الحوار المتمدن - موبايل



لذلك تأخر ظهور العلم الاقتصادي

محمد عادل زكي

2018 / 10 / 9
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


المحرك المركزي لنشأة العلم هو الكشف عن القانون الموضوعي الحاكم للظاهرة(1) الاجتماعية بوصفها (شيء(2)) (مهيمن) يملك نفوذاً (مستقل) عن أفراد المجتمع.(3)
ولكي ينشأ العلم الاجتماعي، وليس الانشغال الفكري فحسب، يتعين أن يكون الذهن الجمعي مهيَّئاً للكشف عن القوانين الحاكمة للظاهرة على الصعيد الاجتماعي. والذهن الجمعي يصبح مهيئاً لذلك حينما يُبدد ما يحجب الوعي الناقد ويحطم الصنمية الفكرية؛ طامحاً إلى أكثر من وجوده بالتعرف إلى معنى الحياة والهدف منها.
ولم يكن لعلم الاقتصاد السياسي، كعلم اجتماعي، أن يظهر لكي يفسر الظواهر محل انشغاله إلا بتزامن هيمنة تلك الظواهر، وتضافرها، مع تطلع الذهن الجمعي إلى التعرف إلى القوانين الموضوعية الَّتي تحكمها.
فعبر تاريخ البشر برزت خمس(4) ذهنيات: الذهنية الميثولوجية والذهنية الفلسفية كذهنيات مهيمنة في العالم القديم. والذهنية الفقهية والذهنية اللاهوتية كذهنيات مهيمنة في العالم الوسيط. والذهنية العلمية كذهنية مهيمنة في العالم الحديث.
ومع الذهنية الأخيرة فقط، تبلور، وفي غرب أوروبا، علم الاقتصاد السياسي، على الرغم من أن جُل الظواهر الَّتي استنهضته، منذ بضعة قرون فحسب، كانت موجودة منذ آلاف السنين. ففي العالم القديم والوسيط كان أمام الرأسمالي، والَّذي يملك نقوداً يهدف إلى إنمائها، سواء أكان في بابل قبل الميلاد أو في القدس في القرن الأول أو في روما في القرن الثالث أو في بغداد في القرن العاشر، ثلاثة اختيارات:
- الاختيار الأول: أن يشتري سلعة بسعر منخفض ويعيد بيعها بسعر مرتفع ويحصل على الربح من الفارق بين هذين السعرين. وقد تتم هذه العملية في داخل البلد الواحد، أو عبر بلدين أو أكثر.
- الاختيار الثاني: أن يُنتج السلعة بدلاً من شرائها مصنَّعة. وفي سبيل ذلك ربما يأتي الرأسمالي بمواد العمل إلى الحرفي، المالك لأدواته، ويحتكر إنتاجه مقابل أجر محدد.
- أما الاختيار الثالث، فهو: أن يقوم بإقراض نقوده إلى شخص آخر لأجل محدد وحين حلول الأجل يحصل على نقوده مضافاً إليها فائدة. أو يشتري ويبيع في النقود ويقوم بشتى أعمال الصرف، ويربح من وراء تفاوت واختلاف أسعار العملات.
ويمكننا أن نرى هذه الاختيارات الثلاثة بوضوح عبر تاريخ النشاط الاقتصادي كخيارات مطروحة وممكنة أمام الرأسماليين سواء أكانوا، وكما ذكرنا، في بابل أو القدس أو روما أو بغداد. أو في أي مكان في العالم القديم أو الوسيط. ومعنى تكرار هذه الاختيارات، الظواهر، وبانتظام هو أننا أمام (أشياء) تستدعي التفسير والتحليل وتحديد القوانين الموضوعية الَّتي تحكم آدائها. فنحن أمام ظواهر: الربح، والأجر، والفائدة... إلخ. ولكننا لا نعرف على أي أساس تحدد، آنذاك، ربح الرأسمالي في أي اختيار من اختياراته الثلاثة، ولا نعرف على أي أساس تحددت الأجور، كما لا نعرف كذلك كيف تحدد سعر الصرف أو سعر الفائدة، ... إلخ. ويجب أن لا نتوقع العثور على إجابات عن أسئلتنا عن محددات الربح أو الأجر، ... إلخ، لدى مفكري العالم القديم أو الوسيط؛ وذلك لانتفاء شرط انشغال الذهن الجمعي؛ فالظواهر المراد تفسيرها مهيمنة على الصعيد الاجتماعي، ولكن الذهن الجمعي ليس لديه الاهتمام للانشغال بها على نحو علمي؛ وذلك لهيمنة ذهنيات أخرى حالت دون الكشف عن القوانين الموضوعية الحاكمة للظواهر الَّتي فرضت نفسها آنذاك على الواقع الاجتماعي.
فالقوانين البابلية، مثلاً، والَّتي نظَّمت بدقة مظاهر النشاط الاقتصادي وعالجت العديد من مفرداته؛ فتحدثت عن الرأسمال، والعمال، والأجور، والأرباح،... إلخ، اتخذت جميعها من الميثولوجية إطاراً لا تتخطاه، فجميع القوانين البابلية تقريباً هي قوانين مملاة من الآلهة على الملك من أجل تنظيم المجتمع وفقاً لمشيئة الآلهة، لا البشر. والنصوص نفسها لا تخلو من ذكر الآلهة الَّذين يتحكمون في الصواعق والأمطار والرياح، أو الَّذين يتم الاعتراف أمامهم بالجرائم... إلخ.
وفي آثينا، تحدث أرسطو عن التبادل والنقود والثروة والفائدة،.. إلخ، في سياق الفلسفة.(5) وكانت جميع الظواهر على الصعيد الاجتماعي تدرس ابتداءً من تلك الذهنية الفلسفية.
وفي غرب أوروبا في القرون الوسطى، وعلى الرغم من انتشار الحرف والتجارة العالمية على سواحل البحر الأبيض المتوسط، فإن أهم ما سيصل إلينا من إنتاج فكري وتحليلات نظرية بشأن النشاط الاقتصادي سيكون في إطار التصورات اللاهوتية، وهو ما تمثل في كتابات ألبرتو ماجنوس (1200-1280) وتوماس الأكويني (1225-1274) وأوريزم(1320-1382)كمحاولات، مجرد محاولات، أولية للانشغال الفكري، وفي إطار التعاليم الكنسية والأفكار اللاهوتية، بتحليل التجارة والإنتاج الحرفي وما يتعلق بهما من ظواهر كالأثمان، والفائدة، والأرباح،... إلخ.(6)
وفي دمشق أو بغداد أو قرطبة أو القيروان، على أقل تقدير في الفترة من القرن السابع حتى القرن الثاني عشر، جاء الانشغال بمظاهر النشاط الاقتصادي في إطار الفقه؛ فلقد عالج الفقهاء مسائل الأرباح، والمضاربة، والأجور، والصرف، والشركات، والإيجار، والبيع، والعارية، والرهن، والتأمين، والكفالة،... إلخ. ومن ثم حال الاهتمام بعلوم الشريعة (المتضمنة أوجه النشاط الاقتصادي) دون تكون الانشغال بالكشف عن القوانين الموضوعية الحاكمة لهيكل وآداء النشاط الاقتصادي. ومن هنا يمكننا استنتاج السبب، ربما الوحيد، الَّذي منع نشأة (علم) اقتصادي في القرن العاشر، في بغداد أو قرطبة، على الرغم من توافر جُل الظواهر الَّتي أنضجت العلم الاقتصادي، هذا السبب هو هيمنة الفقيه، والَّذي كان آنذاك لديه الإجابة، الشرعية، عن كل ما هو اجتماعي. ولذا، حينما ظهر أصحاب العقول العلمية الجبارة كابن حيان (722-804) والخوارزمي (780-850) والكندي (805 - 873) والرهاوي (854 -931) والفارابي (874-950) والحسن بن الهيثم (965 -1040) والبيروني (973- 104) وابن سينا (980 - 1037) وابن باجة (1095- 1138) والإدريسي (1099- 1160) وابن رشد (1126- 1198) والجزري (1136- 1206)(7) لم تكن لتشغلهم مسائل النشاط الاقتصادي الَّتي ضمتها مؤلَّفات الفقه ومصنفات فحوله، والَّتي تتلمذ بالفعل عليها أكثرهم، فقد كانت تلك المسائل محسومة معالجتها الفقهية آنذاك، وكان المهم هو معرفة الأحكام الشرعية للمعاملات، لا القوانين الموضوعية للظواهر.(8)
ومن جانب آخر، ولأن خِراج الأراضي كان من الظواهر المهيمنة، فقد ألّفت كُتب الخراج كمؤلَّفات وضعت بالأساس من أجل إرشاد الحاكم إلى أصول مالية دولة الخلافة، وتنظيم مواردها ونفقاتها، بصفة خاصة بعدما ثارت التساؤلات حول الحكم الشرعي للأراضي المفتوحة وغلاتها ومصارفها... إلخ. والَّذي تولى وضع هذه المؤلفات هم الفقهاء(9) لا علماء الكيمياء أو الرياضيات؛ فكل ما هو اجتماعي، وكما ذكرنا، كان خاضعاً لأحكام الفقه بوصفه التعبير عن الشريعة الَّتي تسيطر على حياة الشخص في الدنيا والآخرة؛ دون إمكانية للفصل بين ما هو مدني وبين ما هو ديني. ولذا لم يكن أمام العقول العلمية آنذاك، بل وبعض العقول الفقهية الناقدة كالمعتزلة وفي مقدمتهم الجاحظ (775-868) والمأمون (786-833) والقاضي عبد الجبار (935-1024) والزمخشري (1070-1143)، وهي العقول الَّتي ورثت حضارياً فلسفة اليونان وعلوم الشرق القديم، سوى الاتجاه في أحد الاتجاهين: إما إعادة النظر في أساس الفقه نفسه بإعادة النظر في أصول الشريعة ذاتها. وإما البحث في القوانين الحاكمة للظواهر الطبيعية تحركاً في المساحة الَّتي لم يتمكن الفقه من إحكام سيطرته عليها، إلا في عصور الانحطاط وهيمنة الغيبيات. وذلك كله أيضاً دون أدنى انشغال بالكشف عن القوانين الموضوعية الحاكمة للنشاط الاقتصادي على الصعيد الاجتماعي. وذلك، لاستئثار الفقيه، على أرض الواقع، بدور حاسم في منع تكون المفكر الاجتماعي الباحث، على نحو ناقد، في القوانين الموضوعية للظواهر الاجتماعية، والسياسية بالتالي، وهو المنع الَّذي استتبع بدوره الحيلولة دون النفاذ إلى تلك المناطق النظرية الَّتي اعتبرها الفقيه واقعة في إطار نفوذه المعرفي!
وحينما يتكون الذهن العلمي الناقد لكل ما هو قائم في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، بعدما ثار الضمير الجمعي على طغيان الملكية الإقطاعية، ونهض وعي الجماهير ضد دوجما السلطة الكنسية، وانطلق العقل الناقد باحثاً عن القوانين الموضوعية الحاكمة للظواهر الطبيعية والاجتماعية بعيداً عن كل ما هو ميثولوجي أو لاهوتي. وأخذ الذهن الفلسفي نفسه في التطور مغادراً تصورات طاليس وبارمنيدس وأفلاطون وأرسطو وأوغسطين،... إلخ. نقول مع تكون الذهن العلمي على هذا النحو، دُرست جميع الظواهر الاجتماعية بذهنية هدفها المركزي التعرف إلى القوانين الموضوعية الحاكمة لها بعيداً عن تصورات القدماء الَّتي رفضها العقل الناقد، ومن ثم أصبح ظهور الاقتصاد السياسي، كعلم اجتماعي، أمراً محتملاً بل ولازماً كي يفسر الظواهر الطارئة على المجتمع الأوروبي.
فعندما تفجرت الثورة الصناعية في أوروبا الغربية، وتبلورت معها العشرات من الظواهر الجديدة.(10) ومع تهيؤ الذهن الجمعي للكشف عن القوانين الموضوعية الَّتي تحكم آداء هذه الظواهر، بعد التحرر من الوصاية الفكرية الَّتي ضربت على القارة طيلة قرون من الظلام، ظهر الاقتصاد السياسي، كعلم اجتماعي، هدفه البحث عن القوانين الموضوعية الَّتي تحكم تلك الظواهر وما تثيره من إشكاليات معقدة بشأن الإنتاج والتوزيع، واحتلت ظاهرة الإثمان مكاناً مهماً في حقل التحليل الفكري؛ فجميع قرارات الإنتاج، وجميع تناقضات التوزيع، إنما تهيمن عليها، بشكل أو آخر، ظاهرة الأثمان. وهي ظاهرة تتمتع بنفوذ مستقل عن أفراد المجتمع، وفي نفس الوقت تخضع لقوانين موضوعية تحكم نشأتها وتطورها. ولكن، الأثمان هي المظهر النقدي للقيمة. وبالتالي أصبحت القيمة، كظاهرة مهيمنة تخضع لقانون موضوعي، هي نقطة انطلاق الآباء المؤسسين للاقتصاد السياسي في دراستهم لقوانين الإنتاج والتوزيع.
الهومامش
-----------------
(1) في مفهوم مصطلح "الظاهرة"، انظر:
É. Durkheim, Les Règles de la méthode sociologique (Paris: Presses Universitaires de France. Bibliothèque de Philosophie Contemporaine,1964),p.89.Georges Gurvitch, La vocation actuelle de la sociologie, Tome II :Antécédents et perspectives. Revue française de sociologie, Volume 4 Issue, 1963. pp.455-7. Denis Duclos, Projet éthique et positivisme dans la démarche sociologique de Durkheim, L Homme et la société, 1981. Volume 59 Issue 1. pp. 145-59. Michael Inwood, A Hegel Dictionary (Oxford: Blackwell s Ltd, 2008), pp.246-69.
(2) الشيء هو كل موجود ثابت متحقق يصح أن يتصور ويخبر عنه سواء أكان حسياً مادياً أم معنوياً متخيلاً.
(3) والظاهرة الاجتماعية بتلك المثابة تجبر هؤلاء الأفراد على احترام قواعدها وكل سلوك بالمخالفة لتلك القواعد يقابل على الصعيد الاجتماعي بالصدام والمقاومة، مادياً و/أو معنوياً. فعلى سبيل المثال: لكل جماعة قواعد سلوك معينة في الزي والكلام والطعام،... إلخ، ومَن يخرج بأي شكل أو بأية وسيلة عن هذه القواعد، التي تشكلت كظاهرة تملك نفوذاً مستقلاً عن أفراد المجتمع، إنما يقابل سلوكه بالزجر والاستهجان. للمزيد من التفصيل، انظر:
É. Durkheim, Les Règles de la méthode sociologique, op, cit, p.54.
(4) وقولنا بالذهنيات الخمس، لا يعني أبداً ادعاءً بترسيم الحدود التاريخية الفاصلة بينهم؛ على العكس نحن نؤكد على أن تطورهم يأتي نتيجة لعلاقاتهم المتناقضة مع بعضهم البعض، وهو ما يعني أنهم دوماً جنباً إلى جنب في معظم مراحل الماضي والحاضر. كل ما هنالك أن الذهنية الَّتي تفرض سطوتها وسيادتها على صعيد الواقع، هي التي تقوم بتفسير الظواهر ابتداءً من ذهنيتها تلك على صعيد الفكر. ومعيار السطوة، أي ما يؤخذ مقياساً للذهنية التي صارت غالبة في مرحلة تاريخية ما، هو ذهنية الطبقة الحاكمة، فأفكار الطبقة المسيطرة هي الأفكار المسيطرة، والناس على دين الملك.
(5) "لكل قنية استعمالان، وكلاهما ذاتيان، ولكن دون مماثلة في ذاتيتهما، إذ الواحد مختص بالشيء والآخر غير مختص به. فالحذاء مثلاً يحتذى به ويتجر به، وهذا الوجه من الانتفاع وذاك الوجه هما استعمالان له. والذي يقايض غذاءً أو نقداً من كان محتاجاً إليه استعمله كحذاء ولكن لا استعمالاً خاصاً إذ لم يجعل للمقايضة... يوجد نوعان من فن تكوين الثروة: أحدهما يتعلق بالتجارة، والآخر بالاقتصاد؛ وهذا الأخير ضروري وجدير بالمديح، أما الأول فيقوم على التبادل ولذلك يندد به عن حق وصواب، وهكذا يكره الجميع الربا بحق، لأن النقد بالذات يعتبر هنا مصدر الكسب ويستخدم ليس من أجل الغاية التي تم اختراعه من أجلها. فهو قد نشأ من أجل التبادل السلعي، بينما تصنع الفائدة المئوية من النقد نقداً جديداً. ومن هنا تسميتها بالمولود، لأن المولود شبيه بالوالد. إلا أن الفائدة المئوية هي نقد من نقد، ولذا فإن فرع الكسب هذا أشد مناقضة للطبيعة من بين سائر فروع الكسب... النقد عنصر التبادل... وما النقد على ما يبدو لنا إلا هذيان وعادة مرعية وما هو على شيء من القيمة الطبيعية. إذ لو عدل مستعملوه عما اصطلحوا عليه لأضحى شيئاً زرياً لا يعتد به ولا يقضي حاجة، ولأمسى من قامت ثروته على النقود في أمس العوز إلى القوت". انظر: أرسطو، في السياسة، نقله عن الأصل اليوناني وعلق عليه الأب أوغسطينس برباره البولسي، (بيروت: اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع،1980)، بصفة خاصة الفصل الأول.
(6) دون أن نغفل تأثير ابن رشد على غرب أوروبا في هذه المرحلة التاريخية. انظر، على سبيل المثال:
ST. Thomas Aquinas, Philosophical Texts, selected and translation with notes and an introduction by Thomas Gilby (London: Oxford University press, 1951), pp.320-35.
وفي نفس الفترة تقريباً يمكننا قراءة الاجتهادات الأولية للجاحظ (776-868) والدمشقي (القرن الثاني عشر) انظر: الجاحظ، التبصر بالتجارة (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1949)، أبو الفضل الدمشقي، الإشارة إلى محاسن التجارة وغشوش المدلسين فيها، اعتنى به وقدم له وعلق عليه محمود الأرناؤوط (بيروت: دار صادر، 2009)، إذ نلاحظ، في الكتابين، مدى تأثير الواقع، الذي سيطر عليه إلى حد كبير نشاط التجار، على الانشغال الفكري للكتاب آنذاك.
(7) في نفس المرحلة التاريخية، إن اقتصرنا عليها للتبسيط، وهي الممتدة من القرن السابع حتى القرن الثاني عشر، بزغ نجم فحول الشريعة والأصول مثل: أبو حنيفة (699- 767) ومالك بن أنس (711- 795) والشافعي(767-820) والتنوخي (776- 854) وابن حنبل (780- 855) والبخاري (810-870) وأبو داود (817-888) ومسلم (821-875)، والترمذي (824- 892) والنسائي (829- 915) والدارقطني (918- 995) وابن حزم (994- 1064). وبفضل قوة التجريد، تمكنت تلك الذهنيات الموسوعية من ترسيخ وتدعيم علم الأصول، واستقبال علوم السابقين والاستفادة منها في البرهان والجدل والقياس والوصول، وفقاً لذلك، إلى الأحكام الشرعية التي بنيت آنذك على الإبداع والاجتهاد لا النقل والتقليد. وإذ ما استثنينا الفترة التي قوي فيها تيار المعتزلة برعاية الخليفة المأمون، فقد كان للفقيه كامل السطوة على الصعيد الاجتماعي، طالما لم يتقاطع موقفه السياسي مع رغبات السلطان ومصالح العرش.
(8) وحينما يتحرر الذهن، ولو نسبياً أو جزئياً، من سلطة الفقه وسلطان الفقيه، بوجه خاص في عصور اضمحلاله، سيتمكن ابن خلدون وابن الأزرق والمقريزي من تحليل الظواهر الاجتماعية، وظواهر النشاط الاقتصادي بوجه خاص، كأشياء، تخضع لقوانين موضوعية.
(9) على سبيل المثال، انظر: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، كتاب الخراج (بيروت: منشورات الجمل، 2009).
(10) في غرب أوروبا، ومع اضمحلال التنظيم الاجتماعي الإقطاعي؛ أخذت وسائل الإنتاج المتطورة، كرأسمال، تحتل مكان الصدارة. كما برزت عدة ظواهر، ظن المفكرون آنذاك أنها ظواهر جديدة، وغير مسبوقة، ومن أهم هذه الظواهر: بيع قوة العمل، والإنتاج من أجل السوق!







اخر الافلام

.. شباب الموصل يحيون أول ذكرى لتحررهم من داعش


.. إيغوري لاجئ: نساؤنا يغتصبن في المعسكرات القسرية


.. ماذا قال نائب أمريكي عن احتمال عزل ترامب؟




.. نتنياهو يتعهد بمواصلة عملية درع الشمال


.. مبادرة «لنزرع البحر ين معاً» تواصل حملة تشجير مناطق البحرين