الحوار المتمدن - موبايل



زين وآلان: الفصل السادس 4

دلور ميقري

2018 / 10 / 5
الادب والفن


إبانَ الغروب، أكملت الشمسُ انتقالها من قرن الشيطان الأيمن إلى الأيسر. الطيورُ، هجعت في محطاتها ما قبلَ الأخيرة على أفاريز المساجد وغيرها من الأبنية العالية، منتظمةَ الصفوف أو متخلخلة، كما لو أنها أحرفٌ لاتينية سوداء في مخطوطٍ عفا عليه الزمن. روّادُ المقاهي، وغالبيتهم موظفون أو مستخدمون عائدون من أعمالهم، يتبادلون الحديثَ بينما أعينهم لا تغفل عن مراقبة هذه السائحة الأوروبية وتلك، غابطين أولادَ بلدهم المتغربين في فراديسٍ تجهلُ ذكرَ الله وقرنَ الشيطان على حدّ سواءً. الأضواءُ تغمر رويداً الساحة، بدءاً من المصابيح الكهربائية المبهرة للمحلات المسوّرة مدخل سوق السمارين، والتي لن تلبث أن تجاريها مصابيحُ غازٍ ستُضيء مظلاتِ العطارين ومحترفي نقش الحناء وقراءة الكف، لتتناثرَ بينها هنا وهناك شموعٌ من كل صنف لبسطات باعة الفوانيس وألعاب الأطفال. هيَ ذي أنوارٌ أخرى، تصدرُ عن حلقات الفرق المحلية مع تصاعد موسيقى آلاتها البدائية والحديثة؛ أنوار وموسيقى وغناء ورقص وتصفيق، ستبقى تتلاعبُ بهذه الساحة حتى لحظة انفجار جملة " الله أكبر " من مكبّر صوت منارة مسجد الكتبية؛ المنارة العظمى، المهيمنة على مشهد المدينة الحمراء كله.
وكان " سيامند " ما يفتأ غارقاً في أفكاره، بينما عشيقته تنثرُ ثرثرتها في الفراغ الفاصل بينَ جلستيهما خلف الطاولة الضيقة، الملتصقة بحافة سور الترّاس من جهته المشرفة على ساحة السحر والأعاجيب. أفاق من لجّة الفكر على تساؤلها، المشفوع بإشارة يدها نحوَ تلك الجهة: " كأني بهم غير عالمين أنها ليلة رأس السنة، أم أنهم يتجاهلونها كمناسبة خاصّة بالكَاوري؟ "
" أعتقدُ أنهم يتجاهلونها للسبب المذكور، طالما أن لديهم رأس سنة هجرية "
" بل إننا، نحن المغاربة، نهتم أكثر بعيد الميلود "
" وما هوَ هذا الميلود؟ "، سألها بدَوره ثم ما عتمَ أن أستدركَ: " ربما تقصدين عيدَ المولد النبوي، أليسَ كذلك؟ ". هزت رأسها، الملمَّع لونه العسليّ كالذهب تحت ضوء المصباح الكهربائيّ العاري، المنتصب على حافة الترّاس. هنا، جالت في ذهنه فكرةٌ سرعانَ ما نقلها لجلّيسته: " أتدرين، أنني كنتُ أعتقد اسمَ ‘ ميلود ‘ قد اشتق من مصدر بربريّ؟ "
" نحن الشلوح، لا نطلق على أولادنا سوى أسماء إسلامية "، قالتها مشددة على الصفة الأثنية وكأنما بغيَة توضيح تسميتها الصحيحة. إلا أنه كان عندئذٍ مشغولاً بفكرة أخرى: " ما يظنه كثيرون أنها أسماء عربية إسلامية، إنْ هيَ في حقيقتها إلا أسماء عبرية مذكورة في التوراة "
" ليسَ ذلك بالغريب، طالما أنهم أهلُ كتاب مثلنا! ولكن، هل جرى لعلمك أن الشلوح أنفسهم كانوا أساساً على الدين اليهوديّ قبل إسلامهم؟ "
" نعم. وأظن أنه صديقي، عبد الإله، مَن ذكر لي المعلومة "
" إنه شخصٌ طريف، هذا على الرغم من أنّ لخطيبتك رأيٍ آخر فيه "، قالتها مشددة هذه المرة على صفة سكرتيرته. ومع أنّ " سيامند " يبتسم عادةً لطريقتها الطريفة في التعبير، إلا أنّ فكرة جديدة رفرفت فوق رأسه ولو لم تشأ أن تجري على لسانه: " علاقتها مع زين توثقت على ما يلوحُ، وتحديداً مذ بدأت تجلسها أمامها لساعاتٍ كلّ مرة كي تنجز لها رسمَ بورتريت ". إ
لى الأمس القريب، كانتا تتبادلان مشاعرَ الكيد والكراهية على مألوف عادة الضرائر. وهيَ ذي إحداهن، تنافحُ عن الأخرى وتحذره من مغبة عدم الاقتران بها: " ولكن مَن منهما الموجب والسالب، لو أنها علاقة قائمة على إشباع ميول منحرفة؟ "، تساءل في نفسه وكان يتفحّص عن كثب هيئة عشيقته " السهلة المنال ". كان قد تناسى ( أو بالأصح دفنَ تحت تراب الذاكرة )، ما سبقَ وتناهى لعلمه من أقاويل في شأن العلاقة الجسدية بين " خطيبته " ومخدومتها الأولى. تلك السيّدة السورية، " سوسن خانم "، المحيطة ذاتها بهالة الأصل النبيل، لم تأبه أن يُثلِمَ حدَّ سمعتها ما كان يُشاعُ أيضاً عن اشتراكها بعلاقة مماثلة مع مرافقتها السابقة.
" آه، أهذا ما قصدته هيَ قبل قليل آنَ مقارنتها بيني وبين أخي الراحل؛ زوج تلك المرافقة! "، غمغم بهذه الفكرة في أغوار نفسه الطافحة بألم الشكوك والريَب. في الأثناء، كانت " غزلان " ما تنفكّ تنتظر ردّة فعله فيما ذكرته عن ذلك الصديق. وبالطبع، كانت ابتسامتها توحي بكونها خالية الذهن مما شغلَ فكره. على أن داخله أنتفضَ على حين بغتة، حينَ تذكّرَ مقدرتها على قراءة ما يجول في رؤوس الآخرين. ظل يتفرّس فيها كما ذي قبل، محاولاً جلاءَ ما يكمن وراء بسمتها المخادعة.
صوت المؤذن، الداعي لصلاة المغرب، أمكن سماعه بوضوح شديد مع توقف الساحة كلياً عن إصدار جلبة الموسيقى والطبول والغناء. عند ذلك، نظرَ " سيامند " في ساعة يده وقد بدا قلقاً حيال التزاماته في خصوص حفلة رأس السنة. فلما عادَ وتنهّدَ بارتياح، مطمئناً لفكرة أنَ معاونيه يقومون بواجبهم دونما حاجة لمعونته، فإن ملامحه سرعانَ ما آبت للكدر مع سطوع صورة أحد أولئك المعاونين.







اخر الافلام

.. زيارة لودريان إلى تونس: ترجمة الوعود إلى أفعال؟


.. متى تأخذ الرواية السعودية لاغتيال خاشقجي شكلها النهائي؟


.. حلمي بكر: -الموسيقى العربية- لا يقل أهمية عن جامعة الدول الع




.. الحصاد - اغتيال خاشقجي.. تناقض الروايات يزيد حرج القيادة الس


.. جيهان مرسى: مهرجان الموسيقى العربية الأهم على الساحة