الحوار المتمدن - موبايل



زين وآلان: الفصل السابع 1

دلور ميقري

2018 / 10 / 7
الادب والفن


تائهاً في مجاهل دروبٍ لا تؤدي إلى أيّ مكان خلا المتاهة، كان يسيرُ بلا هدى تارةً تحت سماء ربيعية وردية وتارة أخرى تحت سماء شتوية متجهمة، ودائماً مع الشمس والظلال، دائماً مع أفكار الرجل الغريب في المدينة الحمراء: ولكنه كان أساساً من سلالة غرباء، تبعت أثرَ أسلافها إلى الفردوس الأرضيّ بنفس الطريقة تقريباً، المتعيّن فيها على " آدم " النفي إليه من أعالي الفردوس السماويّ ليستقر في سفح الجبل، في كهفٍ ما يفتأ يتبارك باسمه. كذلك وجد نفسه كأبي البشر، يتيه مرة أخرى على أطراف فردوسٍ أليف، يعرفه حق المعرفة من علاماتٍ لا تخطئها عينٌ دَرِبة، خبيرة في مواضع الجمال الطبيعيّ والإنسانيّ سواءً بسواء.. يتيه بحثاً عن المدينة الأولى، المتمدد جسدها الأخضر بين جبل فضيّ وبادية مذهّبة، يتخللها عروق زرقاء لنهر يقع نبعه في المجمع الإلهيّ على اعتقاد ساكنيها الإغريق الأقدمين.. يتيه بحثاً عن تاريخ قومه، المنطلق من مقام مؤسس السلالة الحاكمة، المهيمن على قبّته النبيذية اللون ظلُ إحدى منارات المسجد الأمويّ الكبير ـ كما تفعل تماماً، منارةُ مسجد الكتبية، إزاءَ مقام مؤسس المدينة الحمراء ذي القبّة المثلثة الشكل، الزيتية اللون.
ولكنه كان يبحث عن الحقيقة، في آخر المطاف، عن حقائق مثلثة ( كم تشبه تثليثَ شعيرة الكَاوري والشعارات الملكية والجمهورية والعروبية! ) في واقع الحال؛ الحب، الواجب، القضية. كان يبحث عنها في خلال طوافه بأماكن الذكريات، المهزومة أبداً أمام صنوها اللدود؛ الزمن. عليه كان أن يمّر إذاً فوق رصيف الشارع ذي الاسم الملكيّ، الشاهد على مشاويره الأولى مع ابنة الأسرة المُحسنة وصولاً إلى شقته في نهاية غيليز. ومن ثمّ عليه العودة للانعطاف إلى جهة اليمين من الفيللا، أينَ البار الصاخب الموسيقى، المحتضن لغزَ المرأة ذات الثوب الحمر البرّاق، الذي شغله وصديقته السويدية. وإلى ساحة السحر والأعاجيب، حيث ترّاس مقهى كافيه دو فرانس، المتعهّد لقاءات مَن عُدّت لأعوام " خطيبته "، والمختتمة مذ بعض الوقت بنهاية أقل تراجيدية من نهاية علاقتها بالرجل العراقيّ قبل قرابة الخمس سنوات: كلّ من هذه الأماكن، كانت تكشف له أيضاً عن وجوه كل من تلك الحقائق مع صنوها، المدموغ بنوعٍ من الخيانة؛ خيانة الحب على الأقل. تماماً، كما يعبّر عنه قول وليم بليك: " الأبدية في الحب مع صروف الزمن ".
لقد بليَ حبّه لمَن كانت له خطيبة وسكرتيرة في آنٍ معاً، مثلما حلّ على الأرجح بعظام صديقها السابق، العراقيّ، المكوّمة في إحدى مقابر المسلمين، الباريسية. عبثاً كان تشييعه لحبه في شوارع المدينة الحمراء، كما كان الأمر مع نقل جثة ذلك الرجل إلى عاصمة النور لمجرد ألا تُحرمَ من سماع هذه الجملة المقدّسة لدى طائفته: " صلى الله على محمد وعلى آل سيّدنا محمد ".. وعلى آآآآآل الخ الخ!
عظام " رفيق "، مكوّمة في مكانها المعلوم. فماذا عنه هوَ، " سيامند "؛ عمن عدّوا يوماً بمثابة حريمه، بشكل أو بآخر، اللواتي ما تنفكّ عظامهن سليمة وتساعدهن على السير في شوارع المدينة الحمراء بكل آمالهن وآلامهن وإحباطهن: ماذا عن ابنة الأسرة المُحسنة تلك، ماذا عن خطيبته، وعن عشيقته؟ كم كان قدَراً غريباً، مشاركته للعراقيّ الراحل في العلاقة العاطفية ( والجسدية أحياناً ) مع هاته المذكورات. ولكي تتحول مهزلة القدر إلى مأساة، كان على " سيامند " أن يستحوذَ أيضاً على البعض من نساء أخيه الراحل. وهوَ ذا يردد أسماءهن، محالة إلى ما عرفه عن أحوالهن في هذه الفترة الزمنية، السابقة لمغادرته مراكش نهائياً: " خدّوج "، الموغلة من جديد في أزمتها النفسية بعدما تركها حبيبها لسبب غير معلوم؛ " زين "، المنطوية على نفسها على أثر فقدانها العريسَ تلو الآخر؛ " غزلان "، المنتظرة نتيجة قضية طلاق رفعتها على زوجها؛ " تينا "، التي انقطعت أخبارها بسبب إرساله جوابَ خطابها سهواً على نفس عنوانها القديم في ستوكهولم!
ولا يمكنه تبرئة مسئوليته مما حلّ في بعضهن من مآسٍ، وبالأخص سكرتيرته السابقة، التي سيتعيّن عليها، فوق ذلك، تجربة البطالة مجدداً أو القبول بتمريغ كرامتها كموظفة استقبال في فندق أو شركة. ومن بين كل من عرفهم من رجال في هذا المغترب، بقيَ شقيقها الأقرب إلى قلبه والأدعى إلى شفقته. مع أنّ " آلان " بدا له لأول وهلة شاباً خفيفاً، أقرب لصفة الغندور منه إلى الشخص المثقف؛ بحَسَب من قدَمّه إليه في رواق الفنون. ليست حَسْب الحلقة الذهبية، المثبتة في حلمة أذنه، من كانت قد أعطت ذلك الانطباع السلبيّ، وإنما أيضاً طريقته الناعمة في الحديث علاوة على ملابسه الضيّقة، الملتصقة بجسده الرشيق كما هوَ حال مغني الروك. ولعل هيئة مدير أعماله السابق، المَوْصوفة، هيَ مَن خلّصته سريعاً من براثن المحققين في جريمة قتل الرجل العراقيّ. على أنهم أخذوا بعين الاعتبار، ولا شك، ما تمتع به من سمعة حسنة في مدينةٍ تكاد فيها فتيات الشارع أن ينتزعن عذرية أكثر الشباب عفةً وطهارة!
ولأنّ المدينة الحمراء كذلك، جديرة بلون أحجارها الموحية بالشبق والرغبة، لم يكن بمقدور أولئك المحققين سوى إحالة الجريمة إلى القول المأثور: " ابحث عن المرأة ". في حقيقة الحال، أنّ العراقيّ كان وثيق الصلة بفتيات الشوارع والبارات، بل ولم يدخر وسعاً في إغواء بعض النسوة المتزوجات. شهادات عديدة، يلوح أنّ الشرطة حصلت عليها إن كان في الأماكن المشبوهة أو خلافها. حتى لو وجدوا قاتله، فكّرَ " سيامند " بينما كان يواصل جولةَ الوداع، فإنهم لن يستطيعوا نفخَ الروح في عظامه البالية؛ إعادة جثته حيةً إلى مكانها الأخير في تلك العَرَصَة، الكائنة على طرف الشارع ذي الاسم الملكيّ، المطروق في آناء الليل والنهار من لدُن أجسادٍ رَخِصة، معبّقة بروائح العطور الفرنسية الثمينة.
" آه نعم، لقد كان المغدور يسعى خلفَ امرأة متزوجة وربما هوَ من دفعها لطلب الطلاق مكراً أو فعلاً! "، هتفت أعماقُ الجوّال على حين فجأة. بلى، لقد تذكّرَ كيفَ أركبته " غزلان " معها على الدراجة النارية في ليلة رأس السنة المنقضية وما أعقب ذلك من فضيحة عند سور حديقة منزل الضاحية. وإذاً، جاز لسهم الشك أن يتجه رأساً نحوَ هدفه؛ نحوَ الشاب المشتعل بالغيرة على امرأة خاله وكان يوماً على مرمى حجر من غريمه المفترض فيما يده تقبض على خنجرٍ مدسوس طيّ جلابته!

> مستهل الجزء الثاني/ الفصل السابع، من رواية " الصراطُ متساقطاً "















اخر الافلام

.. شرح الجزء الأول في اللغة الأسبانية - 3 ثانوي - الوفد التعلي


.. #إفريقيا_الأخرى | مشرد في عشوائيات نيروبي تحول إلى فنان معرو


.. بتحلى الحياة – الممثل الان زغبي




.. «زي النهارده».. وفاة عميد المسرح العربي يوسف وهبي 17 أكتوبر


.. اختفاء جمال خاشقجي ..ما المخرج؟