الحوار المتمدن - موبايل



صلاح الدين الأيوبي في القراءات والدراسات الأوربية - الجزء الأخير

بير رستم

2018 / 10 / 4
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


كما أن د.ناصر عبد الرزاق يقول: ((حظي (صلاح الدين) أيضاً بالأهمية في (ديكاميرون)***** حيث أورد (بوكاتشيو) حكايتين عنه. الحكاية الأولى ترتيبها الثالثة من حكايات اليوم الأول، وهي تقص القصة السابقة عن الخواتم الثلاثة. البطل الرئيس للقصة يهودي، إسمه ميلكياديس، من الإسكندرية، والذي سعى (صلاح الدين)، نتيجة إسرافه المعتاد، أن يقترض منه المال في حالة الطوارئ. وفي نفس الصورة التي ذكرها (وليم الصوري)، أشاد (بوكاتشيو) بـ(صلاح الدين): لم تقتصر بسالة (صلاح الدين) على أنه أصبح سلطان (مصر)، مع أنه من أصل متواضع، لكنه أيضاً حقق العديد من الانتصارات على الملوك المسلمين والمسيحيين(29). كما هو الحال في (تاريخ ما وراء البحار) يقول (صلاح الدين) لميلكياديس: لهذا السبب أود بكل سرور أن أعرف منك أي من الشرائع الثلاثة باعتقادك صحيح: اليهودية أو الاسلام أو المسيحية؟ وبعد أن يقدم (ميلكياديس) رده المخضرم والحكيم، يعطيه (صلاح الدين) أكثر، أعطاه (صلاح الدين) هدايا نفسية جداً، "وجعله مقرباً منه، وأبقاه في مركز مرموق ومشرف، وجعله من المقربين"(30))).

ويضيف الكاتب/الكاتبة ((في القصة الثانية، التي ألقيت في اليوم العاشر، وكان ترتيبها التاسعة في ذلك اليوم، يخوض (بوكاتشيو) في مخزن غني من فولكلور القرون الوسطى حول أبطال الحروب الصليبية، ويروي فيها كيف "أن الأمير الأكثر بسالة، (صلاح الدين)"(31)، تنقل برفقة بعض قادته وخدمه، متنكراً في زي تاجر قبرصي على طريق (لومبارديا)، والتقى هناك برجل يدعى (توريللو)، الذي يستضيفه بحفاوة بالغة، على مدى عدة أيام. ولم يكن الحوار بينهم يمثل مشكلة، لطالما أن "(صلاح الدين) ورفاقه وخدمه يعلمون جميعاً اللاتينية"(32). لقد صوروا بوصفهم سادة بالغي التهذيب: في الواقع، يصيح توريللو: أرجو من الله أن تنجب بلادنا سادة نبلاء على شاكلة ما أراه في تجار قبرص(33). ويذهب (توريللو)، في وقت لاحق، إلى الأراضي المقدسة، للمشاركة في الحملة الصليبية، لكنه يقع في الأسر، ويُجلب إلى (الاسكندرية)، فيجعله (صلاح الدين) مدرباً لصقوره(34)، ثم يتعرف عليه فعلاً، ثم يُعرف نفسه لـ(توريللو)، ويعامله بأبلغ درجات التكريم(35). وأخيراً يتم نقل (توريللو) إلى (لومبارديا)، حيث يقر لـ(صلاح الدين) الأيوبي بالصداقة والتبعية. وهكذا فإن الصورة التي يقدمها (بوكاتشيو) عن (صلاح الدين) تبني على شهرته الثابتة، بوصفه بطلاً للفروسية، ونموذجاً للتسامح الديني)).

وكذلك تجسدت نبل وفروسية صلاح الدين في المسرح حيث تجسد عند (((ليسنغ) أحد الرموز البارزة في عصر التنوير الألماني. وقد اختار (صلاح الدين) ليكون ممثلاً للإسلام في مسرحيته (ناثان الحكيم)، التي أكملها عام 1779. وهذه المسرحية مشبعة بروح العصر – من قبيل التشكيك والتسامح الديني – فتظهر أن كل التصورات عن الحقيقة نسبية. وبعض جوانب شخصية (صلاح الدين) كما صورها (ليسنغ) تكشف عن تصوير (المستشرق) لـ (الآخر)، فيظهر متسرعاً، مستبداً، وحشياً، يحكم بإرادة النزوة والتعسف. ومع ذلك، يبذل (ليسنغ) عناء شديداً وهو يصف (صلاح الدين) في ضوء متعاطف، مع تطور أحداث المسرحية(36)" وتتساءل الباحثة هيلينبراند "ولكن لماذا اختار (صلاح الدين الأيوبي) لتمثيل المسلم الأصيل؟ مما لا شك فيه أن (ليسنغ) كان على دراية بالتراث الأسطوري الغني، الذي كان قد نشأ في أوروبا عن (صلاح الدين). وإن التركيز على اختيار بطل مسلم، علاوة على ذلك، ينتمي للحروب الصليبية، مكّنه من إثارة ذكريات الصراعات الدموية بين الأديان..)) وتضيف كذلك ((قصة الخواتم الثلاثة، التي استخدمت بالفعل من قبل (بوكاتشيو)، وغيره قبله، أصبحت بقلم (ليسنغ)، وسيلة إرشادية يستخدمها (ناثان) اليهودي للدعوة إلى التسامح الديني. (صلاح الدين) دافئ القلب وحساس بما يكفي لاحتضان رسالة (ناثان). في الواقع، وفي تعليمات مطولة بشكل غير عادي، وصريحة، كتب (ليسنغ) أن "(صلاح الدين) اندفع إلى (ناثان)، وأخذ بيده، ولم يطلقها حتى نهاية القصة"(39). وتحدث (ناثان) بالخير عن (صلاح الدين) حتى قبل أن يلتقي به، مؤكداً أن الرأي العام يقدره عالياً(40)، وأن أحد الداوية قد أطرى شهامة (صلاح الدين) في إنقاذ حياته. كما أنه يعلن: إن الحياة التي أحياها هي منحة منه(41))).

وتقف الباحثة والكاتبة هيلينبراند عند والتر سكوت (ت1832) في تناوله لشخصية صلاح الدين الأيوبي فتقول: ((في غياب الخبرة المباشرة استعان (سكوت)، في استعادته لشخصية (صلاح الدين)، مزيجاً من الخيال الاستشراقي، وأساطير الفروسية. والعنصر الأساسي الذي استخدمه (سكوت)، في تصوير (صلاح الدين)، هو المقارنة بينه وبين (ريتشارد قلب الأسد). فقد وضعت شخصية (ريتشارد)، الميالة للحرب، "المتوحش السخي، مثال الفروسية، بكل ما فيها من إسراف الفضائل، والرذائل، التي لا تقل عنها إسرافاً"(50). وتميل كفة المقارنة لصالح (صلاح الدين). ومع ذلك، فإن هذه المقارنة، المرجحة لـ(صلاح الدين)، إنما صيغت بلغة التفوق الأوروبي والتعالي تجاه الشرق. في الواقع، "أظهر الملك المسيحي الإنجليزي كل قسوة السلطان الشرقي، بينما عبر (صلاح الدين)، من ناحية أخرى، عن السياسة العميقة والحكمة، التي هي من صفات الملك الأوروبي"(51). ويرى (سكوت) هذا "التباين الفريد"(52) بين الحاكمين، ثيمة أدبية مفيدة لروايته. وهما، فضلاً عن ذلك، سيتنافسان مع بعضها البعض على التفوق "في الصفات الفروسية، من الشجاعة والسخاء"(53))) وتضيف كذلك؛ ((في داخل الرواية نفسها، يقتفي (سكوت) التقليد الغربي في العصور الوسطى، الذي عزا إلى (صلاح الدين الأيوبي) صفات "العدو السخي والباسل"(54)، فظهر السلطان "طيب القلب مخلص أمين، إن صح أن تطلق هذه الصفات على كافر أعمى البصيرة"(55)، وبدا (صلاح الدين) في نظر (ريتشارد)، مثالاً لقيم الفروسية الأوروبية: ما أجدرنا... أن نطبق ذلك على كرم (صلاح الدين)، منذ ذلك الحين، فهو إن يكن وثنياً كما هو، إلا أنني لم أعرف فارسا مثله يتوفر فيه النبل، ونستطيع أن نركن بأمرنا إلى عدله وكرمه ليقطع فيه(56) وتردد (الطلسم) أصداء أخرى من ذخيرة المواضيع الأوروبية، المرتبطة بـ"أسطورة" (صلاح الدين)، بما في ذلك رغبة (ريتشارد) بتحويل (صلاح الدين) إلى المسيحية(57)، والمشروع المزعوم لتزويج (صلاح الدين) بقريبة (ريتشارد)، وهي سيدة من أسرة (بلانتجنت) المالكة، تدعى (ايديث)(58). وكما جرت العادة، يصور (صلاح الدين الأيوبي) فخماً في عطاياه: تقبض اليد اليمنى للسلطان على كنوز الشرق، وهذا هو فيض سخائه(59))).

وتقول أيضاً؛ ((وتبلغ الصورة المثالية، التي رسمها (سكوت) لـ(صلاح الدين)، ذروتها الرومانسية، في لقائه مع (ريتشارد)، وهو الاجتماع الذي عقد مع أروع أبهة واحتفال: وتتمثل، في الحقيقة، بين ثنايا مظهر (صلاح الدين).. ارتدى (صلاح الدين) نوعاً من القناع معلق بعمامته، حجب جانباً من ملامحه النبيلة. وكان يمتطي جواداً عربياً، أبيضاً، يحمله وكأنه يحس ويفكر براكبه النبيل(60). وتعانق كلا الحاكمين "كأخوين وندين"(61). ومع ذلك، لا يستطيع (سكوت) مقاومة الرغبة لإجراء المزيد من المقارنة بينهما. عندما قطع سيف (ريتشارد)، القوي ذي المقبضين، "في امتحان سليم للقوة"، صولجان من الحديد إلى قطعتين، رد (صلاح الدين) بأن أخذ السيف ذي، "الشفرة المنحنية والضيقة"، وبحساسية غير عادية، قطع وسادة الحرير إلى شطرين(62). ولعل من المستغرب، مع ذلك، ونظراً للتهويمات الخيالية التي أظهرها (سكوت)، في اللقاء المطول بين (ريتشارد) و(صلاح الدين)، أن نجد أساساً تاريخياً صلباً لكلمات (صلاح الدين) على الصفحة الأخيرة من الرواية، حيث يردد ما ذكره المصدر العربي المعاصر لـ(صلاح الدين)، والذي فيه السلطان هاتفاً: أنا لا أسلم لك القدس، الذي تتحرق شوقا للاستيلاء عليه. فهو لنا – كما هو لكم – بلد مقدس(63))). وبالأخير تستخلص الكاتبة فتقول: "وخلاصة القول، بالتالي، كان (سكوت) ابن زمنه، قد قبض على العناصر الرومانسية في أسطورة (صلاح الدين). وقد امتلك (صلاح الدين الأيوبي)، بوصفه مثال الفروسية والشهامة، قلب (سكوت) ومخيلته. ومثل معاصريه، قدّر (سكوت) في اسكتلندا البعيدة، أن الحروب الصليبية لم تكن ذلك المشروع النبيل، كما يعتقد البعض، وأنه قدم التحية لـ(صلاح الدين) والثقافة الإسلامية التي مثلها بطله(64)".

وهكذا وبعد أن تقف الكاتبة مطولاً عند شخصية صلاح الدين الأيوبي في الأدب والثقافة الأوربية في القرون الوسطى، تأتي للعصور الحديثة ومع عدد من مفكريها وكاتبها لترسم ملامح هذه الشخصية في الفكر الأوربي المعاصر فتكتب؛ ((ظهرت بعد سنوات عديدة على زمن السير (والتر سكوت)، سلسلة من السير عن (صلاح الدين الأيوبي)، كتب بعضها متحمسون، مثل: (روزبولت)، وأخرى لمستشرقين غربيين، مثل: (لين بول)، و(هاملتون كب). وقد حافظ كُتاب مثل هؤلاء على الصورة المتوهجة لـ(صلاح الدين) سليمة لا تشوبها شائبة. لقد وصف (روزبولت) (صلاح الدين) بأنه "بطل متجذر في أسمى مبادئ الفروسية"(65)، و"فارس لجميع الأزمنة، كامل في مظهره، كامل في سلوكه؛ عظيم في السخاء والتهذيب الأخاذ، كما لو أنه قد ولد بالتأكيد ليرتدي الأرجواني"(66). تحدث (لين بول) عن (صلاح الدين الأيوبي) كـ" رفيق مألوف، وأنيس، يحمل اسماً محبباً"(67)******* أما (جاكسون)، و(ليونز)، من ناحية أخرى، فلديهما نهج أكثر توازناً، فهما "جردا (صلاح الدين) من صورته الأسطورية، إلى حد ما، لكنهما لم يضرا بالخطوط العريضة الأساسية لدوره التاريخي، وسمات شخصيته، وحجم إنجازاته(68). إلا أن الصوت المنشق كان (اهرنكروتز)، الذي كتب في عام 1972، سيرة مثيرة للجدل عن (صلاح الدين)، حاول فيها إنزال (صلاح الدين) من عليائه(69). يقول (اهرنكروتز): إن شهرة (صلاح الدين) تأسست نتيجة تحريره (القدس)، ولولا ذلك لم يكن له أن يتباهى بأي إنجاز بارز. وحتى انتصار (صلاح الدين) الكبير في (حطين)، بزعم (اهرنكروتز)، سببه الأخطاء التكتيكية الأساسية، من جانب الصليبيين، بدلاً من التخطيط الإيجابي لـ(صلاح الدين) نفسه. في تلخيصه لدور (صلاح الدين)، يرى (اهرنكروتز)، بسبب المدائح التي ساقها كتاب السيرة المعاصرين لـ(صلاح الدين)، وهما: (عماد الدين الأصفهاني)، و(ابن شداد)، "ارتفعت شهرة (صلاح الدين)، بعد وفاته، إلى مستوى العظمة الأسطورية، والقداسة المبرأة من كل عيب"(70)********)). طبعاً لن نعلق على رأي (اهرنكروتز) بخصوص شخصية صلاح الدين الأيوبي والتقليل من شأن إنجازاته، لكن فقط نود أن نقول؛ بأنه لو كان مطلعاً على ما حققه سلاح الدين، لما قال ما قال حيث رأينا حجم تلك الإنجازات من خلال ما تقدم ورقعة المساحة الجغرافية للدولة الأيوبية والتي امتدت في عموم الشرقين الأدنى والأوسط وصولاً لتخوم أفريقيا.

وأخيراً تتساءل الباحثة والكاتبة البريطانية كارول هيلينبراند "لماذا (صلاح الدين)؟" حيث تكتب: ((ولكن لا تزال هناك مسألة واحدة، يمكن تلخيص ذلك في عبارة: "لماذا (صلاح الدين الأيوبي)؟" لماذا اجتذب (صلاح الدين)، وليس القادة المسلمين الآخرين، ممن قاتلوا الصليبيين، لا سيما، (عماد الدين زنكي)، و(نور الدين)، أو (بيبرس)، من اجتذب مديح الأجيال القادمة؟ يمكن استبعاد (زنكي)، طالما أن من الواضح أن عملياته تدخل في نطاق سياسة القوة فقط، وأن شخصيته، حتى في المصادر الإسلامية، تظهر غير جذابة. لكن ابنه (نور الدين)، كان حالة مختلفة تماماً. فقد حظي بالكثير من الإعجاب والاحترام، في حياته، من جانب المسلمين والمسيحيين على حد سواء. وقد وصفه (وليم الصوري) بأنه "أمير عادل، وحازم، وحكيم، ومتدين وفقاً لتقاليد بني جنسه"(71). إن (نور الدين) كان بحق السلف الحقيقي لـ(صلاح الدين الأيوبي)، فما الذي جعل (صلاح الدين) أكثر الزعماء المسلمين تكريماً في عيون الغرب؟)) وأعتقد إن الكاتبة بما سبق قد وضعت اليد على السؤال الحقيقي وذلك بتساؤلها السابق؛ لما كل هذا الاهتمام بشخصية صلاح الدين الأيوبي، بل الانبهار به من قبل الأوربيين وهو العدو والخصم ومن المفترض أن يكون محل الازدراء والحقد والكراهية وليس محل الإعجاب والفخر والامتثال به، بل التمني بالانتماء لهم وذلك لدرجة حبك الحكايات والخرافات والأساطير حول نسبه الأوربي "الفرنسي" واعتناقه للمسيحية، بل الإدعاء بأنه ينتمي للعروق الأوربية من "أم فرنسية"، كما رأينا، وتجيب الكاتبة على سؤالها السابق فتقول:

"ومن الواضح أن (صلاح الدين) كان يمتلك أصدقاء حميمين بين الفرسان الصليبيين، مثل (باليان ابلين)، وأنه حظى باحترام كبير من قبل (ريتشارد قلب الأسد)، و(ريموند) صاحب (طرابلس). وإن الكرم الذي أظهره، عقب الانتصار في (حطين)، ومن بعدها في (القدس)، قد نال إعجاب المصادر الصليبية. وعموماً إن هذه حقائق جلية، تسربت إلى الصورة الأسطورية اللاحقة، التي أظهرته رجلا متحضرا، شريفا وعطوفا. ولكن هذا لا يفسر لماذا أصبح (صلاح الدين) أكثر المسلمين شهرة في الغرب، باستثناء النبـي (محمد) نفسه. قد يكون ذلك لأن (صلاح الدين) هو من استولى على (القدس)، فبات مادة أسطورية. وقد تشوق المسيحيون لاستعادة السيطرة على المدينة الأعظم قداسة لمدة خمسة قرون.. الآن وبعد أن انتزعوها من أيدي المسلمين، بفضل جهد فوق طاقة البشر، وتمكنوا من التمسك بها لفترة وجيزة، وقعت بأيدي لمسلمين مرة أخرى. لقد كان سقوط (القدس) بالتأكيد أمرا لا يمكن أن يتحمله النصارى، سواء في شرق المتوسط، أو لمن عاد إلى موطنه في الغرب. وكان من الدفاع الطبيعي بالنسبة لهم، التأكيد بأن الرجل الذي هزمهم لم يكن رجلاً عادي الصفات. الإيمان بأنهم خسروها أمام خصم استثنائي، وغالباً خارق للمألوف، لا بد أن يكون وسيلة لاحتمال ذل الهزيمة. وإن عملية من هذا النوع أمر يعرفه علماء النفس" وتضيف كذلك "وأياً كان السبب وراء شهرة (صلاح الدين)، فمن الحق القول إنه لم يحدث أن تعلقت مخيلة الأوروبيين بشخص مسلم قدر تعلقها بـ(صلاح الدين). إن تفوقه على معاصريه، من مسلمين ونصارى، أقر به أعداؤه الصليبيون، إبان حياته. وإن صورته، حتى في ظل التعصب الأعمى للعصور الوسطى، قد بقيت نقية، لا بل أضفي عليها عناصر رومانسية، في وقت كان فيه موقف أوروبا من الإسلام مزيجاً مؤسفاً من الجهل والعداء".

وبالأخير؛ فإننا لن نعلق مجدداً بخصوص دور ومكانة وعظمة تلك الشخصية والقائد التاريخي، فما سبق قد قدم صورة ساطعة له ولانجازاته ولمرحلته التاريخية وما حقق وقد كتبنا بما فيه الكفاية بتلك الأحداث والمنجزات، لكن فقط سنقول لأبناء شعبنا ما يلي: للأسف وفي حين يتراكض الآخرين ليجعلوا من شخصية صلاح الدين الأيوبي ينتمي لهم ولثقافاتهم أو أديانهم وأعراقهم -ولو كان إدعاءً كاذباً وتزييفاً للتاريخ والحقائق، كما رأينا في حكاية "نسبه الفرنسي أو التركي"- وذلك لعظمة هذا الرجل وما حققه من انتصارات وإنجازات له ولبني جلدته من الأيوبيين الكرد، فإن أغلب أبناء شعبنا ولجهلهم بالتاريخ أو لتزييف التاريخ لهم، فإنهم يتنكرون له ولتاريخه وأمجاده وبطولاته وللدولة الأيوبية نفسها والتي لو استمرت بها الأحقاب والعقود لكان للشرق تاريخاً آخراً مختلفاً تماماً عما نراه عليه اليوم حيث نعيد ونقول؛ لكانت كردستان بدل تركيا والخلافة الأيوبية بدل العثمانية.

الكلمة الأخيرة سنختصرها بما يلي: نأمل أن نكون قد أنصفنا صلاح الدين الأيوبي والدولة الأيوبية بعض الشيء وذلك بعد عقود من نكراننا لهذه القامة التاريخية والتي تعتبر إحدى أهم القامات في تاريخ شعبنا والشرق والعالم عموماً وبذلك ربما نكفر عن بعض أخطائنا وذنوبنا بحق التاريخ وحق تلك الدولة وقائدها السلطان الأيوبي صلاح الدين وليكن بعلمنا جميعاً؛ لو كنا نعتبر صلاح الدين الأيوبي وحروبه وانتصاراته ودولته الأيوبية إرثاً وتاريخاً لنا لربما ما كنا عشنا كل هذه الأحقاب التاريخية تحت ظل حكم المستعمرين والمحتلين لكردستان، إن كانت بصيغ "أخوة الدين" للخلافة العثمانية أو بعدها تحت الوصاية الأجنبية الغربية وبعدها تحت ظل الحكومات الغاصبة لكردستان حيث شعب يمتلك تاريخ بطولي وشخصية فاتحة مثل الدولة الأيوبية وقائدها صلاح الدين ما كان أن يقبل الرضوخ والخنوع كل هذه السنين والأحقاب في ظل الاحتلال والاغتصاب لجغرافيته وقضيته، بل كان حقق ثورته ومنجزه السياسي قبل عقود، بل قرون طويلة وذلك ضمن كيانه السياسي المستقل، لكن وللأسف جهل وتخلف شعبنا من جهة ومؤامرة الآخرين من جهة أخرى ساهمت في تكريس تلك الذهنية التي عملت وروّجت؛ بأن لا تاريخ ولا حضارة وتراث ثقافي معرفي أو منجز حضاري لنا، بل حتى ما هو لنا تركناه للآخرين ابتداءً من الأيوبيين وصولاً للميديين والحثيين وبذلك فقدنا أي جذور للبقاء والارتقاء والاستقلال.. وللعلم؛ عندما تريد أن تقتل شجرة، عليك بقطعها عن الجذور وليس من خلال بتر بعض الأغصان الممتدة في السماء وكذلك وعندما تريد أن تقتل شعباً فعليك بالجذور ومحاولة إفقاره، ليس مادياً فقط، بل أولاً ثقافياً وبذلك تكون قد قضيت على نسغ الحياة الذي يمكن أن يبقي ذاك الشعب حياً بين شعوب الأرض.. وأعتقد هذا ما حصل مع الكرد، فهل حانن المرحلة التاريخية بأن ننفض عنا غبار حماقاتنا التاريخية؟!!









اخر الافلام

.. الصين تفتتح أطول جسر في العالم


.. شبكة عنكبوتية كبيرة تغلف الشريط الساحلي لبحيرة يونانية


.. مداخلة حسن منيمنة الباحث والأستاذ في معهد الشرق الأوسط في وا




.. مقتل جمال خاشقجي يطيح بمسؤولين سعوديين كبار


.. مراسل فرانس24: يبدو أن هناك عدم رضا تركي عن تطورات قضية خاشق