعد ما يكون عن الماركسية الجوهرية، على غرار بعض خريجي الجامعات السوفياتية في زمن ما قبل الإنهيار".
فالماركسية قبل أن تكون علماً ، ولكي يكون جانبها العلمي في خدمة غاياتها الأساسية إنما هي موقف أخلاقي بأعمق مفهوم الأخلاق ، فهي مبنية على منطلقات أخلاقية تعتبر الإنسان ومحيطه الطبيعي أعلى الغايات والقيم، وبالتالي العمل لأجل تحرير البشر الجماعي والفردي من كل أنواع الإضطهاد وتحقيق المساواة بينهم على اختلاف اجناسهم وأعراقهم وألوانهم.
وهنا لا بد من التأكيد على الكيفية التي نتعاطى بها مع المنهج[1] الجدلي (الماركسي) في الممارسة الحياتية، ليس من أجل التخلص من الرواسب الاجتماعية الرجعية السائدة، بل أيضاً من أجل مراكمة ووعي منطلقات أخلاقية تتفاعل بصورة جدلية خلاقة مع إستراتيجية أحزابنا الثورية ورؤيتها من أجل التحرر الوطني والديمقراطي والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية ، كاستراتيجية صوب التوحيد القومي العربي التقدمي الديمقراطي.
فالمنهج الماركسي أو الجدل المادي شأنه شأن منهج العلم، يهدف لتطوير النظرية لكي توجه الممارسة الحياتية التي بدورها تطور وتغني النظرية، وهذا بالضبط ما قصده "كارل ماركس" بقوله "إنني لم أضع إلا حجر الزاوية في هذا العلم " ما يؤكد على أن نظرية المعرفة الماركسية هي جزء من صيرورة حركة الحياة ومتغيراتها التي لا تعرف الجمود او التوقف، ولا تعرف الحقيقة النهائية، ما يعني بوضوح شديد رفضنا التعاطي مع الماركسية في إطار منهج أو بنية فكرية مغلقة أو نهائية التكوين والمحتوى، بل يتوجب علينا ان نتعاطى معها كمنهج او بنية فكرية تتطور دوماً مع تطور المجتمعات والانجازات والاكتشافات العلمية في جميع مجالات الحياة وحقائقها الجديدة، إذ أن الماركسية تكف عن ان تكون نظرية جدلية، إذا ما تم حصرها في إطار منهجي منغلق أو في ظروف تاريخية محددة، وبالتالي علينا أن ندرك أن الانغلاق أو الجمود هو نقيض لجدل الماركسية التطوري كما هو نقيض لمنهجها وثقافتها ومشروعها الإنساني الهادف إلى بلوغ الحرية الحقيقية التي تتجسد في العدالة الاجتماعية والاشتراكية والتحرر الشامل للإنسان، من كل مظاهر القهر والاستغلال والاضطهاد والتبعية.
أما بالنسبة للحديث عن الموقف المادي الفلسفي للماركسية، فهذا يعني أن المادية الماركسية تعني أن العالم المادي موجود بشكل مستقل عن الوعي الإنساني أو غيره؛ وأن معرفة العالم الواقعي ممكنة وإن لم تكن مطلقة؛ وأن الفكر البشري هو الذي ينشأ من العالم المادي، وليس العكس. ووفقا لفريدريك انغلز في كتابه “لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية”:
“إن المسألة الكبرى الأساسية لكل فلسفة، وخاصة الفلسفة الحديثة، هي العلاقة بين الفكر والوجود، وقد انقسم الفلاسفة حسب تبنيهم لهذه الإجابة أو تلك إلى معسكرين كبيرين. أولئك الذين يؤكدون أولوية الفكر على الطبيعة، ويعترفون بالتالي في نهاية المطاف، بحدوث العالم… وهؤلاء يشكلون معسكر المثالية، والآخرين الذين يعتبرون الطبيعة القوة الأصلية، وهم ينتمون إلى مختلف مدارس المادية” [2] .
فالمادية الماركسية، مختزلة في عناصرها الأساسية، تعني قبول القضايا التالية :
1 العالم المادي موجود بشكل مستقل عن الوعي الإنساني .
2 معرفة العالم الواقعي، حتى لو لم تكن كاملة أو مطلقة، ممكنة، وبالتالي فإن كل شيء يمكن معرفته.
3 البشر جزء من الطبيعة، لكنهم يشكلون جزءاً متميزاً.
4 العالم المادي لا ينشأ، في المقام الأول، من الفكر البشري؛ بل إن الفكر البشري هو الذي ينشأ من العالم المادي.
وفي هذا الجانب يقول ماركس وأنجلز في كتاب “الفلسفة الألمانية” إن “الناس هم منتجو تصوراتهم وأفكارهم وهم أناس حقيقيون فاعلون ومشروطون بحد تطور قواهم الإنتاجية، ولا يمكن للوعي أن يكون أي شيء أبدا، سوى الوجود الواعي، وخلافا للفلسفة المثالية الألمانية التي تنزل من السماء إلى الأرض فإننا نصعد هنا من الأرض إلى السماء”[3].
الماركسية والدين :
الماركسية كنظرية علمية، فلسفية ، تاريخية، اجتماعية واقتصادية، تسعى إلى تفسير كافة الظواهر الطبيعية والمجتمعية، بمنهجية علمية وموضوعية من أجل تغييرها، وهنا يندرج الدين ضمن هذه الظواهر، فالماركسية تدعو إلى التفسير العلمي الموضوعي للدين، فلا يكفي النظر إلى الدين ككل، أو إلى أي دين، على أنه مجرد وهم أو إيمان بالقضاء والقدر أو موقف غيبي استحوذ على عقول الملايين من الناس لعدة قرون. فهي تتطلب تحليلا للجذور الاجتماعية للدين في العموم، ولمعتقدات دينية محددة بذاتها، وفهم الاحتياجات الإنسانية الحقيقية، الاجتماعية منها والنفسية، والظروف التاريخية الفعلية التي تطابق تلك المعتقدات والمذاهب.
فعلى الماركسي أن يكون قادرا على فهم كيف كان الايمان والاعتقاد الديني –وما زال في مجتمعاتنا العربية وفي البلدان المتخلفة- ملهماً للناس عموماً وللفقراء خصوصاً، في تمردهم على استعبادهم واضطهادهم أو في صبرهم على ظلمهم ومعاناتهم في انتظار الآخرة !!
انطلاقاً من فهمنا للماركسية ، فإننا نرى أنها طريقة تفكير لفهم الوجود بكليته عموماً وبكل خصوصياته المرتبطة بالصراع الطبقي الاجتماعي من أجل انعتاق العمال والكادحين وكل الفقراء والمضطهدين في إطار العدالة الاجتماعية القائمة على المساواة بين البشر ، إلى جانب انها لا تسعى –وليست معنية- بالإساءة إلى المشاعر الدينية الكامنة في أوساط الجماهير الشعبية، بل على العكس تؤكد على ضرورة احترام تلك المشاعر - على النقيض مما يروج له دعاة الإسلام السياسي والقوى الرأسمالية والرجعية والامبريالية – فالماركسية تنظر إلى الدين بوصفه جزءاً من تطوّر وعي البشر في محاولتهم فهم واقعهم، وصوغ الرؤية التي تكيفهم معه، وأنه شكّل –في مراحل تاريخية معينة- تطوّراً كبيراً في مسار الفكر، وانتظام البشر في الواقع، وهي بهذا الموقف تتقاطع مع جوهر الأفكار التي أسست لانتشار المبادئ والقيم الناظمة لجميع الديانات التي ظهرت بعد مرور أكثر من مليون سنة على وجود الإنسان في هذا الكوكب، انعكاساً لشعوره بالخوف، أو العجز، عن تفسير الظواهر الطبيعية وغيرها المحيطة به، ومن ثم قام بعبادتها ، فقد عبد النار أو الشمس أو القمر أو النهر أو بعض الحيوانات ، وصنع لها التماثيل أو قام برسمها ونحتها على الصخور التي أصبحت جزءاً من التراث الديني القديم، عبر آثارها الموجودة اليوم في مصر واليونان والصين والهند والمكسيك والعديد من البلدان في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، حيث تميزت تلك المرحلة بما عرفته البشرية من تعدد الآلهة أو تعدد العبادات، جنباً إلى جنب مع الايمان بالأساطير التي سادت وانتشرت طوال أكثر من خمسة آلاف عام ، حتى ظهور فكرة الإله الواحد عند "اخناتون" في الحضارة الفرعونية في مصر، قبل ظهور الديانات التوحيدية، أو ما يعرف بالديانات السماوية، التي تتحدث عن إله واحد لهذا الكون، وكان أولها الديانة اليهودية التي ظهرت قبل حوالي 4298 عام، ثم المسيحية قبل 2013 عام ثم الإسلام قبل 1434 عام ، وهي أديان ظهرت كامتداد وتقاطع مع ما سبقها من خلفيات أسطورية وتراثية ، ولعبت دوراً مهماً في توضيح المعتقد الديني لهذا الدين أو ذاك، فهي دوماً جزء من الدين مرتبطة به، فالمسيحية نشأت على أرضية مكوَّنة من فلسفة أفلاطونية حديثة، من أفكار وثنية يونانية، كذلك الإسلام، ظهر في بيئة ثقافية كانت تضج بالمعتقدات والأفكار (الحنفاء والدهريون واليهود والنصارى والوثنية أو عبادة الأصنام) ؛ وكان ظهوره في فترة من أخصب فترات الفكر الإنساني: كانت الحضارات تتمازج، تتلاقح، تتفاعل، وتتحاور. "فلولا المسيحية واليهودية ووثنية الجزيرة العربية، مثلاً، وكذلك تأثير الزرادشتية والمانوية، لما ظهرت تعاليم الإسلام على الشكل الذي ظهرت عليه، فلو أخذنا مثال قصة هابيل وقابيل في التوراة وفي القرآن، نجد لها أصلاً، أو ما يشابهها، في الأسطورة السومرية، ما يعني أن هذه الكتب السماوية استلهمت بعض القصص من الأساطير"[4].
ومما لا شك فيه أن للأسطورة أيضاً، قيمة تاريخية ومعنوية، من ناحية تأثيرها في تشكل الوعي الإنساني في مراحله الأولى، وفي تأثيرها وإسهامها في صياغة نصوص الديانات التوحيدية التي ظهرت بعد أكثر من مليون عام على ظهور المجتمعات البشرية، حيث وجدت قبل حوالي خمسة آلاف عام في مصر الفرعونية (اخناتون)، ثم في بلاد الشام (اليهودية)، ثم اليونان والحضارة الاغريقية، ثم الامبراطورية الرومانية التي تخلت عام 335 عن دياناتها المرتبطة بالفلسفة الأفلاطونية المحدثة لحساب الديانة المسيحية الجديدة التي عززت بدورها مصالح النخب الطبقية الحاكمة في الامبراطورية.
أما عن تاريخ الديانة المسيحية ، فهو سابق على تاريخ الإسلام، إلا أن مسيرته لم تختلف عن مسيرة التاريخ الإسلامي من حيث انتشاره –في البداية- في أوساط الفقراء والعبيد ، فقد كانت المسيحية في الأصل حركة مضطهَدين، ظهرت للمرة الأولى على أنها دين للعبيد والمُعتَقين والفقراء والناس المحرومين من جميع الحقوق، وكذلك كل الشعوب التي قهرتها أو استبدت بها روما، وكان لا بد لانتفاضات الفلاحين والعبيد والمسحوقين، ولجميع الحركات الثورية في العصور الوسطى، أن ترتدى قناع الدين بالضرورة، وقد بدت وكأنها استعادة للمسيحية الأولى إثر ما أصابها من انحطاط متزايد، ولكن التمجيد الديني كان يخفي بانتظام مصالح دنيوية ملموسة “[5].
وفي هذا السياق ، تؤكد جميع المراجع التي تناولت تاريخ نشوء ما يعرف بـ"الأديان السماوية" أن نشأة وظهور الأديان ارتبطت أساساً بالجماهير المسحوقة أو جماهير العبيد والفقراء لتحريضهم على واقعهم والثورة عليه وتغييره ، ولنا في ثورة العبيد بقيادة " سبارتاكوس" وثورات فقراء المسلمين في عهد عثمان ثم ثورة الزنج والقرامطة وغيرها تأكيداً لهذا التحليل، علاوة على أن الدعوة المحمدية الإسلامية، انطلقت في بداياتها وسنواتها الأولى في أوساط فقراء العرب في شبه الجزيرة العربية ، وكانوا بمثابة العنصر الرئيسي في حماية الدعوة والدفاع عن مضامينها ضد أثرياء وسادة قريش، لكن طهرانية الدعوة الإسلامية ومثاليتها، لم تستطع الصمود والديمومة سوى لفترة قصيرة، انتهت بوفاة الخليفة العادل عمر بن الخطاب، ومن ثم ولاية عثمان بن عفان الذي شارك في قيادة عملية التحول بالدعوة الإسلامية وتوجيهها لحساب مصالح أثرياء القبائل العربية عموماً وأثرياء قريش وبني أُمية على وجه الخصوص، وبعد وفاته تكرست هذه المصالح الطبقية والسياسية بصورة بشعة –في الدولة الأموية- عندما قرر معاوية ابن أبي سفيان –بعد انتصاره على علي بن أبي طالب- توريث الحكم إلى ولده يزيد، الأمر الذي يتناقض كلياً مع جوهر وشكل الدين الإسلامي، بحيث باتت عملية التوريث سمة أساسية لجميع الحكام أو "الخلفاء" في الدولة الأموية والعباسية وإلى يومنا هذا، لا لشئ سوى تأكيد المصالح العليا للطبقات والشرائح الثرية وضمان بقاءها واستمرار سيطرتها على حساب الاغلبية الساحقة من فقراء المسلمين الذين فُرِضَ عليهم الصبر على مظالمهم، انتظاراً للآخرة، وفق ما كان يروجه "مشايخ وفقهاء" السلطان أو الخليفة، الذين مازالوا في أيامنا هذه يروجون نفس الخطابات لحساب هذا الأمير أو الملك أو الرئيس أو الحاكم دفاعاً عن مصالح الأغنياء وضد مصالح ومستقبل الفقراء والمقهورين.
ولنا في مشهد الإسلام السياسي المنتشر اليوم في بلادنا عبر حركة الإخوان المسلمين والحركات الأصولية والسلفية الرجعية خير مثال على هذه الممارسات والمواقف التي لا تتناقض أبداً مع السياسات الإمبريالية في موازاة الدعوة إلى مهادنة دولة العدو الصهيوني من ناحية، والصمت الكامل على السياسات الاقتصادية الاستغلالية الرأسمالية التابعة التي أدت إلى تزايد الفجوات بين الأغنياء والفقراء دونما أي حديث أو مخرج للمحرومين وللمظلومين سوى اللجوء إلى السماء ووعد الآخرة!!
وهنا بالضبط علينا –كأحزاب وفصائل ماركسية- أن نبحث بوعي وعمق كبيرين عن الجذور العميقة للدين في بلادنا العربية، التي تتمثل في الظروف الاجتماعية المتردية للجماهير الكادحة، وعجزها عن مواجهة أنظمة الاستغلال والقمع والاستبداد والتخلف ، الأمر الذي يفرض علينا مزيداً من الاندماج والتوسع في أوساط هذه الجماهير ، ونشر مبادئنا وأفكارنا وبرامجنا السياسية والاجتماعية عبر وسائل الدعاية والإقناع الديمقراطية للارتقاء بوعي الجماهير الشعبية الفقيرة وتطوير كفاحها ونضالها ضد كل أشكال الاستغلال والاضطهاد والتخلف.
وفي هذا الجانب ، نقول : إن الإنسان الفقير ، البسيط ، العفوي ، الذي يعيش في مجتمع متخلف (كما هو حال مجتمعاتنا العربية)، يتأثر سلبا بمعطيات وموروثات قيم التخلف الاجتماعي والغيبي تحديدا ، وينشأ او يصبح أسيرا – بدون وعي – لهذه البنية الاجتماعية المتخلفة ، بل ويصبح (بتأثير الخطاب الديني، والثقافي والسياسي والاجتماعي للأنظمة الحاكمة )، قوة فاعلة ومؤثرة في بنية المجتمع المتخلفة، فهو يعزز هذه البنية ويدعم استقرارها بمقاومة تغييرها بصورة عفوية، نظرا لارتباطها ببنيته النفسية المرتبطة بالبنية الاجتماعية، المحكومة بدورها للأعراف والعادات والتقاليد والغيبيات الموروثة ، العلاقة إذن جدلية بين السبب والمسبب (البنية والنمط الإنساني الذي ينتج عنها) مما يحتم على المثقف الوطني المستنير عموما واليساري خصوصا ان يتحمل مسئوليته تجاه الانسان الفقير ومعايشته والاهتمام الشديد بقضاياه وهمومه ومعاناته وتوعيته وتحريضه ضد البنية المتخلفة ورموزها الطبقية ليقوم بدوره في صنع مستقبله .
التنوير وتطور العلم وأثرهما على الدين :
لقد لعب الوعي الديني، حسب كارل ماركس، أدواراً متناقضة، سلباً أو إيجاباً، فهو من جهة "زفرة المضطهدين" في التعبير عن احتجاج الجماهير على الواقع، ومن جهة أخرى يساهم في "صياغة الوهم"، بتوظيفه من جانب القوى الاستغلالية لإدامة استغلالها، ولعلّ هذا الجانب الثاني هو المفهوم الذي شاع عن رؤية ماركس للدين، لا سيّما أنّ الوعي الديني كان هو السائد على أشكال الوعي الأخرى من فلسفة وعلوم وأخلاق، وشكّل الدين آنذاك الشكل الخارجي للصراعات الاجتماعية.
وكان اكتشاف إسحاق نيوتن قوانينَ الفيزياء الحركية والميكانيك، صدمة مؤثرة لعالم الغيب الذي ظلّ الدين متمسّكاً به، الأمر الذي وضع هذه القوانين في إطار الدراسة والفهم والتطوير، ومع أنّ مثل هذه القوانين لا تلغي الحاجة إلى الدين وإلى الروحانيات لدى الجماهير العفوية، فقد أخذ نجم العلم يرتفع عالياً، وقد ترافق هذا الأمر مع نظرية داروين واكتشافاته، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، التي دعا فيها إلى اعتبار أنّ الكائنات البشرية قد تطوّرت من أصل واحد بسبب طفرات جينية ووراثية، الأمر الذي يتعارض مع الأطروحات الدينية التي تقول "كلّنا من آدم، وآدم من تراب"، وهكذا ارتفع رصيد العلم على حساب الدين في سياق تطور وتقدم المجتمعات الأوروبية ، حيث نظر أوغست كونت، مؤسس الفلسفة الوضعية، إلى الدين باعتباره استلاباً فكرياً أما فيورباخ، الذي تأثر به ماركس في موقفه من الدين، فاعتبره استلاباً أنثروبولوجياً (إنسانياً)، وذهب عالم النفس سيغموند فرويد إلى اعتباره استلاباً نفسياً، بل وهماً يُصنع في العقل الباطن مثل بقية الأوهام.
وبعد عصر التنوير والنهضة، حولت أوروبا الدين إلى مجرد تقليد ومحاكاة، وتم إضعاف دوره لحساب دور الدولة التي حاولت التأثير على المؤسسات الدينية لتتساوق مع مؤسسة الدولة العليا وانحسر الدين في إطار الخاص أو العلاقة الفردية للمواطن مع الدين أو الكنيسة .
لكن على الرغم من كل ذلك، فالدين لم ينقرض في الغرب، مثلما بشّرت بعض الأطروحات، وعاد بقوة –للدفاع وتبرير المصالح الطبقية الرأسمالية الجديدة- بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وبلدان أوروبا الشرقية، مثلما لعبت الكنيسة في بعض بلدان أمريكا اللاتينية دوراً ايجابياً وديمقراطياً منحازاً للفقراء في إطار ما عرف بـ"لاهوت التحرير"، لكنه لعب دوراً سلبياً في الشرق ، خصوصاً في بلادنا العربية، نظراً لقوة انتشار وهيمنة التراث القديم والعادات والعرف والتقاليد المحكومة لمفاهيم القضاء والقدر وغير ذلك من المفاهيم القديمة في ظل تكريس التخلف الاجتماعي والاقتصادي، حيث المجتمعات ما زالت بعيدة، في الكثير من الأحيان، عن شروط التطور الاقتصادي الاجتماعي الديمقراطي النهضوي، لاسيّما حين تعجز الجماهير الفقيرة المضطهدة، عن إيجاد حلول لمشكلات الفقر والمرض والبطالة والعيش الإنساني والحرية، فلا بدّ ان تبحث عن معالجات لها في السماء، وبالوعد باليوم الآخر.







اخر الافلام

.. Socialism episode 3: Antisemitism - what it is and how to fi


.. Socialism episode 1: Socialism


.. Socialism episode 2: Politics in Britain Today




.. انتخابات بافاريا: حزب الخضر يكسر موجة صعود اليمين المتطرف وي


.. شاهد: مظاهرت في ألمانيا ضد اليمين المتطرف