الحوار المتمدن - موبايل



الشبح (7)

إبراهيم الوراق

2018 / 10 / 11
سيرة ذاتية


الشبح
(7)
النهاية
شيء موجع بكيان ضل في مفازة لا علم فيها للاهتداء، ومؤلم لذات انهار فيها المعنى، وخار القصد، وتهاوى الرجاء. فما أبلهه حين انحلت بين عينيه كل العقد التي فتلها، وتلاشت كل العبارات التي دونها لكسب الوفاء. فهل كان رديئا، فيحصد من عصارة عمر طال عليه في الألم سما زعافا.؟ ربما لا أراني إلا متعبا، وأنا أخب بين الديار المسكونة بأنين البائسين، والمصوحة بحنين الخلاص من أشباح نزت من قمقم الزمن الرديء، ونطت بين الأماكن المقرورة العين بالغباء، لكي تقبض على أعناق المنية في هذه الحياة الوديعة، وتسوقنا بعنف إلى محرقة التاريخ، ومهلكة الإنسان. أجل، إنه كمد هذا الكائن المضطرب الجناح، وتبدده، وتمزق كل ما فيه من أحلام، وتصدع كل ما فيه من أصنام، وهو يقارع فجوات عميقة في ذاكرته المثقلة بأوهام طفولته، ويواجه صعابا من أجل كسرة خبز يابسة، يعيد بها حياة رمة تلاشت في اندفاعه نحو ذلك الغد المكسور، والأمل المغدور. فمن أنا، لتصافحني أياد مشلولة، هي غرقى، وأنا غريق في آسن الأوجاع، ولا ساحل لنا إلا هذا الزمن المطلق، نخطو على مداه السحيق بخطوات أضناها المشي بين الأغيال الفاتكة. هكذا كان السؤال، والاستفهام، والاستفسار، وهكذا كان هو ذاك الرفيق المناضل معنا في الإسرار، والإجهار، وهكذا كان هو الأمل الوحيد الذي نلبسه حين تهدأ العقول، وتنساب وراء الأطلال، لكي تجالس الظلال، وتتحدث خلسة بما يجود به المقال، وكأنها تناجي بتواضع وخنوع سر الأشياء، لعله أن يكشف لها عن وجهه، فترى برؤية حادة كيف تحبك المعاني، وكيف تفتل حبالها على الأعناق، وكيف تكون قبورا للأحرار.
كان ذلك السؤال علة لازمة لما يستفز كامن نقاش رفاقي، ويستثير أوابده، وشوارده، ويحدث في عباراته جاذبية زائدة، ويفعمه بعنفوان، وأريحية، لاسيما حين يلف المكان المزدحم بالأفكار نسيم البساطة والخفة، وعليل الظرافة والرقة، ويسود المقام انفتاح على ضفاف سارحة في المدى المطل على قبر أبي، وانشراح لا يحده طقس شاحب، أو تصنع كاذب. وسواء حين أحاور المتنورين، والربوبيين، أو حين أجادل الملاحدة، واللادينيين، فأرى شيئا كامنا في الخفاء، وراكدا في السقاء، ينتعش وراء هذا الغطاء الخارجي، ويحيى حياة خاصة به، وله سلطة على كياننا الفردي، والجماعي، وهو الذي يمتعنا إن أحسسنا بمتعة على هذه الصخور البلورية، ويؤلمنا حين نشعر بأننا جالسون على القنائن المكسرة، لكني لم أعرفه بماهيته، ولم أدرك سبيل الوصول إلى حصره في قالب معرفي، ولو همت سنوات طوال مع روح أرسطو، وانتشيت به في رحلة الشقاء، وتلذذت بسرير عقله حين تغزلت بالمعاني، والمباني، فلم يستجب لي إلا غامضها، وخفيها. وحقا، قد باءت كل محاولة فهم هذا اللغز بالإخفاق، والإملاق، فثقل الرزء، وعظم الضياع بين غمرات الفراغ، إذ لم أكن ذلك القوي الذي يمكن له أن يتخطى دارة الضعف، ودالة الخوف، ولا ذلك المغامر الذي يركب أمواج الخطر، وأكدار القدر، لأن ما أينعت أشجاره في عمقي المبعض بالأزراء، والمفتت بين الأنواء، لم أجن من جناه إلا ثمارا رديئة، قضمتها على حين غفلة، فسممت الإرادة، وعوقت العزيمة، وبددت القدرة، ثم عبَّر الكيان بصدق عن عجزه، وقصوره، إذ الجبن أنجس خنجر يسل الذات من وعيها الكوني، ويبعدها عن التزامها برغبات كينونتها وصيرورتها على الكوكب الأرضي، ويصرفها عن افتراض الأشياء التي يحق لها أن تغير لبدة الماهية، وأوصافها، وأعراضها الخارجية.
هكذا تشكلت عندي صورة الشبح من خميرة الخوف، والوجف، ومن عجينة الجبر، والقهر. وهكذا تمثلت لي كل الكائنات التي تشاركني مقاطع الحياة أشباحا غادرة، وأشخاصا ماكرة. وهكذا انتهت حركتنا الاجتماعية إلى صلات سيئة، تضايق منها كل رابط يصلنا بعالم الإنسان، ومتاهاته في الوجود، والكون. فلا أدري كيف كانت ثقافة الخوف في بداية طقوسها حربا على الغير، وفي نهاية شعائرها نارا تحرقنا، وتحرق فلكنا الذي نسكن عش أحزانه على مهادنا الأرضية.؟ لكن، ومع طول الزمن، ازداد حدسي، وظني، واعتلى همي، وغمي، وكأني أريد أن أضع لها مدارا، وفضاء، وكوكبا. فأقول حين تصطرخ في لبي جلبة الموارد المعلولة بالعسر، والصعوبة، والتعاسة: هذه الأشباح، تعيش في الجلاء، لا في الخفاء. فلم لقنتنا ثقافتنا الكاسدة، أننا محاصرون في خندقها، ومطالبون بهدر دمائنا من أجل بلوغ رضاها، واستحسانها.؟ ألسنا موجودين هنا، لنعبر عن خيالنا، وفوضى حواسنا، وعبثية رغباتنا، وعدمية حياتنا.؟ كل ذلك مقصود لتطبيع علاقتنا مع المتناقضات، والمتآلفات، وتمتين روابطنا مع رغباتنا، وغاياتنا، لأن أجمل ما في أعماقنا، وأكمل ما في واقعنا، أننا نعيش النقيضين برغبة واحدة، ونحيى بين أملين متلازمين، وكأننا لسنا نحن الذين كنا بالأمس طامعين، وفي اليوم راغبين.!
تلك هي حقيقتنا التي ارتوينا منها، وطبيعتنا التي لبسنا كساءها، وطباعنا التي تحاكي غموض المعنى في واقعنا، إذ كثير منا لم يدركه، ولم يخطر بباله أنه مخدوع به، بل ظن أن التزامنا بخط معين في طريقنا، واقتداءنا بنجم محدد في صحرائنا، هو الذي سيجعلنا أقوياء، أو أسوياء، لأنه لو كان ذلك مطلوبا لتمام حياتنا، وإنهاء آلامنا الزافرة بإخفاقنا، لما كنا حيارى ببن القناعات المتباينة، والاختيارات المتعاندة، ولما عشنا الضياع في سفينة الأحلام، ومركب الأعوام. لكن ادعاء وجود مسلك واحد، هو الطريق الأوحد الذي تشرق عليه شمس المعرفة، وما عداه، ليس إلا سباحة في مهامه الظلام، لن يحولنا إلا عبيدا لأولئك الذين تغولوا بين الديار، وتنمروا، وصاروا من حدة عنف الموارد، وصراعها على الحق، والحظ المكتسب، لا يعشقون إلا دماءنا المسفوحة على عتبات معابدنا القديمة، لأنهم لم يروا في السماء إلا شبحا مخيفا، لا يقبل رأيا آخر، ولا مسارا مغايرا، فجسدوا حقيقته تصورهم له في الأرض، لكي يدل فعلهم على أن فعله هو الأقوى.
أجل، تلك هي أفكارنا حين تمزقنا إربا، إربا، وتدفننا في رماد النسيان، أو حين تغير صورتنا في الكون، وتحولنا إلى وحوش نهمة باغتيال ما تراه العين من ظلال، وأفياء. وتلك هي الأشباح المتوغلة منذ بداية العقل الطاغي، والمتجبرة في التاريخ البشري، إذ تبدو لنا أحيانا قططا سوداء، وأحيانا كلابا مسعورة، وأحيانا ضباعا متنمرة، وأحيانا سباعا ضارية، وأحيانا تبرز لنا حملانا وديعة، وأحيانا آراما مليحة، وأحيانا خيولا غريرة، وأحيانا بشرا سويا، يرسم لنا طريق الآلهة، ويخط لنا رسم الخلاص لهذا الكوكب التعيس. تلك الأشباح الجائعة، والجشعة، لا تمر على شيء في كوكبنا إلا واغتالته، وافترسته، ولا تحس بشي يستفز خوفها، إلا وحاربته بالحيلة، وإن لم تنل منه، أرسلت روحه لمعانقة السماء، وجسده هدية للديدان المتوحشة تحت الغبراء، لأنها تريدنا أن نزول، وندول، ولا يبقى لعرقنا فرع يخلفنا من بعدنا، أو يوحي بأن كائنات مَّا عاشت هنا، وفي هذا العالم، وبين دروب هذه الحياة البائسة، ووسط قاع مآسيها المربكة، وآلامها المروعة، وهي خائفة من ذاتها، ومن ظلها، ومن فكرها، ومن سكونها، ومن حلمها. إنها نحن، وهي أنا، وأنت، وكل من خرج من لجج ظلام الزمان والمكان بخفي حنين، ولم يلو تحت إبطه على معنى الكينونة، والصيرورة.
صعب أن لا تجد بوصلة الأمل بين مخاوف شتى، تعتريك رجفتها، وتنتابك رهبتها، وأنت تشهد السماء غائمة، والأرض غائرة، وذاتك فيها هائجة، فلا تكاد تسمع صوتا، ولا ترى شاخصا، إلا وذكرك بأنك فائت، أو مائت. هنا تنحبس الرؤية، وينبجس من الكون كل سواد، ويتفق في الوجود كل ظلام، وكأنه ما وجد إلا ليكون قاتما، ويصير كل شيء فيه، ولو كان تافها غير مملوك لك، ولا مرغوب فيك، لأنك تعادي خوفك بخوفك، وتناجز مصيرك بمصيرك، وتحارب ذاتك بذاتك، وتدفن روحك بروحك، فلا تدري، هل أنت في ملحمة قديمة، يكون الدم فيها قربانا لإله الحب.؟ أم أنك في مسرحية كلاسيكية، تكون بائعة الهوى فيها راهبة، وشاربة دم الأطفال قديسة.؟ كل ذلك، يحولنا من مدار إلى مدار، ومن طور إلى طور، لكي نفهم سر الشبح الذي يسكننا، ويستوطن قيعان فكرنا، ومغارات وعينا، لأني ومهما نشأت في مجتمعات تآلفت على أن تنزه الملاك بحروبها المقدسة، وتتودد إلى شيطانها برقصها، ولحنها، وتفتقي أثره في حاناتها، ومواخيرها، فإن ما تواطأ عليه الفؤاد، وبعد سنين طويلة قضيتها مع الكائنات الليلية، وفي صندوق الأسرار الذي لا يفتح إلا بين غمرات الليل البهيم، قد أثبت لي أننا حين نبحث عن ملاكنا، لا نقع إلا بين مخالب شيطاننا. ويا ليت ملاكنا لم يتآلف معنا على اختيارنا للأنس في لحظات انشراح صدورنا للوجود المنساب بلا حدود، وقيود، لئلا يتدنس بنا، فيصير شبيها لنا في أخلاقنا، وسلوكنا.
هذا التناقض الذي تحكيه حياتي، وتحكيه حياة كل من يعيش خارج ذاته، لا يمكن لنا أن نكتشفه إلا إذا جالسنا هذا الشبح، وسألناه عن سره الذي يضمره في جوفه، وعن رغبته التي يريد أن يصل إليها في ترويعنا، وتخويفنا، وعن حرصه على أن نبقى أسارى في هذا السجن المظلم، والكهف المعتم، إذ ما يحق لنا أن نستفيده مما سنكتشفه، أن نكون متآلفين مع أوجاعنا، ومتواطئين مع أوضاعنا، ومتماسكين مع واقعنا، لأننا لن نجد أمانا إلا فيه، ولن نسعد بشيء إلا إذا ألممنا بقواعده، وقوانينه، ووقفنا عند ضوابطه، وقواعده، لأن غيابنا، وغربتنا، واغترابنا، لن يزيدنا إلا خوفا، وتضيقا مما ننتظره من غد يهيل التراب على ما تبقى من حضورنا في هذه المأدبة المقدسة.
وإذا كان دم التفاؤل يسري في أجسادنا، في بعض الأحيان، وقليل ما هي، لأننا عشقنا أن نكون متشائمين، ومنحازين إلى الضباب المتجهم، والظلام الفاحم، فإن اقتضابنا لهذه المأساة في حقيقة الشبح الذي تغول في أعماقنا، وصار وحشا كاسرا يربك حركتنا، ويشتت حلمنا في كسب هذه النشوة التي حكيت لنا، أو ربما تخيلناها في ظروف سانحة، وتشهينا أن نعثر عليها بين هذه المواجع التي تمزقنا، وتبددنا بين نزق لم نتصالح معه، وبين خرق يجرنا إلي متاهة غضة بالتفاهة، والحقارة، وبين قرف نشم رائحة عفنه في كل ما يعن لنا، ونحاول الوصول إليه، ولا لذة له، ولو حزناه، وكان مملوكا لأيدينا، إذ لا يستفز ذائقتنا، ولا يثير حاستنا، ولا يغري خواطرنا على التأمل، والانبساط بالأشياء الجميلة، والموارد اللطيفة.
قد يكون الشبح اسما دالا على مسماه، أو مستعارا لأداء وظيفة في التعبير عند كل متحدث فينا، لكنه، ومهما كان ظاهرا فيما نرسمه من خطوط لهذه اللعبة التي جرتنا إليها أيام يائسة، فإنه خفي في أعماقنا، ودوي في أنظارنا، لأنه يظهر بمظاهر متعددة، ويتشكل عندنا في بعض الفجوات إنسانا كاملا، يرتحل بنا إلى فردوس الآلهة، وحقائقها الخالدة، وكثيرا ما يبدو متحسرا، ومتذمرا، ومتحيرا، فلا يدري أي يد يمد إلى ضباب آماله، وإلى أي اتجاه سيمدها في فضاء رجائه، وأي قلب هذا الذي سيقبلها برحابته، وأي رحيم هذا الذي سيذيقها متعة الحديث، ولذة الحلم البذيخ، إذ خدعته الألوان كثيرا، وريبته الأشكال كثيرا، فشك في حملها لزفراته التي أطلقها نحو عنان السماء، ولم يسمع لها صدى، وأرخاها بين الغابات المترامية الأنظار، ولم ير لها أثرا، وأرسلها نائبة عنه إلى قلوب تتلظى بسعار الأماني الخصيبة، فلم يسمع منها إلا كلمات عجفاء، يبتدئ أول حرفها بما ينتهي به آخرها، وكأنها ما رددت إلا بداهة؛ السماء فوقنا، والأرض تحتنا، فخاب ظنه، وانحسر مراده، ثم عاد القهقرى إلى هزات جنونه، وصولات شعوره، فلم يلمس في طريقه إلا شيخا، هرما، مفندا، طال عليه الأمد في التيه، فلم يكتشف منه إلا ما أخفى ظاهره في عمقه. وكم لازمه للاستهداء، والاستدلال، فلم يكشف له عن سر إخفاقه في المغامرة، ولم يظهر له ما هو مخبوء في سر المطاردة لهذا الإنسان الذي أراد أن يفرح، فإذا بفرحه يكون سببا في تعاسته. فلم هو كائن.؟ ولم هو موجود.؟ وما هو دوره في ملحمة ابتدأت بموت إله الروح، وحياة إله السديم.؟ هل وجد ليكون طريدا، شريدا.؟ هل وجد ليلمس وجهه غائرا في ملامحه، وشاحبا في مفاتنه.؟ هل وجد ليمسك الشبح بعقله، ولبه، ثم يكون عبدا للآلام، والزفرات الحرى.؟
هكذا أيقن بأن الشبح يحجب عنه رؤية ألوان كونه، وأشكال طبيعته، لأته بمقدار ما يحاول أن يتصالح، ويتفاعل، ويتواصل معه، فإنه يمنعه من النظر إلى السماء، وإلى الأرض، وإلى كل شيء، وكأنه يقول له معاندا: أنتم موتى، فلم تطلبون الحياة.! وحقا، قد عارك الموت في كثير من أزقته فصرعته، فلم يجد له إلا دثار الألم، فاحتباه لرديء الأقدار، بل حتى الذين كانوا يأملون بأن يحيى، قد أصابتهم لوثة المكان، وخدعهم ما تلون به من سواد القير، والإسفلت، وما ارتفع على جذوع الأشجار من عمارات شاهقة، وما تركب على رفات البشر من مدن فارعة، لا تاريخ لها، ولا عهود لها إلا ما يتبايع به الناس من سلع معلبة، تنتهي صلاحيتها بإسكانها هذا البطن الجائع، فتجول في أعماقه بسمومها، وأمراضها التي أفقدته مناعته، وأهانت قوته بضعف لم يجد معه فعلا، ولا كسبا، ولو ازدرد كل ما طبخته هذه المصانع الفجة، والمعامل المشتعلة بزناد الإنسان، والمتسعة بفقر الإنسان، وامتصاص ريقه، ولعابه، ودمه.
هكذا تراءى لنا الشبح مخيفا في صورته، وفي مظهره، ما دام كنهه لا يتضخم إلا إذا هزلنا، ولا يقوى إلا إذا ضعفنا، ولا يتعرى إلا إذا كستنا أوجاع لا نعثر على دوائها، ولو غازلنا الفضاء، وانتحبنا، وصرخنا، وهمنا على وجوهنا بين الأماكن المطلية بالبياض، والمبلطة برفات الإنسان المندك بأرجل الحفاة، العراة، وناجينا ما تخفيه من سواد النيات، وهمجية الرغبات، لأن الوعود التي عقدها الإنسان، وأبرم صفقتها على هذا الكوكب الأرضي، لم يكن لها مساغ، ولا مذاق، ما انفكت الأشباح تخشى أن تذوب الخرافة، وتزول تلك المنة التي يراها بعضنا لبعض، وينتهي زمن الاستحواذ على غيرنا، واستغلال ما ينعم به من غبائه، وبلادته، واستعمال فائض جهده وقوته فيما نضمره من شهوات، ونزوات، ولو أعولنا بأننا كنا سواسية في الشرب من هذه الخمرة الدنيئة، وشركاء في الأكل على هذه المائدة الرديئة، ومتصافين فوق منصة هذا المراح للتباكي على أحزان المحرومين، وأوجاع المنكوبين، إذ ما صرنا إليه، ومنذ أن زرع فينا آباءنا الخوف من الغول، والظلام، والشبح، لم يكن منجزا لذلك الوعد الذي حاولنا أن نكون أوفياء لعهوده، وبنوده، وأشداء على حمايته، ورعايته، لأنه لم يقدس الإله بأدب في ملكوت الأرض، لكي يسمع صوت عطفه في رحموت السماء، ولم يخلق الجنة بين مهاد الأرض، لكي تنبى من صفائه جنان الآخرة، إذ بدون أن نرفع عمادها بطهارة القول، ونظافة الفعل، لن نهدي إلى بانيها إلا ما ردده القصاص من وعيد بالثعابين، والنيران، لأن صناعة ذلك الرجف لرغبة البناء، ومهما كان مخيفا لبعض، ودافعا له إلى الفعل الذي لا تضبطه قواعد الاتصال بين الأفعال الإلهية، والبشرية، فإن ما يحدثه من سواد في الفكرة، والرؤية، يبعد المسافة بيننا وبين الحقيقة الكونية، ويقربنا من بؤرة الضياع، وسورة الفراغ. وتلك هي اللغة المجنونة الفاقدة لمعناها، والفكرة اللعينة التي تهزمنا، وتعاتبنا، وتنعانا، وتقض مضجعنا، وتعكر مزاجنا، وتغرقنا في نهر مليء بالكوابيس المفزعة، والأشباح المزعجة.
وإذا كان الشبح هو صورتنا الباطنية التي ينطبع على مرآتها كل ما فينا من تخلف، وترهل، فإنه لا يستوجب هذه الصفة، ولا يستلزمها بالقوة، إلا إذا انهزمت أغوارنا، وانتكست عن حقيقة ما غرس فيها من أمان، وسلام، إذ ما ينتعش في أعماقنا من مخاوف جمة، هي التي تمنحه الحياة، وتهبه أعناقنا، وتمتعه بالاستيلاء علينا، ما دمنا نشعر بأن خوفنا سبب في إرهاق كياننا عن السير فوق أرضنا، وإتعاب حظنا في التحليق مع أحلامنا، إذ الشبح يختفي فينا كما تختفي الآلهة في قلوب محبيها، وكما يختفي كل شيء لا نراه بأعيننا، ولكننا حين لم نجد مفتاحا لباب كهفه، نرجعه إلى الخفاء، ونؤوب به إلى شيء لم يره أحد أبدا، ولكنه متوهم، ومتخيل، ويقوم بدوه فينا، إذ هو كل ما لا نطيق أن نفعله عجزا، وكسلا، أو خوفا، وجبنا. وهل الشبح إلا كل ما خافه الإنسان.؟ وهل الشبح إلا ما عطل الحياة في الأرض.؟ وهل الشبح إلا ما دمر الكيان، والدور، والأكوار.؟ وهل الشبح إلا ما أفسد العلاقات، وهدم صلات الحب في الكون الإنساني.؟ وهل الشبح إلا كائن يعيش في باطنك، وفي ظاهرك، وأنت لا تستوعب قدرته على أن يغالطك، فتتركب صورة الأشياء عندك بلا منطق.؟ وهل الشبح إلا كائنات تعيش وراء الظل، وتحرك لعبة الأجساد والعقول والقلوب بلا ظهور.؟ وهل الذين يدبرون رقعة الشطرنج، ومائدة القمار، وملهى الرقص، إلا من مدلولات الشبح.؟ وهل الحكومة الخفية التي تحكم العالم إلا من معاني الشبح.؟ وهل الذين يتحكمون في اقتصاديات العالم، وسياساته، وفلسفات أخلاقه، وسلوكه، إلا من مفاهيم الشبح.؟ وهل أولئك الذين يذبحون عرض البشر، وشرفهم، وعزتهم، ويعيثون في الأرض فسادا، ويبغونها عوجا، إلا من حقيقة هذا الشبح.؟
هذا الشبح هو الإنسان، هو نحن حين نتصارع، ونتحارب، ونتقاتل. هو نحن حين نحول سلم العالم إلى خوف، وهلع، وملل، وكآبة. هو نحن حين نسرق الطبيعة، ونخرب الكون، ونهدم قوانين الوجود. هو نحن حين نؤله أشباحنا، ونقدسها، ونمرغ الإنسان في صديد أحقادنا، وكراهيتنا، وإرهابنا. هو نحن حين نحطم ثقافتنا، وتاريخنا، وحضارتنا، ونبني على أنقاضها سموم تخلفنا، وترهلنا، وخذلالنا للحق، والحقيقة، وغدرنا بالخير، والحب، والفضيلة.







اخر الافلام

.. في مخيم اليرموك بسوريا.. شاب صمد 7 سنوات برفقة الحمام


.. مقتل 60 عنصراً من حركة الشباب الصومالية بغارة أميركية


.. واشنطن تفرض عقوبات جديدة على شركات ومصارف إيرانية




.. سائق جرار يحاول اقتحام السفارة الإسرائيلية في تركيا


.. اليمن.. ماذا وراء إقالة رئيس الحكومة؟