الحوار المتمدن - موبايل



زين وآلان: الفصل السادس 5

دلور ميقري

2018 / 10 / 6
الادب والفن


المنظرة، وكانت قد شيّدت مؤخراً على طرف الممشى المتصل بين مدخل الحديقة والباب الخلفيّ لصالة المنزل، تهيأت لاستقبال ضيوف الحفلة بأضوائها وزينتها. عدا جدار المنظرة الحجريّ، وهوَ في حقيقة الأمر جزءاً من جدار الصالة الخارجيّ، فإنّ جدرانها الثلاثة الأخرى كانت عبارة عن ألواح زجاجية كبيرة ضمن أطرها، المشغولة من الألمنيوم. ولقد أنزلت الستائر من الجهة المقابلة لسور الحديقة، منعاً لأعين العابرين أو المتطفلين المحتملين. ما ضاعف من بهجة المكان والمناسبة معاً، أنّ الأنوار كانت ساطعة داخل المنظرة وخارجها. فيما شاع الدفء بفضل سخانات كهربائية، مثبتة على الأعمدة الملبّسة بالخشب اللامع، التي تسند السقفَ المظهَّر بدَوره بنفس المادة والمتدلي منه أسلاكُ المصابيح الصغيرة وشرائط الورق المزركش وخيوط البالونات الملونة. الملاحظ أنه كان أمراً نافلاً إشعالُ السخانات، طالما الشمس الدافئة سبقَ وانحنت بحنوّها على جدران المنظرة في خلال النصف الثاني من النهار.
تلك الملاحظة الأخيرة، في واقع الحال، كان قد فاه بها " عبد الإله " مذ بعض الوقت. وكانَ قد قدِمَ في سيارة " الرفيق الحزبيّ البارز "؛ كما سلفَ وعلمنا عن صفة الرجل، وذلك في أوان تعرّفه على صاحب المنزل. اكتست سحنةُ " آلان " بشيء من الشحوب، حالما دلفَ الضيفان إلى المنظرة عبرَ بابها الداخليّ، المرتفعة عتبته بمقدار علو درجتها الوحيدة. في اللحظة التالية، التقت عينا الشاب بعينيّ معلّمه في نظرة عابرة. ولكنها كانت نظرة، مفصحة عما أعتلجَ في داخلهما كليهما من علائم الارتياب.

***
طوال الأسبوع الفاصل بين عيديّ الميلاد ورأس السنة، كان سكرتير " سيامند " يقوم بتحريات عن شخصية ذلك الرفيق في أوساط معينة من حزبه، المفترض. يتعين القول أولاً، أنّ السكرتير وبحُكم اهتماماته الثقافية المتنوعة، كان قريباً لبعض رفاق الحزب ومؤيديه. على أيّ حال، لم يبدِ أحد منهم معرفته باسم الرجل، " هشام "، المشفوع بصورة فوتوغرافية له؛ وكانت بالأساس صورة جماعية، قد التقطت في المكتب بمناسبة التعارف.
" أتفهّم قلقك، يا صديقي، لناحية احتمال كون الرجل على علاقة بأجهزة أمنية "، قال له سكرتيره يومَ أمس على أثر تقديمه تقريراً عن تحرياته. ولقد أردفَ بنبرة تبطن العتابَ: " ولن ألومك في قلة الحصافة والحذر، بقدر ما أرجوك أن تحسن التصرف ولا تنقاد لمشاعر النقمة والغضب. في كلّ الأحوال نحن غير متأكدين بعدُ من حقيقة الرجل، أو حتى من الدافع الكامن وراء تقديمه لك بالصفة المعلومة ". عينا المعلّم، وكانتا مشتعلتين بلهيب جامح يعكس اضطراب داخله، ما لبثتا أن اكتسبتا بعضَ الصفاء على أثر انتهاء السكرتير من كلامه. قال أخيراً، نافخاً بنفاد صبر: " حسناً، سأدعهما يتسليان بالكرة في ملعبي حتى يحين وقت التلويح بالبطاقة الحمراء! ". وكانا إذاك يتابعان مرئياً في صالة المنزل مباراةً بين فريقين إسبانيين شهيرين، سّببا انقساماً في المزاج العام لمحبّي رياضة كرة القدم وبالأخص في المغرب. ثم عادَ " سيامند " للقول بلهجة المعترف، النادم: " كم كنتُ مغفلاً، بل وحتى أحمقَ، باعتمادي على شخص مثل عبد الإله، فيما كان متاحاً إيكالك بأمر الاتصال مع رفاق ذلك الحزب ". ولكنه أستدركَ حالاً، وكان ما ينفكّ وجهه محمراً: " الحق أنني فكّرتُ آنذاك في مفاتحتك بأمر المهمة، وأنك ستكون نافعاً لقضيتنا في جانب آخر منها أهم شأناً وأجلّ خطورة ". على ما في الكلمات الأخيرة من ضبابية وإلغاز، لم يشأ " آلان " الاستفسارَ أو مجرد التعقيب. اكتفى برسم ابتسامة حيية على فمه، تعكس وداعته ورقته.

***
كانَ من نتيجة ذلك الإشكال، أن تمّ استبعاد أيّ حضور نسائيّ في حفلة رأس السنة. للمصادفة السعيدة، أنّ الأمرَ جرى دونما موجدة من لدُن صديقتيّ الشابين ( أو خطيبتيهما لو شئنا فتحَ قوسين جديدين! )، كونهما دعيتا لقضاء السهرة في غيليز لدى " سُمَية ". على أنّ حضوراً مدوياً لكنّة آل " الفيلالي "، عليه كانَ أن يفاجئ بشدة كلا الشابين.
لم تكن قد مضت دقائق على إعلان ساعة المطبخ الكبيرة، المزينة بإطار صدفيّ دمشقيّ، تمامَ التاسعة آنَ طرقَ سمع " سيامند " هدير دراجة نارية متبوعاً بصراخ أنثويّ، أهوج وماجن. على الفور أدركَ ماهيّة شخصية المقتحم، فامتلأ بالغيظ والغضب. أجتاز بسرعة الحجرات والممرات، متوجهاً إلى ناحية الحديقة. كانت الرغبة بتأديب العشيقة الطائشة قد وضعت حجاباً على عينيه وأذنيه حتى لم يكد ينتبه لأحد من الموجودين في المنظرة، أو لهتاف مدبّر المنزل المنهمك في شواء اللحم في ركنٍ من الحديقة. ثمة عند بوابة السور، المشكّلة قوساً من الحديد تتسلقه عارشة ورد، أبصرَ " سيامند " شخصاً يقفُ مع المرأة الهائجة بجنون وهوَ بهيئة محتارة ومحرجة. لقد كان ذلك الرجل العراقيّ، وبدا أنّ " غزلان " اصطحبته خلفها على الدراجة.
" إنها مفاجأة جميلة، أليسَ كذلك؟ إننا غير مدعوَيْن لحفلة رأس السنة، ولكنك ستدعنا ندخل بأيّ حال! "، هتفت العشيقة الطائشة في نبرة جذلة وكانت تلوح سعيدة مرحة. فكّرَ بسرعة، قبل أن يقدم على أيّ إجراء: " لو أنّ زين هنا، لكان هذا التصرف الأخرق يعني جرح كرامتي بشكل مقصود ولئيم ". أرتاح نوعاً للفكرة، ما جعله يحجم عن أيّ رد فعل عنيف. وكانَ مدبّر المنزل قد همّ بإسكات " غزلان "، إلا أنها دفعته بيدها بينما اليد الأخرى تمسك خوذتها. وكانت قد هدأت في نهاية المطاف، وما لبثت أن خطت باتجاه المنظرة المشتعلة بالأضواء فيما شعرها الطويل العسليّ يتماوج على كتفيها. تبعها " سيامند " بخطواتٍ سريعة، فأوقفها قبيل وصولها الباب الزجاجيّ السحّاب: " أغربي في الحال عن وجهي، وإلا قتلتك! "، همسَ بصوت مرتعش متشنج. تطلعت إليه في دهشة مقرونة بالخوف، واكتفت بهز رأسها بعد لحظة تردد: " المعذرة.. "، قالت باقتضاب وهيَ تدير وجهها إلى ناحية مدخل الحديقة. ولكنه كان أكثر تهذيباً وهدوءاً، حين خاطبَ الضيفَ غير المدعو: " تفضّل على أيّ حال، وأعتبر البيت بيتك ". نطقها على الطريقة المشرقية في الترحيب بالضيوف، ما خففَ من حرجَ الرجل والذي رد باسماً: " أشكرك يا أخي، وعليّ أيضاً الاعتذار منك على الموقف السخيف المنقضي ".
بعد أشهر قليلة، أستعاد " سيامند " ذلك الموقف، محاولاً إسقاطه على حادثة هزت أعماقه مثلما أفزعت المجتمعَ المراكشيّ الراقي: العثور على الرجل العراقيّ ميتاً في إحدى عرصات الشارع ذي الاسم الملكيّ، وكانت جثته بحَسَب تحقيقات الشرطة مطعونة بسلاح أبيض.







اخر الافلام

.. مهرجان أفلام الهجرة الدولي يسلط الضوء على المهاجرين في السين


.. الحياة الثقافية 3 تاريخ 1ث


.. الحياة الثقافية والفكرية تاريخ 1ث




.. الحياة الثقافية والفكرية 2 تاريخ 1ث


.. أنا الشاهد: مسرحية -وجع - قصة تحكي عن خجل المجتمع والتخلي عن