الحوار المتمدن - موبايل



عندما يعيد التاريخ نفسه

وليد الحلبي

2018 / 10 / 6
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


مقولة أن "التاريخ يعيد نفسه لأن الجغرافية واحدة" تنطبق تماماُ على الأحداث التي شهدتها وتشهدها المنطقة العربية منذ مئة عام بالتمام والكمال.
فمع بداية القرن العشرين، عندما أُطلق على تركيا مصطلح (الرجل المريض)، بذلت الدول الغربية جهودها لتقاسم تركتها في شرق أوربا والمنطقة العربية بعد أن سلخت عنها مصر وشمال أفريقيا، باستثناء ليبيا، منذ القرن التاسع عشر (الجزائر 1830، تونس 1881، مصر 1882)، ولم يكن ممكناً الإجهاز على الدولة من الخارج، فتوجه الاهتمام إلى ضربها من الداخل، فتم ذلك بتواجد القوميات الشوفينية الثلاث في فرنسا:
1-الحركة الصهيونية، التي كانت قد عقدت مؤتمرها الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1897، ثم نقلت نشاطها إلى باريس، وكان هدفها الرئيسي إقامة وطن قومي لليهود، وفي ذلك المؤتمر أصبحت فلسطين هي المرجحة من بين عدة مناطق مقترحة.
2-الحركة الطورانية: والتي أنشأها معارضون أتراك معظمهم من يهود الدونمة، وذلك من خلال حزب تركيا الفتاة وجمعية الاتحاد والترقي والجمعية الطورانية، وكان هدفها إنهاء السلطنة العثمانية وتأسيس تركيا العلمانية.
3-الحركة القومية العربية: من خلال جمعيات العهد والعربية الفتاة والقحطانية وغيرها، وكان صلبها من بعض الضباط العرب في الجيش العثماني، وبعض المثقفين من النصارى الشوام الذين كانوا قد تخرجوا من المدارس التبشيرية التي افتتحتها الإرساليات الفرنسية والبريطانية في بلاد الشام.
كان لفشل تيودور هرتزل في إقناع السلطان عبد الحميد الثاني بمنح أرض فلسطين كوطن قومي لليهود دور رئيسي في القضاء على الدولة العثمانية، واستلم الطورانيون الحكم بعد خلع السلطان عام 1909، واستكمالاً للمؤامرة الثلاثية التي حيكت في باريس بين الأطراف الثلاثة المذكورة، والتي كانت تقضي بممارسة اضهاد العرب لدفعهم إلى الثورة على الدولة والارتماء في أحضان بريطانيا وفرنسا، والتي كان للصهاينة نفوذ كبير فيهما، لذا فقد أرسلت إستامبول (وكانت ما زالت العاصمة قبل نقلها إلى أنقرة عام 1932) أرسلت جمال باشا، الذي لقبه القوميون العرب بـ (السفاح) بسبب إعدامه عدداً منهم في كل من دمشق وبيروت بحجة وجود أسمائهم في السفارتين البريطانية والفرنسية، ومؤخراً أشارت بعض التقارير الصحفية إلى أن جمال باشا هذا كان عميلاً لبريطانيا، فإذا صحت تلك التقارير، تكون نظرية المؤامرة الثلاثية أقرب إلى التأكيد. ولكي تكتمل تلك المؤامرة، فقد دفع حكام تركيا الجدد البلاد إلى دخول الحرب العالمية الأولى حليفة للإمبراطورية الألمانية، وهذا ما كان السلطان عبد الحميد يتحاشاه لإدراكه بأن الدولة لم تكن لتحقق النصر في تلك الحرب.
المهم في الأمر أن القوميين العرب، نتيجة الاضطهاد التركي وعملية التتريك، لجأوا بقيادة الشريف حسين إلى بريطانيا لكي تساعدهم في الثورة على الدولة التركية، ومحادثات الحسين – مكماهون توضح بشكل لا لبس فيه تلك العلاقة، فتقوم الثورة العربية على الأتراك عام 1916، ويبدأ الجيش التركي بالانسحاب الطوعي من سيناء وبلاد الشام أمام جحافل من البدو الذين لا يملكون سوى جمال تعبة هرمة، وبنادق علاها الصدأ، فقد كانت تمثيلية مكشوفة لتسليم المنطقة العربية لبريطانيا وفرنسا، تمهيداُ لفرض الانتدابين البريطاني والفرنسي، ومن ثم منح فلسطين لليهود لإنشاء الوطن القومي، وبعد سنتين من إعلان بريطانيا وعد بلفور عام 1917، وقع فيصل ابن الحسين اتفاق (فيصل – وايزمن ) في مؤتمر الصلح بباريس عام 1919، والذي ينص صراحة على تعاون عربي يهودي في فلسطين.
ولأن الجغرافية واحدة، فقد أعاد التاريخ نفسه مرة ثانية في الشرق الأوسط، فبعد ثورة الخميني في إيران عام 1979، وجدت إسرائيل ونصيرتها الأولى الولايات المتحدة، أن المطامع الإمبراطورية الفارسية، والتناقض المذهبي بين إيران الشيعية وجوارها العربي السني، تصلح لصدام عرقي مذهبي تكون نتيجته الاعتراف بإسرائيل حقيقة واقعة، خاصة وأن الدستور الإيراني بعد قيام الثورة قد نص صراحة على رغبة توسعية، وذلك عندما أكد على ضرورة تصدير الثورة إلى الدول المجاورة نصرة للمظلومين، وهو بهذا يقصد الأقليات الشيعية في دول الجوار، متناسياً أن ظلم الدكتاتوريات العربية قد وقع على الأغلبية السنية بأقسى مما وقع على باقي الأقليات، وفي ذلك تتشابه إيران في توجهها الإقليمي مع التوجه الأممي للحزب الشيوعي السوفييتي، الذي كان يخاطب الطبقات الكادحة بالثورة تحت شعار (يا عمال العالم اتحدوا) حيث أن الشعار الإيراني أصبح (يا شيعة العالم اتحدوا)، وظهر للعيان استخدام إيران الفارسية فرع الحسين من آل محمد، تماماً كما استخدمت إسرائيل فرع يعقوب من آل إبراهيم، أما المطامع الأرضية فقد تطابقت دعاواها بين إيران وإسرائيل، فإيران تطالب بعودة السيطرة على أرض إمبراطورية كورش وكسرى، بينما تطالب إسرائيل بعودة السيطرة على أرض مملكة داوود وسليمان، أما استخدام الإرث الديني، فهو متطابق بين الجانبين كذلك، فالأول يعتمد على المذهب الإثنى عشري ويكرسه مذهباً خامساً في الإسلام، والثاني يعتمد على التوراة وشروحها في التلمود بقسميه المشنا والجيمارا، أما التطابق الأكثر أهمية، فهو نظرة كل من الفرس واليهود إلى لعرب، فالأدب الفارسي ينضح بكره العربي ووصفه بأبشع الصور من جبن وغدر وخيانة وقذارة، وهي الأوصاف التي ما زالت تدرس حتى الآن في جميع المراحل الدراسية في المدارس الإيرانية، وتتطابق معها النظرة اليهودية إلى الجوييم، أي جميع الذين ليسوا يهوداً، ومنهم بالطبع العرب.
ومنذ عام 1980، عندما قامت الحرب العراقية الإيرانية واستمرت ثماني سنوات حتى نهايتها، استمرت إسرائيل والولايات المتحدة بإمداد إيران بالأسلحة والمعلومات العسكرية، وما فضيحة إيران كونترا ببعيدة عنا، وعندما انهزمت إيران في الحرب أمام العراق، كان لا بد من تدخل أمريكي لإزالة الجدار العراقي الصامد أمام مطامع طهران لكي تقوم بتدمير العراق وسوريا، ولكي تحاصر دول الخليج من جهة اليمن، فكان غزو 2003 وسقوط بغداد، وبذلك قدمت الولايات المتحدة الخدمة التاريخية التي لا تقدر بثمن لإيران بمحو عدوها التاريخي، فانساحت قواتها مع الخونة عملائها من حزب الدعوة للسيطرة على الوضع السياسي العراقي.
أمريكا لم تكن غبية في إسقاطها العراق، بل تصرفت كما تصرف الأتاتوركيون عندما أسقطوا عبد الحميد الثاني، وبالتالي الخلافة، واضطهدوا العرب فدفعوهم إلى أحضان الغرب، واليوم اكتمل استخدام أمريكا وإسرائيل للوجود الإيراني في سوريا والعراق واليمن ولبنان بتدمير هذه البلدان، وكما قام جمال باشا السفاح التركي باضطهاد العرب لدفعهم إلى أحضان بريطانيا وفرنسا، قام قاسم سليماني وبهاء الأعرجي وغيرهما من قيادات الحشد الشيعي وفيلق القدس والحرس الثوري بدفع الخليجيين إلى التقارب مع إسرائيل حماية لأنفسهم من شر الاحتلال الإيراني.
بالفعل يعيد التاريخ نفسه، ليس لأن الجغرافية واحدة فقط، بل لأن العرب لا يتعلمون من التاريخ.







اخر الافلام

.. شباب الموصل يحيون أول ذكرى لتحررهم من داعش


.. إيغوري لاجئ: نساؤنا يغتصبن في المعسكرات القسرية


.. ماذا قال نائب أمريكي عن احتمال عزل ترامب؟




.. نتنياهو يتعهد بمواصلة عملية درع الشمال


.. مبادرة «لنزرع البحر ين معاً» تواصل حملة تشجير مناطق البحرين