الحوار المتمدن - موبايل



دروس ثورة سبارتاكوس على ضوء أحداث اليوم

محمد مسافير

2018 / 10 / 6
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


في نفس السياق (سياق أحداث تطوان الأخيرة ومظاهرات الحسيمة ومعارك الأساتذة المتدربين والمتعاقدين وكذلك المعطلين، في سياق كل احتجاج)
انتهيت مؤخرا من مشاهدة مسلسل سبارتكوس، وهو مسلسل لا أنصح به ذوي القلوب الضعيفة أمثالي، فقد بت أرى الكوابيس في أحلامي ثلاث ليال بعد مشاهدة الحلقة الأخيرة، لكن لا ضير في ذلك، لنبدأ:
المسلسل يحكي في مجمله عن حياة العبيد، وكيف يعتبرون واقعهم شيئا طبيعيا وعاديا، وطبيعي أيضا أن ينظر إليهم أشد المحافظين أو حتى الرجعيين من نوافذ عصرنا بنظرات استغراب وذهول وتساؤل: هل هؤلاء بلا عقل؟ لماذا يقبلون كل هذا الذل وهذه المهانة؟ لماذا يُقبلون على الموت بإصرار فقط كي يرضوا أسيادهم؟ لماذا يقادون من أعناقهم كالكلاب ويجلدون دون أن يحاولوا المقاومة، ويستقبلون أنواع الشتائم والإهانات بصدور رحبة، ودون أن يبدو على ملامحهم شيء من الاعتراض؟
لقد استنشقوا الذل مند المهد، فقد كانت الحرية في اعتقادهم مربوطة بشروط متعالية عليهم، ولأنهم يقدسون القوانين والأعراف، أو بالأحرى تربوا على ذلك، فقد كان من الصعب جدا أن يجتازوا عتبة العبودية حتى في أذهانهم، ومن الطبيعي جدا ذلك إن أدركنا أنهم لم يشاهدوا قط أنظمة أخرى على شاكلة مغايرة... لذا فقد كانوا محتجزين داخل قفص العبودية واقعا وفكرا...
سيسلم أغلب المحافظين اليوم، أن المؤسسات التي وجدنا آباءنا تحت إمرتها دائمة الحال وضامنة الاستقرار وواجب علينا تقديسها، كالمؤسسة الملكية مثلا، كالقوانين والتشريعات، كالقمع البوليسي للمظاهرات، كظروف الشغل القاهرة والسلطة المطلقة لرب العمل وواجب الطاعة والولاء له، كحق الرجل في ضرب زوجته أو أخته، أو للأنثى نصف ما للذكر... لكن المصيبة في حالة محافظينا هي أنه رغم وفرة النماذج الديمقراطية الحديثة، الذي تتيح لنا الوسائل التكنولوجيا معرفة تفاصيلها، وهو امتياز لم يكن لدى عبيد الأزمنة الغابرة، الذين كانوا يعتقدون أن العالم كله يعزف على نفس الإيقاع الدامي، إلا أنهم متشبثون بتقديس المؤسسات، إما خوفا، من واقع سوريا، أو طمعا، أي أنهم أصحاب مصالح، أو خاضعون لسلطة الوهم أو الدين !
باتياتوس، مدرب المجالدين، ظهر في المسلسل كشخص مطلق الخضوع للنظام، شخص سوي ومنضبط ومثالي الأخلاق، ناضج العقل بحكم تقدمه في السن، ورغم قوته الهائلة، إلا أنه لم يحاول أن يقف ضد ثورة العبيد في مرحلتها الأولى، لكنه اكتفى فقط بالمشاهدة ومحاولة ثنيهم بالكلام والنصيحة، ورغم ذلك، فقد رافقه تأنيب الضمير زمنا، لأنه تطاول على المقدس حين لم يحاول حمايته، وهكذا قرر أن يعاقب نفسه عبر الانتقال إلى العالم السفلي، وهو عالم أفراده أقل مرتبة من العبيد، وحوش آدمية تعشق رائحة الدم، ولا تستطيع العيش دون إراقته... سيتحول باتياتوس لاحقا إلى جيش الثوار، لكن ظهر هذا الانتقال على أنه الصعب في تجربة الاستقطاب كلها، بحكم عامل العمر والمكانة الاجتماعية التي كان ينعم بها قبل الثورة، كان مجرد عبد طبعا، لكنه كان النموذج المثالي الذي يسعى إلى بلوغه كل عبد، قوة وخضوعا في نفس الوقت، وهذا العاملين، العمر والمكانة، جعلا عملية الانسلاخ من إرث الماضي جد صعبة...
باتياتوس يجسد شخصية كل المنضبطين في هذا المجتمع أيضا، مقدسي القوانين، خاصة الذين سبق لهم أن تلقوا تربية عسكرية، فهؤلاء يصعب جدا إقناعهم بضرورة التغيير، وينظرون إلى الثورة كعمل طائش من ألاعيب الصغار لا يجب أن ينخرط فيه ذوو الحكمة والوقار...
نجحت الثورة في المراحل الأولى، بفضل طريقة التدبير العقلاني للجماعات التي كانت تلتحق إلى جيش الثوار بعد كل غارة، كان سبارتكوس يحاول تحرير كل العبيد، وفي مرحلة التحرير والالتحاق بجيشه هذه، اعترضت سبيله مجموعة من التحديات، هي أولا محاولة ضبط الحشود الجديدة والحفاظ على أهداف الثورة، خاصة وأن أغلب الملتحقين لم يدركوا معنى الثورة، وطبعا لم يتخلصوا من رواسب العبودية سريعا، فقد كانوا هائجين جدا وميالين إلى العنف وأذية بعضهم البعض وانسيابيين، أي يصعب ضبطهم، ثانيا، يجب عليه أن يحافظ على تماسك الحشود وألا تشكل القبلية والعرقية عامل ضعف ينهش صفوفهم، ثالثا، يجب أن يفكر في طرق تزويدهم بالزاد، وإلا فسيهلكون جوعا، ومرات كثيرة، يندم البعض على حريته، خاصة وأنه على الأقل كان شبعانا في عبوديته...
تحديات كثيرة كانت تواجه سبارتاكوس، وستواجه دوما كل الشعوب التواقة إلى التحرر، الحرية لها ضريبة، لكن يجب التفكير في قيمة الضريبة ومدى تناسبها مع الهدف، فستكون تافها إن اشتريت البطاطس بألف درهم للكيلوغرام، كما ستكون تافها إن أردت تحرير الطبقة العاملة والمهمشين وكان الثمن القضاء على 90 بالمئة منهم...
كان داخل جيش الثوار تيارين، تيار اندفاعي مندهش بحجم قوته وشديد الوثوق بها ومتعطش للانتقام وقهر الرومان، يمثل هذا التيار كريكسوس، وتيار آخر يحسب ألف حساب لكل خطوة يخطوها، ويحاول التغلب على خصومه بأقل تكلفة، لأن حياة كل عبد كانت تعنيه، هذا التيار كان ممثلا في سبارتكوس، وقد كانت تتوالى انتصارات جيش العبيد بفضل خضوع التيار الأول للثاني، لسبارتكوس...
ذكرني هذا الحدث بالمعارك الطلابية التي كنا نشارك فيها أيام الجامعة، كنا فصيلين طلابيين ماركسيين متنافسين وطائشين، كنا نتنافس في كل مرة على رفع سقف المطالب، ورفع سقف المعركة، مثلا، يقول الفصيل الأول يجب أن نصعد في المعركة ونغلق الطريق الرئيسي، ثم يقول الفصيل الثاني، لا يا رفاق، يجب أن نغلق الطريق الرئيسي ونتجه بالمسيرة نحو الرئاسة، ثم ينطق آخر من الفصيل الأول كي يحفظ ماء وجه فصيله ويظهر أنهم الأكثر عشقا للثورة فيقول، وقبل أن نقطع الطريق أو نوجه المسيرة نحو الرئاسة، يجب أن نحرق العمادة... المبدأ هو إظهار الشجاعة وإضمار الجبن، وبين حماقات هذا الفصيل وذاك، يقف الطالب مشدوها مذهولا فاتحا ثغره حتى تتلقفه أجهزة البوليس ويزج به في السجن، ثم يدعي كلا الفصيلين أنه كان إلى صفوفهم، أو متعاطفا معهم.. لكن دون أن يستفيد الطلاب شيئا، ودون أن يتحقق أبسط مطلب في الملف المطلبي...
أدرك كراسوس، قائد الجيش الروماني، أن قوة سبارتاكوس تكمن أيضا في نباهته وذكائه، لذا قرر أن يجابهه بالعقل والمكيدة، فأرسل جاسوسا متنكرا في صفات العبد، استطاع بدهائه أن يشعل فتيل الحقد وسط صفوف الثوار...
انقسم جيش الثوار بعد عراك بين سبارتاكوس ورفيق دربه كريكسوس، افترقا في منتصف الطريق، كريكسوس يتهم سبارتاكوس بالجبن، وسبارتاكوس يوصيه بالتريث، ليتفقا في آخر المطاف على أن يسلك كل واحد الطريق الذي يبغيه...
قاد كريكسوس جيشه نحو انتصارات معدودة وجزئية، لكنه هُزم أخيرا أمام جيش الرومان الضخم، فقتِل معظمهم وأسِر الباقي، أما جيش سبارتاكوس فقد كان الأقل عددا من حيث القادرين على القتال، حيث كان يضم أيضا الكثير من النساء والطاعنين في السن... حاول سبارتاكوس أن ينقذ جلود هؤلاء، ويحشد فقط القادرين على القتال في معركة حتمية، جيشه الضئيل ضد جيش عرمرم، وفي هذه المعركة، كانت نهاية سبارتاكوس ونهاية أتباعه...
ولكم في التاريخ عبرة يا أولي الألباب!







اخر الافلام

.. الشرطة العراقية تستخدم الرصاص الحي لتفريق متظاهرين بالبصرة


.. قوات الدرك تفرق متظاهرين في وسط عمان - تغطية مباشرة


.. اشكالية الدولة العربية ومستقبل الدولة القطرية - أ. مجدي ممدو




.. الرئيس الصيني شي جين بينغ يستقبل نظيره الإكوادوري لينين موري


.. كلمة الرفيق محمد نهار الظفيري من ندوة الحركة التقدمية الكويت