الحوار المتمدن - موبايل



مدخل إلى الفلسفة الماركسية (11-12) التفسير المغلوط لعبارة ماركس - الدين أفيون الشعوب

غازي الصوراني

2018 / 10 / 4
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية



مدخل إلى الفلسفة الماركسية (11-12)
الماركسية والدين
التفسير المغلوط لعبارة ماركس " الدين أفيون الشعوب" :
منذ "كتابة ماركس كتاب "أصول فلسفة الحق لهيغل"، فإنه يعترف بالمحتوى الآيديولوجي للدين وبدوره في الصراع الطبقي، وفي الوقت نفسه يعترف بمحتواه التحرري حين وصفه "روحاً لعالم بلا روح". كما قرأ ماركس وإنجلز المنجز الثوري للتقليد المسيحي، حيث تمثل المسيحية نتاجاً وهمياً لعالم معذّب وإسقاطاً ذهنياً لوعيٍّ مُستلب، ما يتطلّب إخضاعها للنقد لا التهجم عليها"[6]، وهذا هو المنهج الذي يجب أن نستخدمه في تعاطينا مع الدين الإسلامي في صراعنا السياسي الديمقراطي مع حركات الإسلام السياسي الرجعية ، لفضح إهدافها ومصالحها التي تخدم بصورة مباشرة أو غير مباشرة النظام الرأسمالي والمصالح الطبقية لأنظمة الاستبداد والاستغلال في بلادنا .
وفي هذا السياق ، فإن من المفيد الإشارة إلى المفكر الماركسي الإيطالي "جرامشي" الذي أكد في كتابه "دفاتر السجن" أن الدين هو أحد أركان البنيان الفوقي الآيديولوجي للتشكيلة الاجتماعية الملموسة، وهو متداخل مع بنيتها السوسيو-اقتصادية، وهنا يمكن التفريق في وظيفته من خلال مستويين أساسيين: الأول يتعلق بالمجتمع المدني، والثاني له علاقة بالمجتمع السياسي- الدولة التي تعتمد على وظيفة الهيمنة.
ولقد حاول غرامشي، بعد ماركس وإنجلز، إعادة النظر في المسألة الدينية، لكنّ نهجه ظلّ بعيداً عن توجهات الماركسيين العرب، وقد استمدّ غرامشي نهجه من الممارسة الكفاحية العملية، ولم يستمدّه من الكتب والتعليمات. وإذا كان ماركس قد قال في كتابه نقد فلسفة الحق لدى هيغل أنّ "الدين أفيون الشعوب" ، فإن هذه العبارة لم تُفهم في سياقها ، إذ أنه كان يقصد العلاقة بين الدولة البروسية والكنيسة البروتستانينه وموقفها من الدين باعتباره ضرورة لامتصاص ظلم ومعاناة العمال والفلاحين الفقراء، وضمان رضوخهم واستسلامهم تطبيقاً لمقولة "شيشرون" أن الدين شيء لابد منه للفقراء والعبيد لكي يقوموا بتنفيذ الاعمال الشاقة الموكولة إليهم وتَحمُّل عذابات الدنيا في مقابل أجرهم في السماء، وهنا بالتحديد يتجلى رفض ماركس للظلم الواقع على الفقراء باسم الدين، وتشبيهه بالأفيون الذي كان يستخدم علاجاً لتهدئة آلام المرض في زمانه .
فالأفيون في القرن التاسع عشر كان علاجاً طبياً وقانونياً يستعمل في الطب، وتتعامل به المستشفيات والمراكز الصحية، لا باعتباره مخدّراً ساماً أو مدمّراً لجسم الإنسان، وإنما هو مسكّن مؤقت من الآلام والأوجاع، ولم يكن النظر إليه كعمل إجرامي أو فعل مخالف للقانون، كما هو الحال في الوقت الحاضر، بل كان أمراً مرخصاً له ومسموحاً به ومفيداً . وفي هذا الجانب، نشير إلى أنّ ماركس قد اقتبس عبارة "الدين أفيون الشعوب" من الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط، حيث وردت هذه العبارة في كتابه "الدين في حدود الفعل البسيط"، لكن ماركس أضاف قائلاً : "الدين هو روح عالم بلا روح" ويقصد بذلك تحديداً الطبقات الارستقراطية والبورجوازية الحاكمة التي تعيش عالماً بلا روح، وبلا أخلاق وبلا ضمير، انه عالم الاستغلال البشع للعمال والفقراء ، "لكنّ إسهام ماركس بالذات كان في البحث في وظيفة الدين وأسباب حاجة البشر إليه باعتباره "الزهرة الوهمية على قيد العبد" أو "زفرة المقهور". وقد استفاد ماركس من رؤية فيورباخ إزاء الدين، ولم يكن له موقف عدائي مسبق"[7].
إن عبارة "الدين هو روح عالم بلا روح" هي ردٌّ على الفكرة المادية المبتذلة، من أنصارها أو من خصومها، التي تعتبر الماركسية تهتم بالماديات فقط، وهي نقيض الروح التي تجسّد القيم الأخلاقية والإنسانية والمثل العليا، ففي استخدام ماركس يرى أنّ الحضارة الرأسمالية هي التي سلبت البشر روحهم، أي قضت على دينهم الحقيقي، ولأنه يريد القضاء على الاستغلال فإنّه يريد تحرير الروح من الهيمنة الرأسمالية من جهة، ومن جهة أخرى منع استغلال تلك الروح من قِبل المؤسسات الدينية التي توظفها بالضدّ منها. وكم هي صحيحة هذه اللفتة للتأمل في الردّة الحالية نحو التديّن تحديداً بسبب خواء رأسمالية عصر العولمة القيمي وفسادها الأخلاقي وفقرها الروحي"[8]. وبالتالي فإن ماركس بهذه العبارة، "الدين هو روح عالم بلا روح" أراد أن يبين فيها ان الإنسان البسيط الفقير المظلوم المضطهد ، يلجأ إلى السماء ويتمسك بالدين لكي يُهَوِّن على نفسه معاناته ومآسيه الحياتية، فالدين هنا ليس عزاء وسلوى لما هو فيه من فقر وبؤس وحرمان ، بل أيضاً ، يرى فيه المظلوم عزاءه وتعويضه عن انتفاء آدميته الناجمة عن الظلم الطبقي ، وهنا تتجلى عبقرية ماركس المعرفية الثورية في استخدامه لهذه العبارة، لكي يوضح أنّ الحضارة الرأسمالية هي التي سلبت البشر روحهم، أي قضت على دينهم الحقيقي، ولأنه يريد القضاء على الاستغلال، فإنّه يريد تحرير الروح من الهيمنة الرأسمالية وكل أشكال الظلم والقهر من جهة، ومنع استغلال تلك الروح من قِبل الطبقات الرجعية والبورجوازية الحاكمة، ومن المؤسسات الدينية التي توظفها بالضدّ منها من جهة أخرى. وكم هي صحيحة هذه اللفتة للتأمل في الردّة الحالية التي تتعرض لها مجتمعاتنا وشعوبنا العربية من خلال حركات الإسلام السياسي صوب مزيد من التبعية والتخلف والاستغلال، لخدمة مصالح الطبقات والشرائح الكومبرادورية والبيروقراطية والعشائرية ، تحت ستار ديني، يهدف إلى تكريس العلاقات الرأسمالية الرثة في سياق الخضوع للنظام الامبريالي المعولم وفساده الأخلاقي والسياسي وفقره الروحي والمعنوي.
وكان المؤرخ الفرنسي مكسيم رودنسون قد أحسن التعبير عن هذه الظاهرة قبل أكثر من ربع قرن. بقوله "لا أعرف إلى متى ستستمر الحركة الأصولية، فقد يصل ذلك إلى ثلاثة أو حتى خمسة عقود من الآن. لكنها في جوهرها حركة عابرة. وهي ستبقى، طالما كانت خارج الحكم، نموذجاً مثالياً تغذيه الإحباطات والمظالم الاجتماعية الدافعة إلى التطرف"[9]. أما نبذ الحكم الديني، فلن يحصل الا بعد تجربة طويلة من المعاناة في ظله. باختصار: الأصولية الإسلامية ستواصل سيطرتها على المرحلة الحالية لفترة زمنية مرهونة بنهايتها لتوفر البديل الشعبي الديمقراطي وقدرته على استقطاب الجماهير الشعبية من ناحية، وعندما يفشل النظام الأصولي بشكل لا يقبل الشك ويقود الى طغيان واضح ومجتمع تراتبي خانع، أو يعانى نكسات من المنظور الوطني من ناحية ثانية، "سيقود ذلك الكثيرين إلى السعي نحو البديل. لكن هذا يتطلب وجود بديل يتمتع بالمصداقية ويثير الهمم ويعبىء الشعب. إنه بالتأكيد ليس بالأمر السهل"[10] .
وهاهم تجار الدين الذين يجعلوه أفيوناً للشعوب ، أو حركات الإسلام السياسي قد وصلوا إلى السلطة، "ومن شأن ذلك حتماً أن يُضعف المفعول المنوِّم لوعودهم، كما هو الحال في مصروتونس اليوم، خصوصاً حينما لا يتوفَّر لهم – بخلاف زملائهم الإيرانيين – ريعٌ نفطي كبير يتيح لهم شراء رضا قطاع عريض من السكان أو رضوخهم"[11]، لذلك فإن قوى الإسلام السياسي بقيادة الإخوان المسلمين التي تتصدر المشهد السياسي في اللحظة الراهنة، تحاول إفراغ الانتفاضة الثورية في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا من مضمونها الطبقي –الاقتصادي والاجتماعي- الذي كان السبب الأول لانفجارها جنباً إلى جنب مع مطلب الديمقراطية والحريات الفردية والكرامة ، حيث نلاحظ أن حركات الإسلام السياسي حرصت منذ أن قررت الالتحاق بالانتفاضة ، على إزاحة شعارات الشباب الثوري والعمال والفلاحين الفقراء وكل المضطهدين التي تؤكد على مطالبهم في الخلاص من كل أشكال الاستبداد والاستغلال الطبقي والإذلال الاجتماعي، إلى شعارات تؤكد على أن المعركة هي بين القوى الديمقراطية العلمانية واليسارية والقومية ، وبين الإسلام الذي تدعي تمثيله، وتقدمه على أنه "الحل المنشود" وذلك تعبيراً عن رؤيتها ومصالحها الطبقية التي لا تختلف في طبيعتها وجوهرها الاستبدادي عن طبيعة الأنظمة المخلوعة، من اجل تكريس تخلف وتبعية بلدانها واحتجاز تطورها.... لذلك كان من الطبيعي ان تنفجر الثورة الشعبية من جديد، معلنة رفضها للديكتاتورية والتفرد والقمع والاستبداد والاستغلال بعد أن اكتشفت الجماهير حقيقة التيارات الدينية وسياساتها وممارساتها التي لن تختلف -في جوهرها- عن سياسات النظام المخلوع، ما يعني أن أنظمة الاسلام السياسي بقيادة جماعة الاخوان المسلمين تعمل على تحويل الديمقراطية من مهد للتغيير والتقدم الى لحد تدفن فيه كل طموحات الجماهير الشعبية.

حول الدين والدولة والموقف من التدين الشعبي:
في هذا الجانب يقول عالم الاجتماع التقدمي العراقي علي الوردي : "إن الدين والدولة أمران متنافران بالطبيعة فإذا اتحدا في فترة من الزمان، كان اتحادهما مؤقتاً، ولا مناص أن يأتي عليهما يوم ويفترقان، وإذا رأينا الدين ملتصقاً بالدولة، علمنا أنه دين كهان لا دين انبياء ، فالناس لم يثوروا على الطغاة الذين سفكوا دماءهم وجوّعوهم وضربوا ظهورهم بالسياط، ذلك لأنّ الناس قد اعتادوا ذلك وألفوه جيلاً بعد جيل، لكنّهم يثورون ثورة عارمة عندما تنتشر مبادئ اجتماعية جديدة فتبعث فيهم الحماس وتمنحهم ذلاقة البيان وقوّة النقد". وفي هذا السياق ، نشير إلى المفكر الديني الشيخ عبد الرحمن الكواكبي الذي أكد في معظم كتاباته وخطبه على رفض كل أشكال الاستبداد ، وطالب بفصل الدين واستقلاله عن الدولة والحكم واستبعاد السلطة عن التدخل في أمور الشريعة .
إننا إذ نؤكد على أن الاسلام قد لعب دوراً تاريخياً مهماً في صيرورة تطوّر العرب، لكن طابعه الدنيوي تحوّل إلى تصوّرات مبسّطة ساذجة وأسطورية، خاصة في مراحل الانحطاط التي بدأت مع الدولة الأموية وتكرست في الدولة العباسية وما تلاها حتى المرحلة الراهنة ، وأصبحت الرؤى التي سادت في ضوء التصوّر المثالي الغيبي الذي طرحه "أبوحامد الغزالي" ضد عقلانية " ابن رشد" مجرد جملة طقوس بسيطة، من دون عقل أو معادية للعقل، فقد رفض الغزالي كلّ مجالات العلم والعقل والفلسفة، كما عبر عنها الفيلسوف ابن رشد، وحَصَر «العلم» في «علوم الدين» الأمر الذي لم يقره ولم يوافق عليه علماء الدين المستنيرين – في العصر الحديث والمعاصر- من أمثال جمال الدين الافغاني ، ومحمد عبده وأحمد أمين والشيخ علي عبد الرازق ثم الشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد أبو زهره وجمال البنا ومحمد سعيد عشماوي وغيرهم .
وفي هذا السياق، تتجلى أهمية كتاب الشيخ الأزهري علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم"، "الذي يناقش فيه مجموع الآراء والمواقف من مسألة الخلافة في الإسلام، انطلاقا من السؤال الرئيسي حول دينية أو عدم دينية منصب الخلافة[12]، فإذا كان البعض يعتبرها منصبا دينيا، وضرورة دينية، فإن علي عبد الرازق في رده على هذا القول ومن أجل تفنيده، يعود إلى المصادر الأساسية للإسلام: الكتاب والسنة والإجماع، يبحث عن شرعية أو عدم شرعية هذا القول. ليخرج بنتيجة مفادها أن لا الكتاب ولا السنة ولا الإجماع يعطيه الشرعية.
وإذا كانت الخلافة بالنسبة لعبد الرازق لا تستند لا على الكتاب ولا على السنة ولا على الإجماع. فإنها لا تستند في رأيه إلا على القوة والقهر والعنف بحد السيف من أجل فرض نفسها على المسلمين، وفي هذا الإطار يستعين المؤلف بالتاريخ الإسلامي من خلال بعض اللحظات التاريخية، ومن بعض الذين مارسوا الحكم للاستدلال على القوة والقهر.
"لقد طالب الشيخ علي عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" بإلغاء نظام الخلافة، حيث رأى "أن مؤسسة الخلافة ليس لها أي سند أو أساس فقهي من الأصول والمصادر المعتمدة للدين عند المسلمين، ومن ثم يجب نزع وإسقاط أية صفة قداسة كانت تنسب للخلافة، وبالتالي يصبح لكل أمة إسلامية الحق والحرية في اختيار نوع الحكم الملائم لها، وفي اختيار من تريده حاكماً عليها، وفي خلعه، ما يؤكد على أن مضمون دعوة الشيخ علي عبد الرازق هو أن الإسلام دين لا دولة، ومن ثم يجب الفصل بينهما، واعتماد العقد الاجتماعي والديمقراطية أساس للحكم"[13].
لكن تزايد عمق التخلف والتبعية في بلادنا العربية، في هذه المرحلة بالذات من القرن الحادي والعشرين، مع تزايد حالة الانحطاط الاجتماعي والاقتصادي والهبوط السياسي ، أدى كل ذلك إلى بروز الظاهرة الأكثر خطورة المتمثلة في بعض الشعارات التي تستغل "الوعي الديني" لدى البسطاء من الناس ، وتجعل منه نقيضاً للعقل والفكر والتقدم العلمي والديمقراطية من ناحية ونقيضاً لمفهومي الوطنية والقومية بذريعة انهما مفهومان علمانيان من ناحية ثانية ! ! ؟ وللأسف فإن ما يدعو إلى مزيد من الحزن والأسى والألم ان "المؤسسات الدينية" أصبحت تعيد انتاج "الثقافة" والطقوس الدينية الشكلانية المعادية للعلم والعقل عبر ملايين "الكتب" التي تقوم دول الخليج و السعودية خصوصاً، بدفع تكاليف طباعتها وتوزيعها لترويج الأفكار التي تعزز عوامل التخلف بما يخدم مصالح أولئك الحكام وغيرهم من امراء وأصحاب المال والثروة من الشرائح الرأسمالية الرثة، الكومبرادورية والطفيلية والبيروقراطية .
والمفارقة هنا تتبدى في أن هذه الأنظمة و "المؤسسات الدينية" تميل إلى تكريس الوعي العامي العفوي الموروث عبر الحرب على كلّ التطوّر الحداثي، بما في ذلك الحرب على كل منطق عقلاني أو نضال وطني أو قومي وتقدمي، لتكريس هيمنة الأنظمة الرجعية على عقول الجماهير، لكنها كذلك تكرّس الليبرالية على الصعيد الاقتصادي، وما يستدعيه ذلك من غياب أي شكل من التناقض مع الإمبريالية الأمريكية والنظام الرأسمالي المعولم . هنا سنجد أن الماركسية –من خلال احزابها- في صراع مع هذه التيارات من هذه الزوايا، وهو –في حقيقته- صراع ضد الإمبريالية والصهيونية ، كما هو صراع ضد كل اشكال الاستغلال والتخلف والاستبداد والفقر من أجل حرية شعوبنا واستنهاضها.
وبناء على ذلك ، فإننا نرى أن الخطوة الضرورية الأولى على هذا الطريق النضالي والديمقراطي النهضوي، هي في تحقيق الفصل بين الدّين والدولة، وهذا يعني التركيز على تعميم الفكر الحديث الديمقراطي العقلاني العلماني، إذ أن هذه العملية هي التي سوف تقود إلى تحقيق ذاك الفصل، انطلاقاً من إدراكنا -بصورة موضوعية خالصة – إلى أن ميْل الطبقات الشعبيّة إلى الحركات الأصوليّة لا ينبع من الوعي الدّيني، وفق ما يظنّ البعض ، بل نابع من دورها السّياسي، وفي هذا يجب أن يكون دور الماركسيين، أي دورهم في تقديم وممارسة تطبيق برنامج نضالي سواء ضد الإمبريالية والحركة الصهيونية ودولتها، أو في مواجهة النظم الكومبرادورية التابعة والمتخلفة، وأن يطرحوا بديلاً ثورياً واقعياً ، قادراً على تغيير الوضع الراهن وتوليد مقومات المستقبل.
إن أسلمة الدولة عند الحركات والجماعات الإسلاموية تستهدف هيمنة هذه الجماعات على المجتمع من خلال سيطرتها على الدولة، وإلغاء الفرد والمواطن، وتعطيل أو إسقاط مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة، والانتقال إلى النشأة المستأنفة للقهر الدموي العنصري الطائفي كما يجري الآن في سوريا والعراق ومصر وغيرها، إنها تحاول أن تمارس دورا قريبا مما سماه مهدي عامل، الاستبدال الطبقي ارتباطاً بمصالح الشرائح الكومبرادورية والطفيلية والبيروقراطية ، حيث تحاول جماعة الإخوان المسلمين بناء دولتها بمنهج تفكيكي يقوم على "نظام طائفي هو، بالضبط، نظام سيطرتها الطبقية الذي فيه، وبإعادة إنتاجه، يعاد، باستمرار، إنتاج تفكك المجتمع"[14]، لأن الدولة الطائفية هي العائق الأساسي أمام توحيد المجتمع، لأن الجماعات الدينية أو حركات الإسلام السياسي لا تملك حدّا أدنى من المصداقية التاريخية والسياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية من مفهوم الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة، بل هي ضدها وذلك لأنها ليست معنية بتطلعات الشعوب في النهوض والتقدم والثورة، بقدر ما هي معنية بترسيخ سطوتها وسيطرتها نحو الدولة الإسلامية الواسعة التي تدعو لها وهو ما يعني إجهاض الثورات وعدم الوصول بها إلى أهدافها في الحرية والعدالة الاجتماعية ، ووقف المد الثوري الذي فجرته الشعوب ضد الاستبداد القهري. لهذا هي ليست معادية للإمبريالية ، بل إنها تتحالف ذاتيا وموضوعيا، ماديا وسياسيا وإعلاميا، مع البلدان الأكثر رجعية وعمالة في بلادنا مثل قطر والسعودية وغيرها، ويعود السبب في ذلك، إلى "أن جماعة الإخوان المسلمين وعقيدتهم الاقتصادية القائلة بالاقتصاد الحرّ ولكن التابع والرث، يمثلون الكومبرادور النقي، إذا صح التعبير، في إطار من اقتصاد المحاسيب أو "الإخوان" غير المقيَّد بتدخل الدولة، وهي أكثر انسجاماً مع المذهب النيوليبرالي من واقع الرأسمالية السائدة في ظل مبارك. ويعبِّر عن تلك العقيدة خير تعبير خيرت الشاطر[15]، الرأسمالي الكبير والرجل الثاني في الإخوان بعد المرشد وممثل أكثر أجنحة الجماعة محافظةً، وكذلك حسن مالك، العظيم الثروة والعضو البارز في الإخوان"[16]. لكن موقفنا النقيض والمعادي لموقف القوى البورجوازية والرجعية من الدين واستخدامه كسلاح فكري أساسي لتكريس سطلتها، لا يعني أبداً موقفاً مضاداً لمشاعر الجماهير الشعبية من الدين، إذ لا يمكن، في مجتمع مثل مجتمعاتنا العربية، لأيِّ حركة يسارية ثورية أن تتجاهل الظاهرة الدينية، لا سيّما أنها ظاهرة مجتمعية، وإلاّ فإنها، هي ذاتها، سوف لا تكون ثورية، وإذا ما فعلت ذلك فلن يعود بإمكانها القيام بالتغيير الاجتماعي الحقيقي للمجتمع.
لذا علينا أن نتعلم من دروس وتجارب الحركات الثورية اليسارية في أمريكا اللاتينية، التي تفاعلت ايجابياً مع لاهوت التحرير المسيحي واستخدمته في مقاومة الظلم الطبقي والنضال التحرري آخذين بعين الاعتبار الفارق بين لاهوت التحرر المسيحي وطابعه الديمقراطي وبين المذاهب والحركات الإسلامية الرجعية، في العلاقة مع مظاهر التدين الشعبي.
فالتديّن الشعبي هو أحد معطيات الواقع الاجتماعي الذي ينبغي أخذه بنظر الاعتبار، ولذلك فإنّ من يعتبر نفسه طليعة الشعب، لا بدّ وأن يعمل على كسب هذا السند الشعبي بما فيه من معطيات تاريخية وتراثية سلبية وإيجابية، الأمر الذي يستوجب احترام الدين واتخاذ موقف إيجابي منه، لا سيّما القيم الإنسانية المشتركة التي تمثل، إلى حد كبير، قيماً للماركسية" كالدعوة للمساواة والعدالة والحرية وانهاء كافة مظاهر الاستغلال والاستبداد . لعلّ ذلك يجعلنا نؤكد على أن الظاهرة الدينية ظاهرة ترتبط بالوعي والثقافة الشعبية، وهي تعبير عن الإحساس المشترك الذي كان علينا – كفصائل واحزاب ماركسية عربية- إدراكه والتعامل معه من موقع نقدي، وليس من موقف نفي سلبي، وكان علينا الاستفادة منها بدلاً من صدمها أو التصدّي لها، أو ممارسة بعض المظاهر الضارة التي لا تحترم المشاعر الدينية للجماهير الشعبية الفقيرة ، مثل المواقف العدائية للدين أو الاستهزاء بتدين الجماهير واتهامها بالرجعية والتخلف ، والاستهزاء بالتقاليد التراثية الدينية أو التفاخر بالإفطار في شهر رمضان، وغير ذلك من الممارسات التي تؤكد على ضحالة الوعي من جهة، وتؤدي إلى انفضاض الجماهير من حولنا، بل واستجابتها للدعاية الرجعية والامبريالية المغرضة ضد احزابنا ومبادئها من جهة ثانية، الأمر الذي يكرس عزلتنا وخسارتنا للقطاع الواسع من جماهير الفقراء الذين يمكننا كسبهم لصالح قضية النضال التحرري الثوري والنضال الديمقراطي والصراع الطبقي الاجتماعي في آن واحد ، انطلاقاً من ضرورة وعي كل رفيق من رفاقنا – في جميع الأحزاب والفصائل العربية - بأن الآيديولوجيا الدينية، بذاتها ولذاتها، ليست رجعية أو ثورية، وإنما هي حمالة أوجه، تتلون باللون الذي تعطيه إياه القوى الاجتماعية الحاملة لذلك الوعي وتكييفها لمضامينها لمصالحها. ولعلّ النقد لا ينبغي أن يوجّه إلى العقيدة الدينية والإيمان الديني والرؤية الوجدانية والروحية، وهذه جزء من منظومة متكاملة، وخاصة للكون والطبيعة والمجتمع، ولهذا ينبغي أن يَنْصَّب النقد بشدّة ضد المواقف السياسية الليبرالية الهابطة والاستسلامية ، وضد الرؤى الفكرية والاقتصادية والاجتماعية اليمينية والرجعية، وضدّ دور بعض رجال الدين، لا سيّما أولئك الذين يستغلون المشاعر الوجدانية والإيمانية الروحانية لتخدير الناس والتأثير في وعيهم وتوظيفه بالوجهة التي تريدها السلطة والأنظمة الرجعية .
"وإذا كانت المسألة الدينية في العالم العربي من أعقد المشكلات، بل وأخطرها، وقد ازدادت اشتباكاً والتباساً منذ أواسط السبعينيات، فقد ارتبطت هذه المسألة، أولاً، بصعود التيار الديني، وبشكل خاص الإسلامي أو الإسلاموي، وثانياً، الأمر له علاقة بالمواقف الانتهازية للغالبية الساحقة من السلطات الحاكمة التي حاولت مداهنة الإسلاميين، بل وحتى تملّقهم، عسى أن يرضوا عنها، وقدّم الحكام التنازل تلو الآخر لها على الصعيد الدستوري أو القانوني أو على الصعيد العملي، أما ثالثاً فيتعلّق بفشل اليسار، لا سيّما الماركسي، في برنامجه الفكري والسياسي، وتراجعه عن مواقعه، إضافةً إلى بقائه على هامش وعي الجماهير ومعتقداتها اليومية"[17]. وبالتالي فإنّ بحث المسألة الدينية من منظور ماركسي يستهدف فهم العلاقة بين الدين كخطاب وتراث ومحطات تاريخية ، من جهة، وبينه وبين الممارسة الاجتماعية عبر تداخل الدين وتأثيره في عملية الصراع الطبقي الجارية في بلادنا من جهة أخرى. لذلك "فإن تناولنا لموضوع الإسلام و الماركسية، و معالجتنا لعلاقة الالتقاء و الاختلاف، إنما يهدف إلى تجديد التفكير فيهما سعيا إلى زحزحة ما اصبح أو ما أريد له أن يكون من الثوابت، وهو العداء القائم بين الماركسية والإسلام الذي لا يعبر عن العداء المطلق بقدر ما يعبر عن عداء مؤدلجي الدين الإسلامي للماركسية باعتبارها منهجا علميا يسعى إلى تحليل الواقع، و الكشف عن التناقضات القائمة فيه، ومجابهتها، والتسريع بتجاوزها في أفق تحقيق المجتمع الاشتراكي، و هو ما لم يسع إليه الإقطاعيون و أشباههم البورجوازيون و كل من يتطلع إلى أن يكون كذلك" [18].
وفي هذا الجانب، نقول، إن مهمة الكشف عن خلفيات تكريس عداء "الإسلام السياسي" لمفاهيم العقل والتنوير والديمقراطية والاشتراكية والماركسية، تقع بالدرجة الأساسية على عاتق الأحزاب الطليعية الثورية اليسارية والديمقراطية، وهي أيضاً مهمة المثقفين الثوريين الذين تقتضي الأمانة العلمية أن يكونوا على معرفة عميقة بالإسلام و بالماركسية معا، من اجل البحث العميق في العلاقة بينهما، فالإسلام إسلام، و الماركسية ماركسية، و شروط ظهور كل منهما مختلفة، و أهدافهما مختلفة، مع إمكانية التقاطع بينهما، ما يدفعنا إلى القول بأن العداء بين جوهر "الإسلام" و الماركسية عداء مفتعل، و هو ما يستلزم التصدي لهذا الافتعال، لإرجاع الصراع إلى وضعه الحقيقي كصراع بين الطبقات الموجودة على ارض الواقع، لا بين السماء و الأرض، لأن صراعا من هذا النوع هو تحريف للحقيقة، و ظلم للواقع، وفقدان للعلم، و ابتئاس للمنهج. ولذلك فإن من واجبنا تناول الموضوع بصورة تاريخية وموضوعية ، لكي يساهم في النقاش الذي يجب استرجاعه إلى الساحة النظرية بصفة عامة و الفكرية بصفة خاصة حتى تتم إعادة النظر في المقولات الجاهزة عند مؤدلجي الدين الإسلامي من جهة وعند كل من يسعى إلى تحويل الماركسية إلى عقيدة من جهة أخرى .
وبما أنّ الدين أوسع من الآيديولوجيا، فضلاً عن توجّهه لمخاطبة فئات واسعة من السكان، لا سيّما الفئات الشعبية، فإنه يصبح سلاحاً ذي حدين بيد الحاكم والطبقات الرجعية والبورجوازية ، من أجل تكريس الاستغلال، وكذلك بيد الجماهير الفقيرة للثورة على أنظمة الاستغلال وإسقاطها، وفي هذه الحالة ، هل يصبح هدف محاربة الدين في حد ذاته هدفاً ثورياً ؟ الجواب لا بالقطع، لأن الدين والتراث الديني "حَّمال أوجه" وملئ بالمقولات التي تُحَرّض على المساواة بين البشر، بمثل ما نجد فيه أيضاً مقولات تستخدمها القوى الطبقية ضد مصالح الجماهير الشعبية ، فأيّ ماركسية إذن، تلك التي تتوجه إلى معارضة دين ومعتقدات الغالبية الساحقة من السكان، لا سيّما الفئات الشعبية؟ إن في ذلك ضربٌ من الصبيانية وعدم الشعور بالمسؤولية، ناهيكم عن الجهل، إلاّ إذا كان ناجماً عن وعي وسبق إصرار، فإنه -في هذه الحالة- يبقى يدور في نخبوية نظرية خارج الماركسية وليس مهمة نضالية تغييرية كما هي الماركسية" . وبالتالي فإن موقفنا الواضح من هذه المسألة ، يقوم على أننا في صراعنا مع حركات الإسلام السياسي ، وفي علاقتنا مع الجماهير الشعبية، لسنا في وارد تناول موضوعة الدين من زاوية فلسفية ، في إطار الصراع التاريخي بين المثالية والمادية ، فهذه المسألة ليست بجديدة, كما أنها ليست ملحة, كما أن عملية عدم الخلط بين الدين كعقيدة يحملها الناس، وبين الجمهور المتدين تعتبر مسألة هامة وحساسة , فأن يكون لنا موقف فلسفي من الدين، لا يعني على الإطلاق سحب ذلك الموقف على الجمهور المتدين , بل على العكس، فان واجبنا النضالي يفترض منا الاقتراب من ذلك الجمهور واحترام مشاعره الدينية، والتفاعل مع قضاياه وهمومه، وجذبه إلي النضال من اجل الحرية والاستقلال والديمقراطية، وإنهاء كافة أشكال الاستغلال والقهر والاستبداد، انطلاقاً من فهمنا للماركسية بأنها ليست نظرية مضادة للدين كما يروج دعاة الاسلام السياسي والقوى الرجعية والامبريالية.
فالماركسي الذي ينظر إلى الفكرة التي تكوّنت خارج الواقع لا يمكنه أن يكون ماركسياً؛ فالماركسية نظرية لفهم الواقع والصراع الطبقي وفضح كل مظاهر الاستغلال والاضطهاد ، وبالتالي العمل على تغييره، "ولعلّ الكثير من الماركسيين، بمن فيهم العرب والعالمثالثيين، عند بحثهم المسألة الدينية لم يخضعونها للمنهج الجدلي، وهو موقف غريب، ولذلك كانت استنتاجاتهم غريبة أيضاً، لأنها نقيض للماركسية، لا سيّما عدم إدراك طبيعة التناقضات في الظاهرة الدينية"[19]. إذ لا يمكن، في مجتمع مثل مجتمعاتنا العربية والإسلامية ، لأيِّ جماعة ثورية أن تتجاهل الظاهرة الدينية، لا سيّما أنها ظاهرة مجتمعية، وإلاّ فإنها، هي ذاتها، سوف لا تكون ثورية. وإذا ما فعلت ذلك فلن يعود بإمكانها التوسع في أوساط الجماهير الفقيرة والقيام بالتغيير الاجتماعي الحقيقي للمجتمع. فالتديّن الشعبي هو أحد معطيات الواقع الاجتماعي الذي ينبغي أخذه بنظر الاعتبار، ولذلك فإنّ من يعتبر نفسه طليعة الشعب لا بدّ وأن يعمل على كسب هذا السند الشعبي بما فيه من معطيات، الأمر الذي يستوجب احترام الدين واتخاذ موقف إيجابي منه، لا سيّما القيم الإنسانية المشتركة التي تمثل، في الوقت نفسه، قيماً للماركسية.
ولعلّ انتشار حركات الإسلام السياسي في بلادنا اليوم، بحاجة إلى دراسة سوسيوثقافية بعد هزيمة مشروع اليسار، بشقيه الماركسي والعروبي (القومي)، خاصة وان غالبية المناقشات حول المسألة الدينية اكتسبت طابعاً عاطفياً وراهنياً، دون النظر إليها كبعد إستراتيجي، فضلاً عن غياب الرؤية الموضوعية لدى قوى اليسار في التعاطي مع الظاهرة الدينية ، الأمر الذي راكم في تعقيد المسألة، ناهيكم عن استخدامها من جانب القوى الرجعية والإمبريالية. فبدلاً من أن توجه بعض قوى اليسار (في كل البلدان العربية) النقد إلى الأنظمة المستبدة، وإجراءاتها القمعية ضد الجماهير الفقيرة المؤمنة بعفويتها، وإلى بعض رجال الدين الفاسدين، قامت بتوجيه نقدها أحياناً – بطرق مباشرة أو غير مباشرة - إلى الدين والإيمان الديني والجماهير المؤمنة واتهامها بالرجعية، بل وسخرت من بعض الممارسات الدينية، أو أهملت التعاطي معها، من موقع متعالٍ ومترفّع، وهو ما عملت على استثماره جماعة الإخوان المسلمين والحركات الدينية الأصولية، ووظفته لاحقاً ضدنا على نحو مسيء. ومع اقرارنا بهذا القصور من جانب الحركات الماركسية والشيوعية العربية، إلا اننا نؤكد بالمقابل ان أحزاب وقوى اليسار الفلسطيني، لم ترفض التعاون في إطار النضال التحرري مع الحركات الدينية ، خاصة في ظروف الانتفاضة الفلسطينية 1987-1992، لكن الحركات الدينية، رفضت أي شكل من التحالف مع قوى اليسار ارتباطاً برؤيتها الدينية والطبقية من ناحية، وانعكاساً لشعورها بكثير من التعالي والغرور والتفرد في قيادة الجماهير من ناحية ثانية، ما يعني بوضوح حرص حركات الإسلام السياسي على التفرد بالسلطة، والحكم لحساب رؤيتهم السياسية الاجتماعية التي تعكس بوضوح المصالح الطبقية للكومبرادور والعلاقات الرأسمالية التابعة في ظل انفتاحها وقبولها بالسياسات الأمريكية ومهادنتها للدولة الصهيونية . وهنا بالضبط، نؤكد على أن حركات الإسلام السياسي الرجعية والمهادنة، لا تعارض أبداً السياسات الاقتصادية الرأسمالية المرتبطة بحرية المنافسه والاقتصاد الحر والملكية الخاصة والتفاوت في الدخل والثروة وكل أشكال الاستغلال في إطار اقرارها بالطبقات والتمايز الطبقي ، وبالتالي يتخذون موقفاً متطابقاً مع النظام الامبريالي العالمي ليس في سياسته الاقتصادية فحسب، بل أيضاً في العديد من القضايا السياسية والمجتمعية.
وفي هذا الجانب ، نشير إلى ادعاءات الحركات السياسية الإسلامية بدورها في "تخفيف " معاناة الجماهير الفقيرة من خلال المؤسسات و"الجمعيات الخيرية" الدينية، لتقديم المساعدات المالية أو العينية باسم الإحسان إلى الفقراء..! وهذا لا يعدو ان يكون "أفيوناً" أو وهماً مثالياً غيبياً وديماغوجياً يستهدف امتصاص غضب الفقراء ونقمتهم وانتفاضهم ضد مظاهر استغلالهم ومعاناتهم وبؤسهم من جهة، وللحفاظ على أوضاع التفاوت والاستغلال الطبقي الرأسمالي وكافة السياسات والممارسات الرأسمالية البشعة من جهة ثانية . وهنا يتجلى الفرق الجوهري بين طروحات اليسار الماركسي الثوري، التي تلتزم بالنضال ضد اتظمة التبعية والاستبداد وكل أشكال الاستغلال والتفاوت الطبقي من أجل مجتمع قائم على العدالة الاجتماعية والمساواة ، وبين حركات الإسلام السياسي والقوى الطبقية الرجعية التي تستخدم مفهوم "الإحسان والصدقات" بالمعنى الديني، لتضليل الجماهير الشعبية واستغلال بساطتها وعفويتها حفاظاً على المصالح الطبقية للسلطة الحاكمة والطبقات المتحالفة معها، كما هو الحال الآن في كل بلدان النظام العربي.
الموقف المطلوب من الأحزاب والفصائل الماركسية تجاه الجماهير الشعبية المتدنية :
في هذا السياق علينا ان ندرك جيداً ، حرص أحزابنا والتزامها – في كل الظروف- باحترام المشاعر الدينية لدى الجماهير الفقيرة، وأن العلاقة بينها وبين العمال وجموع الفقراء المتدينين في مجتمعاتنا، باعتبارهم مادة وهدف النضال الثوري ببعديه التحرري الوطني، والاجتماعي الديمقراطي ، هي علاقة تستند بالأساس على تحريضهم وتوعيتهم ضد كل أشكال الاستغلال والاضطهاد والظلم التي يعيشونها، دون أي تدخل في معتقداتهم الإيمانية، فإذا كان لهذه الجماهير أن تتخلص من أوهامها الدينية، فإن ذلك لن يكون من خلال البراهين والكتب والكراسات فحسب، ولكن أيضاً ، بالدرجة الأساسية من خلال المشاركة في النضال الثوري التحرري والديمقراطي الاجتماعي في إطار الصراع الطبقي، وفي مثل هذه الحالة، يجب على رفاقنا في جميع هذه الاحزاب ، ضمان ألا تكون الاختلافات الدينية، أو الاختلافات بين المتدينين وغير المتدينين، عقبة في طريق وحدة نضال جماهير العمال والفلاحين الفقراء وكل الكادحين والمضطهدين ، فبقدر ما يصبح كل حزب أو فصيل من أحزاب اليسار العربي حزباً جماهيريا حقيقياً ، يقود العمال وجماهير الفقراء في أماكن العمل وفي المجتمع، بقدر ما سيكون في صفوفه فئة من العمال والفقراء الذين لا يزالون متدينيين، أو شبه متدينين. وسيكون رفض هؤلاء العمال بسبب أوهامهم الدينية موقفاً مرفوضاً ومضادا للماركسية.
لكننا في نفس الوقت، نحذر من سقوط بعض أحزابنا في مستنقع الغيبيات أو تبنى المنطلقات الدينية أو أن يقوم توجه الحزب السياسي واستراتيجيته وتكتيكاته على اعتبارات دينية، ذلك ان مستقبل أحزابنا الماركسية العربية وانتصارها يعني أن يسترشد كل رفاقنا بالنظرية الماركسية ومنهجها المادي الجدلي، بما يضمن التجسيد الثوري في التعبير عن المصالح الجماعية، وعن نضال الطبقة العاملة وجماهير الفقراء. ولذلك يجب على كل كادر من هذه الأحزاب والفصائل في هذا المجال أن يكون واثقا من أنه هو من يثقف أعضاءه المتدينيين ويؤثر عليهم، وليس العكس، انطلاقاً من موقف واضح وصريح ، يتجلى في أن تعاملنا مع المسألة الدينية بصورة موضوعية وعلمية ، يجب أن لا يقتصر على مجرد إبداء رأي أو تعامل مرحلي معها، أو حتى مسألة انتهازية انتخابية مثلاً، بل يتجاوز ذلك عبر الوعي العميق لبعض جوانب التراث الديني الثوري المنحاز للفقراء من ناحية، وعبر فهم الأفكار الأساسية والأهداف الاجتماعية والسياسية للماركسية في تطبيقها على واقعنا من ناحية ثانية . وبالتالي، فإن أحزابنا وفصائلنا اليسارية العربية، إذ تعتمد الماركسية، كنظرية علمية لدراسة التطورات الاجتماعية من منظور ثوري نقيض للمنظور الرأسمالي الطبقي، فلا بد لنا من استخدام طريقة الماركسية ومنهجها الجدلي الذي يجسد شكل ومضمون المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية والاقتصاد السياسي والاشتراكية من أجل تحليل وتغيير الواقع الاجتماعي والسياسي المتخلف والتابع السائد اليوم في مجتمعاتنا العربية، وان هذا المنهج بما هو اداة لكشف وتحليل الظواهر الاجتماعية والطبيعية، يفرض على كل رفاقنا عموماً ، والكوادر الحزبية خصوصاً، أن يتابعوا بروح نقدية استكشافية عقلانية كافة التطورات والصراعات الاجتماعية، لتقديم الرؤى والبرامج واليات العمل الهادفة الى تغيير وتجاوز الواقع المحكوم من قبل الطبقات المستغلّة في مجتمعنا لحساب تحقيق أهداف المضطهدين وكل الكادحين والفقراء في الانعتاق والتحرر والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية.
وفي هذا السياق ، فإننا نشير إلى أن أياً من فصائل وأحزاب وحركات اليسار العربي، لم تنجح تاريخياً –وبدرجات متفاوتة- بتعميم وتكريس منهاجها الأيديولوجي ومنطلقاتها التربوية الأخلاقية، وثقافتها العقلانية على قواعدها التنظيمية من الناحية الجوهرية، وبالتالي ظلت الايديولوجيا بوجه عام، غير ممأسسة تنظيمياً ومتناثرة ومحصورة أو محاصرة او هامشية مهملة ، ولم ترتق بأفضل أحوالها لتشكل منهجاً رئيسياً ناظماً للحياة التنظيمية او حالة فكرية جماعية أو قاعدة واسعة لوعي نظري منظم، الامر الذي يستدعي من هذه القوى والأحزاب الماركسية العربية، أن تبدأ جدياً بتفعيل البعد الأيديولوجي باعتباره أحد أهم مرتكزات حزبها وصيرورته الراهنة والمستقبلية، عبر الالتزام بمأسسة النشاط الفكري في اذهان رفاقها بما يضمن إحياء وتجديد إطار التفاعل الجاري بشأن إعادة الاعتبار للنشاط التثقيفي لمنظمات حزبها القيادية والكادرية والقاعدية، كبوصلة ومرجعية اولى لمسيرة نضالنا وتحقيق اهداف شعوبنا وجماهيرنا الفقيرة في التحرر الوطني والديمقراطي على طريق الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية .
ووفق هذه الرؤية ، فإننا نرى في طروحات ومفاهيم وبرامج حركات الإسلام السياسي الرجعية طروحات نقيضه للحداثة والتطور والديمقراطية والتحرر والنهوض، وهي أيضاً تكريس للتخلف والتبعية والاستغلال الطبقي ولكل مظاهر الاستبداد والقهر، وبالتالي فإن نضال فصائلنا وأحزابنا الثورية، ضد القوى الرجعية والظلامية هو نضال سياسي ديمقراطي مجتمعي في إطار التناقضات الداخلية، جنباً إلى جنب مع نضالها وتناقضها الرئيسي التناحري ضد التحالف الإمبريالي الصهيوني في بلادنا ...
وفي هذا الجانب، نؤكد على أن قناعتنا بأهداف التحرر الوطني والديمقراطي، يعني في أحد جوانبه، النضال من أجل تطبيق الديمقراطية ببعديها السياسي والاجتماعي في بلادنا ، لكن هذه العملية لا يمكن تحققها بدون الرؤية الموضوعية لمفهوم العلمانية، الذي نفهمه ونتعاطى معه كشرط من شروط الديمقراطية، وباعتباره مفهوماً لا يتناقض مع الدين، وليس منافساً له ، فالعلمانية، ليست مذهباً أو تياراً فلسفياً وليست نظرية معرفية، ولا هي نظرية في علم من العلوم، كما ان العلمانية بالنسبة لنا ، لا تعني عقيدة لا دينية ، ولا استبعاد الدين من الحياة العامة، ولا تقييد الحريات الدينية ، انها تعني حياد الدولة ومؤسساتها تجاه الاديان والعقائد حتى تضمن المساواة الكاملة بين مواطنيها بصرف النظر عن اعتقاداتهم.
ومن ذلك المنطلق الثوري بامتياز ، تتبنى الماركسية مصالح وتطلعات كافة المضطهَدين عموماً والطبقة العاملة خصوصاً، بوصفها الطبقة المنتِجة غير المالكة، وكذلك النساء باعتبارهنّ الجنس المضطهد، إلى جانب دفاعها عن قضايا ومستقبل تحرر الأمم والشعوب المقهورة، وهذه نقطة أساسية في التثقيف الثوري لسبب بديهي هو التالي: قبل أن يتعلّم المناضلون الماركسية كعلم، ولكي يستوعبونها حقاً، لا بد لهم باديء ذي بدء أن يتلقنوا منطلقاتها الأخلاقية ويجعلونها منطلقاتهم، وإلا فما قيمة "المناضل" الذي حفظ "قرآن" الماركسية عن ظهر قلب ولا تزال عادات التعالي الاجتماعي إزاء الأتعس منه حظاً، والذكورية والعنصرية والقومجية العنصرية والشوفينيه تخيّم على أطباعه. فما نفع "المادية الديالكتيكية والتاريخية" إذا درسها ذاك "المناضل" وهو لم يتخلص من رواسب سلبيات تربيته الاجتماعية التي تتناقض مع مبادئ ومفاهيم الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية .
إن المنطلقات والمفاهيم التربوية والأخلاقية الماركسية لا يمكن دراستها كأي"علم" بل فقط كمبادىء أخلاقية يجب التحقق من فهمها ليس عن طريق التثقيف فحسب، بل في الممارسة داخل الحزب، وعلى مستوى الحياة اليومية .
وفي هذا السياق ، فإننا نجدد تأكيد التزامنا باحترام المشاعر الدينية السائدة في أوساط الجماهير، بمختلف مذاهبها وطوائفها ، وذلك انطلاقاً من اعتبارنا للدين أحد أهم مكونات الثقافة العربية الإسلامية، علاوة على أنه مسألة خاصة ، شخصية وضميرية بين الإنسان والسماء، وبالتالي لا بد من فصله –بالمعنى الموضوعي- عن الدولة، وفق ما أكد عليه العديد من علماء وشيوخ المسلمين أمثال عبد الرحمن الكواكبي وعلي عبد الرازق ومحمد عبده وطه حسين وأحمد لطفي السيد وغيرهم ممن رفعوا شعارات التنوير والديمقراطية وحرية الرأي والمعتقد في إطار رؤيتهم العلمانية الهادفة إلى اثراء الجدل للعلاقة بين الدين والدولة، بما يتجاوز الفهم السطحي لمقولات ماركس حول الدين من جهة ولمفهوم العلمانية من جهة ثانية.

[6] عبد الحسين شعبان – الماركسية والدين – مجلة المستقبل العربي – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – العدد 409 – مارس 2013- – ص 618
[7] عبد الحسين شعبان – الماركسية والدين – مجلة المستقبل العربي – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – العدد 409 – مارس 2013- ص 216
[8] عبد الحسين شعبان – الماركسية والدين – مجلة المستقبل العربي – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – العدد 409 – مارس 2013- – ص 618
[9] جلبير الأشقر، "المستشرق الفرنسي الراحل مكسيم رودنسون وشؤون الإسلام السياسي والأصولية"، الحياة، 5 سبتمبر/أيلول 2004.
[10] جلبير الأشقر، المصدر السابق .
[11] جلبير الأشقر – الرأسمالية المتطرفة – للإخوان المسلمين –الحوار المتمدن الانترنت - 8/2/2013 .
[12] الحداثة السياسية في فكر النهضة - (علاقة الدين بالدولة) - مراد زوين
[13] ملخص كتاب "الدين والصراع الاجتماعي في مصر" 1970- 1985 - د. عبد الله شلبي - كتاب الأهالي رقم 67 - القاهرة – أغسطس – 2000
[14] مهدي عامل في الدولة الطائفية - دار الفارابي ط3 - 2003 - ص 94.
[15] كان السيد الشاطر هو المرشّح الأول للإخوان المسلمين في الانتخابات الرئاسية. وبعد رفض ترشيحه استُبدل بالسيد مرسي.
[16] جلبير الأشقر – الرأسمالية المتطرفة – للإخوان المسلمين –الحوار المتمدن الانترنت - 8/2/2013 .
[17] عبد الحسين شعبان – الماركسية والدين – مجلة المستقبل العربي – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – العدد 409 – مارس 2013– ص 219
[18] الإسلام/الماركسية علاقة الالتقاء والاختلاف – محمد الحنفي – الانترنت
[19] عبد الحسين شعبان – الماركسية والدين – مجلة المستقبل العربي – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – العدد 409 – مارس 2013







اخر الافلام

.. حوار مهند دليقان مع إذاعة روزنا حول استقالة دي ميستورا


.. اندماج نداء تونس والاتحاد الوطني الحر: إرباك للمشهد السياسي


.. حياة المناضل ماهر جايان




.. بي_بي_سي_ترندينغ | حملة في #الاردن لجمع بقايا الطعام من الفن


.. تعقيب أ. غازي الصوراني على مداخلات الحضور .. عن القوى اليسار