الحوار المتمدن - موبايل



من ذاكرة التاريخ / نظام عبد السلام عارف والبعثيون والشيوعيون والناصريون

حامد الحمداني

2018 / 10 / 11
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


من ذاكرة التاريخ
نظام عبد السلام عارف
والبعثيون والشيوعيون والناصريون
حامد الحمداني 11/10/2018

بعد سقوط حكم حزب البعث على أثر انقلاب 18 تشرين الثاني 1963الذي قاده رئيس الجمهورية عبد السلام عارف، حدث بعض الانفراج للوضع السياسي في البلاد، وخفت حملات الاعتقالات والملاحقات، وتوقفت أساليب التعذيب ضد المعتقلين السياسيين التي كان يمارسها حزب البعث، كما حدثت تطورات في العلاقات بين القوى السياسية في البلاد، والعلاقات بين العربية المتحدة والعراق من جهة، والاتحاد السوفيتي من جهة أخرى، وكان في مقدمة تلك التطورات ما يأتي:
1ـ عودة العلاقات الطبيعية بين العربية المتحدة والاتحاد السوفيتي، وحدوث انفراج سياسي داخل مصر، تمثل في إطلاق سراح السجناء الشيوعيين، وتوّجت العلاقة الجديدة بزيارة الزعيم السوفيتي [خرشوف] للقاهرة، ولقاءه مع الرئيس عبد الناصر، مما أعاد العلاقة بين البلدين بعد الهجمات التي شنها عبد الناصر على الإتحاد السوفيتي.

2ـ توقف القتال بين الأكراد وقوات الحكومة بعد تدخل الرئيس عبد الناصر، وتوسطه بين حكومة عبد السلام عارف والقيادة الكردية.

3ـ عودة نشاط فرع الحزب الشيوعي في كردستان بعد توقف القتال، وكان تنظيم الحزب في كردستان قد نجا أغلبه من ملاحقة البعثيين إبان حكمهم الأسود.

4ـ استئناف العلاقات العراقية السوفيتية، واستئناف السوفيت تجهيز العراق بالسلاح، الذي توقف على أثر انقلاب 8 شباط 1963.

5ـ الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة بدفع من العناصر الناصرية.

كل هذه العوامل دفعت قيادة الحزب الشيوعي إلى إعادة تقييم موقفه من نظام عبد السلام عارف بعد نقاش للوضع السياسي في اجتماع موسع عقدته اللجنة المركزية للحزب في أواخر آب 1964.
لقد ظهر خلال النقاش داخل اللجنة المركزية تياران متناقضان، التيار الأول دعا إلى التعاون مع حكومة عبد السلام عارف، مثمناً توجه العراق والعربية المتحدة نحو ما سمي بطريق [التطور اللا رأسمالي] وباتجاه الاشتراكية!، وذهبت العناصر اليمينية في قيادة الحزب إلى أبعد من ذلك فدعت إلى حل الحزب، والانخراط في الاتحاد الاشتراكي، معتبرين قيام عبد السلام عارف بانقلابه ضد البعثيين، وإنهاء سلطتهم الدموية، قد أوجد شروطاً أكثر ملائمة لنضال القوى المعادية للإمبريالية، من أجل الحفاظ على استقلالنا الوطني، والعودة إلى قافلة حركة التحرر الوطني للشعوب.

غير أن التيار الثاني في قيادة الحزب كان له تقيماً آخر، وموقفاً آخر من حكومة عبد السلام عارف، ذلك أن أعداداً كبيرة من الشيوعيين كانوا لا يزالون يقبعون في سجون النظام، كما أن السلطة العارفية كانت قد فسحت المجال واسعاً أمام العناصر الرجعية والشوفيتية لخلق الطائفية وترويجها، وتواجد أعداد كبيرة من تلك العناصر في مختلف أجهزة الدولة، هذا بالإضافة إلى تدهور الأحوال الاقتصادية للشعب، وحالة عدم الاستقرار السياسي بسبب وجود التيارات المتناقضة داخل السلطة، فهناك عناصر رجعية ترتبط بشكل أو بأخر بالإمبريالية، وهناك عناصر ناصرية تسعى نحو التطور اللا رأسمالي، كما كان يجري في العربية المتحدة، ولكن نتائج الاجتماع صبت في خانة الإقدام على التعاون مع حكومة عبد السلام عارف.

أدى اتجاه قيادة الحزب الشيوعي نحو التعاون مع السلطة العارفية إلى موجة من الاستياء في قواعد وكوادر الحزب الذين رفضوا هذا التوجه والتعاون مع شركاء البعثيين بالأمس في كل الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب والوطن، والشيوعيين بوجه خاص، و تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء، وتحدت تلك الكوادر مع جانب كبير من قواعد الحزب قرارات اللجنة المركزية رافضة إياها، في الوقت الذي أصرت فيه اللجنة المركزية على السير في الطريق الذي رسمه الاجتماع الموسع مهما كان الثمن.

غير أن الرياح جرت بما لا تشتهِ السفن، كما يقول المثل، فقد حدثت تطورات داخلية، عربية ودولية، أفشلت مسعى القيادة اليمينية للحزب. فقد استُؤنفت الحرب في كردستان من جديد في 5 نيسان 1965، وشنت حكومة عبد السلام عارف الشوفينية حرباً شعواء ضد الشعب الكردي.

كما أن عبد الناصر أصيب بخيبة أمل مريرة بعبد السلام عارف، وأصبح على يقين أن عارف لا يؤمن إيماناً صادقاً بالوحدة، وإنما أتخذها وسيلة للوثوب إلى السلطة، فقد تظاهر النظام الجديد لعبد السلام عارف بالسير باتجاه إقامة أقرب اتفاق ممكن مع العربية المتحدة، في كل الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية.
ففي 26 أيار 1964 أتفق عبد السلام عارف وجمال عبد الناصر على إقامة مجلس رئاسي مشترك، للتخطيط والتنسيق في المجالات المذكورة كافة باتجاه إقامة اتحاد دستوري بين البلدين فيما بعد.

وفي 16 تشرين الأول 1964 جرى توقيع اتفاقية الوحدة، وتكوين المجلس الرئاسي المشترك للقيادة السياسية الموحدة للعراق ومصر، وتعهد الطرفان بإقامة الوحدة بينهما خلال سنتين .

إلا أن تلك القيادة لم تجتمع سوى مرتين خلال هذه المدة، وجرى نسيانها فيما بعد، وانتهت إلى الزوال، فلم يكن عبد السلام عارف جاداً في إقامة الوحدة كسابقيه حكام البعث، وقد اثبتت التجارب والوقائع أن عبد السلام الذي كان أول من شق الوحدة الوطنية، وتأمر على ثورة الرابع عشر من تموز، وقائدها عبد الكريم قاسم بدعوى الوحدة الفورية مع العربية المتحدة لم يكن يهدف حقاً إقامة الوحدة، وإنما أراد استخدام مسألة الوحدة ورصيد عبد الناصر للوثوب إلى قمة السلطة، والاستئثار بها لوحده، وقد أدرك عبد الناصر أن عبد السلام عارف لا يتمتع بقاعدة واسعة في حكمه، وأن حكمه عبارة عن أقلية قليلة من الضباط لا سند شعبي لهم على الإطلاق، وأن عارف لا يختلف عن سابقيه حكام البعث بأي حال من الأحوال.

لقد كان انكشاف موقف عبد السلام عارف من الوحدة مع العربية المتحدة سبباً في حدوث شرخ كبير بينه وبين القوى الناصرية والحركية، وتطور ذلك الشرخ إلى صراع متصاعد، أدى في النهاية إلى تقديم الوزراء الناصريين والحركيين استقالتهم من الحكومة، وإلى محاولة هذه القوى قلب السلطة العارفية كما سنرى تفاصيل ذلك فيما بعد.

وهكذا اضطرت القيادة اليمينية للحزب الشيوعي العراقي إلى تغير سياستها تجاه السلطة العارفية، ودعت إلى إسقاطها، وقيام حكومة ائتلاف وطني تضم كل القوى والأحزاب السياسية الوطنية المعادية للإمبريالية.
وأشارت قيادة الحزب إلى فشل الاتحاد الاشتراكي، ونظرية الحزب الواحد، وهاجمت السياسة الاقتصادية للحكومة التي شكلها [ عبد الرحمن البراز]، وأعلن الحزب أن حكومة البزاز ترعى مصالح الإمبريالية البريطانية، وشركات النفط، وتحاول إعادة الهيمنة البريطانية على مقدرات العراق من جديد، وإعادة الهيبة والسلطة لرجالات الإقطاع، والملاكين العقاريين، وكبار الرأسماليين.
الحزب الشيوعي يطرح مسألة استلام السلطة

على أثر تلك التطورات السياسية السالفة الذكر طرح، الحزب الشيوعي في 9 تشرين الأول 1965 مسألة إسقاط حكومة عارف واستلام السلطة في الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب خلال الاجتماع مشروعان حول الموضوع:
المشروع الأول:
قُدم من قبل [عامر عبد الله ] الذي رأى أن السلطة العارفية قد أصبحت معزولة بعد أن خرج منها الناصريون، كما أن عودة الحرب في كردستان، وزج ثلثي الجيش العراقي فيها من جهة، واشتداد الخلافات بين عبد الناصر وعارف من جهة أخرى، جعلت الظروف في صالح الحزب لتوجيه الضربة القاضية لنظام عبد السلام عارف وإسقاطه، واستلام السلطة، معلناً أن مصير الحزب يتقرر هذه الأيام.
المشروع الثاني:
الذي طرحه [ بهاء الدين نوري ] فقد شكك في استطاعة الحزب لوحده القيام بالتغيير، وتخوّفَ من تشكيل جبهة واسعة ضد الحزب، وادعى أن جماهير الحزب غير مستعدة لمثل هذا العمل، كما أن الأوضاع الدولية والعربية لا تساعد على ذلك، رغم اعترافه بإمكانية نجاح التغيير!!، ولكنه رأى أن يسبق ذلك تعاون القوى السياسية المعارضة لحكم عارف، وقد أيده في موقفه [عبد السلام الناصري] فيما أيد موقف عامر عبد الله كل من [اراخاجادور] و[صالح دكلة ] وفي نهاية المناقشات خرج الحزب بستة قرارات كان أهمها القرار المتعلق بمسألة قلب السلطة العارفية والذي جاء فيه:
{ ومن الضروري التشديد على طريقة النضال التي تبناها الحزب، والتي تعتمد على الدور الحاسم إلى [هاء] ويقصد بذلك التنظيم العسكري للحزب، في الإطاحة بالسلطة الحاكمة، وسيجد [هاء] له دعماً في إجراءات ثورية أخرى سيتخذها الحزب، وفي العمل الشعبي الحيوي في ميادين مختلفة}.

لقد جرى الاتفاق في ذلك الاجتماع على الإعداد للعمل الحاسم، على أن يبذل كل جهد ممكن لقيام تعاون مع القوى الوطنية الأخرى، كالحزب الديمقراطي الكردستاني، والضباط القاسميين والعناصر القومية ذات التوجه الاشتراكي [الناصريين]، وأن لا يقوم الحزب بالحركة بمفرده إلا في حالة عدم حصول التعاون المنشود على أن يكون المكتب السياسي مقتنعاً بان الظروف ملائمة والنصر بمتناول اليد.
وفي ختام الاجتماع تقرر إرسال رسالة من قيادة الخارج إلى اللجنة المركزية للحزب في العراق جواباً على رسالة الحزب، وكانت وجهة نظر القيادة في الخارج تمثل تياراً وسطاً بين جناحي اللجنة المركزية، ولكنها حذرت اللجنة المركزية من مغبة الإقدام على أي خطوة متسرعة مغامرة دون نضوج الشروط الموضوعية اللازمة للتغيير الثوري.

رفضت لجنة تنظيم الخارج الرأي القائل بإلغاء فكرة[العمل المستقل للحزب] ولكنها رأت أن على الحزب أن يحاول تحقيق التعاون الوطني كهدف ثابت له في جميع الأحوال والظروف، حتى ولو بدت تلك المحاولات صعبة التحقيق في ظل الظروف الراهنة، وما يعتريها من صعوبات، ورأت أن آفاق التعاون ستكون أوسع نطاقاً كلما زاد نفوذ الحزب بين صفوف الجماهير، ورأت أيضاً أن على الحزب أن يلجأ إلى خطة مستقلة إذا كانت جماهير الشعب على استعداد كامل للإطاحة بالسلطة، وتلكأت القوى الوطنية في استيعابها لهذه الإمكانية أو رفضتها، وعلى الحزب في هذه الحالة أن يسعى لتعبئة قوى واسعة من جماهير الشعب.
وفي حالة إقدام الحزب على خطة مستقلة فإن هذه الخطة يجب أن تؤكد على أن التعاون المشترك، والدعوة إليه من خلال الشعارات التي يتبناها الحزب أثناء تحركه وبعده.

كما أيدت لجنة تنظيم الخارج مسألة الإعداد لانتفاضة جماهيرية شعبية من خلال نضال الجماهير نفسها، مع عدم الاستهانة بالعدو وأساليبه القمعية تجاه الحركات الشعبية، كما أيدت فكرة الاعتماد على الجهد الفعال لتنظيم الحزب، داخل صفوف القوات المسلحة في لحظة تطور الحركة الجماهيرية، ووصولها إلى حالة متقدمة [أي حالة الانتفاض الثوري]، أي استخدام عناصر الجيش الحزبية في الوقت المناسب تماماً لدعم الانتفاضة الجماهيرية، وإسنادها نحو تحقيق أهدافها.

كما أن على الحزب أن يأخذ في الحسبان احتمال تطور الأوضاع إلى قيام حرب أهلية بسبب تواجد القوى الرجعية على الساحة من جهة، وكون الحزب الشيوعي يمثل الاتجاهات اليسارية التقدمية، وعليه فالواجب يقتضي الإعداد الجيد للتصدي للحرب الأهلية، ووضع الثورة الكردية بعين الاعتبار كعنصر مساعد.

كما حذرت لجنة تنظيم الخارج من التسرع بشكل مصطنع، أو محاولة القفز فوق المراحل الضرورية للتطور والنضج الطبيعي للحزب، والانتباه الدقيق لمحاولات الأعداء نصب فخ للحزب للإقدام على خطوة متسرعة لكي يوجهوا له الضربة القاضية، وفي الختام حددت الرسالة الأهداف الآنية للحزب ذات الأهمية الأكثر إلحاحاً وهي:
1ـ السعي لتقوية مواقع الحزب داخل الجيش دون محاولة إحداث أي ضجة، والعمل على حماية التنظيم العسكري، وتطوير إمكانياته جنباً إلى جنب مع تطوير إمكانيات الجماهير الشعبية.

2 ـ بذل الجهود المتواصلة من أجل التعاون الوطني، والسعي لتشكيل التحالفات مع القوى الوطنية التي لها الاستعداد للتعاون من أجل الإطاحة بالنظام .

3 ـ تثقيف جماهير الحزب ورفاقه بشكل هادئ وتدريجي من دون إحداث ضجة حول طرق نضال الحزب في المرحلة الراهنة، وتنشيط الحركة الجماهيرية ومنظماتها كافة، وتوحيد جهودها، وحثها على التحرك الجماهيري كالإضرابات والاحتجاجات على الحرب في كردستان، ودفع الفلاحين إلى مقاومة النظام وإعلان العصيان.
4 ـ التغلب على حالة القصور البارزة في الحزب، وأهمية إصدار صحيفة الحزب على فترات غير بعيدة ومنتظمة، والاهتمام بالكادر، وأهمية إجراءات الحماية لقيادة الحزب وكوادره، من أجل حماية أسرار الحزب الهامة.

وفي الختام وجهت قيادة الخارج انتقاداً إلى الإجراءات التي اتخذتها لجنة الحزب المركزية في الداخل حول الانتخابات، وإخراج [ناصر عبود] من عضوية اللجنة المركزية، وإدخال خمسة أعضاء جدد في اللجنة، بالإضافة إلى بقاء كافة الأعضاء السابقين، سواء الموجود منهم في الداخل أو الخارج.

البعثيون يحاولون الإطاحة بحكم عبد السلام عارف:

لم يهدأ البعثيون، بعد أن غدر بهم شريكهم في انقلاب 8 شباط عبد السلام عارف الذي نصبوه رئيساً للجمهورية، ولجأوا إلى العمل السري لتجميع قواهم والتمهيد للقيام بانقلاب مضاد، ولاسيما بعد أن غدر عبد السلام عارف للمرة الثانية بالضباط الذين تمردوا على قيادتهم المدنية، وتعاونوا معه في انقلاب في 18 تشرين الثاني 963 1، ولاسيما وأن البعثيين كانوا يتخوفون من تجدد نشاط الحزب الشيوعي، وتنامي قدراته التنظيمية، وتوسع قاعدته، وينتابهم القلق من أمكانية قلب نظام عارف واستلام السلطة، بالإضافة إلى قلق المخابرات الأمريكية والبريطانية من اتساع نشط الحزب، وربما بتنسيق بين الطرفين بادر حزب البعث استعداداته لقلب نظام عبد السلام عارف.
فقد استطاع البعثيون تجميع قواهم وتنظيمها وإعدادها للعمل الانقلابي، وتقرر القيام بالحركة يوم 4 أيلول 1964 معتمدين في تحركهم على كتيبة الدبابات الرابعة التي استخدموها في انقلاب 8 شباط 1963، بالإضافة إلى 6 طائرات [ميك عسكرية] يأخذ طياريها على عاتقهم قصف طائرة عبد السلام عارف يوم توجهه إلى مؤتمر القمة العربية بالإسكندرية.

غير أن جهاز استخبارات عارف كشف خيوط المؤامرة قبل تنفيذها وجرت على الفور حملة اعتقالات واسعة في كافة أنحاء العراق، وزُج بالبعثيين في السجون والمواقف، وسارع عبد الناصر إلى إرسال 600 عسكري إلى العراق لدعم نظام عارف، وعسكرت هذه القوات في مقر كتيبة الدبابات الرابعة في أبو غريب لشل حركتها، وهكذا تم لعبد السلام عارف إجهاض الحركة الانقلابية للبعثيين، وكنس كل بقايا العناصر البعثية في جهاز السلطة المدنية والعسكرية على حد سواء.

كما أجرى عبد السلام عارف تعديلاً وزارياً في 14 تشرين الأول 1964 أدخل بموجبه ثلاثة وزراء ناصريين في حكومته، وبذلك أصبح للناصريين ستة مقاعد وزارية في الحكومة، وأصبحوا في موقف أقوى تجاه العناصر القومية اليمينية داخل السلطة.
حاول الناصريون دفع سياسة السلطة نحو إجراء تغييرات أكثر عمقاً في المجالات الاقتصادية والسياسية، وخاصة فيما يتعلق بمسألة الوحدة مع العربية المتحدة، مما أثار صراعاً داخل السلطة من جديد بين العناصر القومية ذات الاتجاهات المختلفة والمتناقضة، فقد حاولت كل مجموعة إزاحة المجموعة الأخرى من أمامها، وانتهى ذلك الصراع بانتصار الجناح اليميني في الحركة القومية، وإزاحة الناصريين من الحكم من جديد.

استقالة الوزر اء الناصريين:
بدأ الناصريون يخسرون مواقعهم داخل السلطة منذُ ربيع عام 1965 ، تحت تأثير أسباب عديدة، منها ما يتعلق بالموقف من عبد الناصر، ومشروع الوحدة، ومنها ما يتعلق بالأوضاع الداخلية، وخاصة الاقتصادية منها، وما سببته مراسيم التأميم من تأثيرات سلبية بسبب عدم وجود الخبرة لدى أجهزة السلطة تمكنها من إدارة الشؤون الاقتصادية بعد التأميم، وزاد في الطين بله قيام أصحاب رؤوس الأموال بتهريب أموالهم إلى خارج البلاد، وتراجع النمو الاقتصادي، وارتفاع عدد العاطلين عن العمل، حيث بلغ عدد العاطلين المسجلين رسمياً 20 287 عاملاَ، ولذلك فقد بدأت العناصر اليمينية في الحكومة تدعوا إلى إعادة النظر في تأميم المشاريع التي جرى تنفيذها، والعدول عن الاتجاه الاشتراكي، وبالفعل نجحوا في إبطاء حركة التغيير التي بدأها الناصريون.
حاول الناصريون إحكام سيطرتهم على التجارة الخارجية في نيسان 1965، للحد من تهريب رؤوس الأموال، وتلاعب كبار الرأسماليين في الاقتصاد الوطني، إلا أنهم فشلوا في إقناع عبد السلام عارف بالسير في هذا الاتجاه، مما سبب تباعد المواقف بينه وبين الناصريين شيئاً فشيئاً، وتطور هذا التباعد، وتعمقت الخلافات، وأصاب الناصريين اليأس من القدرة على التأثير على سياسة عارف، وأخيراً أضطر الوزراء الناصريون إلى تقديم استقالاتهم من الوزارة في 4 تموز 1965، وعلى الأثر توترت العلاقات بين عبد الناصر وعبد السلام من جديد.

حاول عبد السلام عارف تجنب القطيعة مع عبد الناصر، فأقدم على تشكيل وزارة جديدة برئاسة الناصري [ عارف عبد الرزاق ] في 6 أيلول 965، واحتفظ عارف عبد الرزاق بوزارة الدفاع، إضافة إلى رئاسة الوزارة.
كما عين عبد الرحمن البزاز نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للخارجية والنفط، و عبد اللطيف الراجي، وزيراً للداخلية ليوازن بين الاتجاهين المتناقضين.

محاولة الناصريين الانقلابية:
لم تُجدِ محاولات عبد السلام عارف نفعاً في رأب الصدع بينه وبين الناصريين، وذهبت تلك المحاولات أدراج الرياح، ولم تنجح في زحزحة مواقفهم، بل زادتهم اندفاعاً للقيام بانقلاب عسكري تزعمه [عارف عبد الرزاق] رئيس الوزراء ، ووزير الدفاع، ووكيل رئيس الجمهورية في 15 أيلول 1965، أثناء وجود عبد السلام في الدار البيضاء لحضور مؤتمر القمة العربي. إلا أن العقيد [سعيد صليبي] آمر الانضباط العسكري، وآمر حامية بغداد، والساعد الأيمن لعبد السلام عارف، عرف بأمر تحركهم، فوجه لهم الضربة مسبقاً، وهرب الانقلابيون إلى خارج العراق.
وهكذا وصلت العلاقة بين عبد السلام عارف والناصريين إلى القطيعة التامة، ودخل الحكم العارفي في مرحلة جديدة من الحكم القبلي، فقد أصبح معظم رجالات الدولة وقادتها من قبيلة الجميلات، وأخذ سعيد صليبي يلعب الدور الرئيسي في إدارة دفة الحكم، وأصبح عبد الرزاق النايف ـ جميلي ـ مديراً للاستخبارات العسكرية، ولعب دورا كبيراً في الحفاظ على حكم عارف.
وفي الوقت نفسه أصبح عبد الرحمن البراز رئيساً للوزراء، ومُنح صلاحية إصدار القرارات، وتسيير شؤون البلاد.
كما أقدم عبد السلام على حل مجلس قيادة الثورة الذي تألف من العسكريين، وانتقلت السلطة التشريعية إلى مجلس الوزراء، وأنيطت مسؤولية جهاز الأمن والاستخبارات بمجلس شكله حديثاً ودعاه بـ [ مجلس الدفاع الوطني ] بإشراف عبد السلام عارف نفسه.
حاول عبد الرحمن البزاز إضفاء صفة المدنية على جهاز الحكم، وإشاعة سيادة القانون، والتسريع لإقامة البرلمان، وإجراء انتخابات نيابية، وتنشيط الاقتصاد، وزيادة الإنتاج في القطاعين العام والخاص، وغيرها من الإصلاحات السطحية الأخرى، غير أن جهود البزاز لم ترَ النور، فقد كان الموت بانتظار عبد السلام عارف في 13 نيسان 1966، وإخراجه من الحكم بعد أربعة أشهر من تولي عبد الرحمن عارف شقيق عبد السلام عارف، بضغط من العناصر العسكرية التي كانت تتمتع بنفوذ كبير.
ففي الثالث عشر من نيسان 1966أعلنت محطتا الإذاعة والتلفزيون العراقية أن الرئيس عبد السلام عارف قد لقي مصرعه بحادث سقوط طائرة مروحية كان يستقلها مع بعض الوزراء، وكبار مساعديه في جنوب العراق قرب القرنة، ولم يُكشف النقاب عن حقيقة مقتل عبد السلام عارف، إذ أعلنت الحكومة أن الطائرة التي كان يستقلها عبد السلام عارف قد سقطت بسبب هبوب عاصفة رملية، ولكن هناك الكثير من الشكوك حول حقيقة مصرعه، فهناك الصراعات الداخلية بين عارف والعناصر الناصرية من جهة، وبينه وبين البعثيين من جهة أخرى.

كما كان هناك صراع بين الإمبريالية، والعناصر الناصرية التي أقلقها محاولاتهم المتكررة إلحاق العراق بالجمهورية العربية المتحدة، وليس ببعيد أن تكون وراء مصرعه، وربما كان هناك ما هو أبعد من ذلك، حيث حاول عبد الرحمن البزاز، المعروف بولائه للبريطانيين، الوصول إلى كرسي الرئاسة، ودخوله في منافسة مع عبد الرحمن عارف المدعوم من قبل القوى العسكرية المهيمنة على الحكم.







اخر الافلام

.. سوريا.. خلافات روسية أميركية على وقع التسوية


.. لبنان.. حكومة محاصصة وفساد مستشر


.. سيناريوهات.. أي ثمن سيدفعه بن سلمان بعد اغتيال خاشقجي؟




.. الغباء أم الاستهتار وراء فضح مرتكبي جريمة خاشقجي؟


.. الجيش العُماني يجري تمرينا عسكريا مشتركا مع القوات البريطاني