الحوار المتمدن - موبايل



مجازر ملوك آشور (1)

مهدي كاكه يي

2018 / 10 / 23
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (62) – الآشوريون

يكاد يكون عهد الحُكم الآشوري كله عبارة عن حروب متواصلة، حيث ركّز ملوك آشور على غزو وإحتلال البلدان الأخرى وإهتموا بِبناء الماكنة الحربية، بدلاً من بناء الحضارة، وإنشغلوا في حملات عسكرية مستمرة وجمع الغنائم ونهب البلدان التي كانوا يغزونها[1][2]. كما أنّ ملوك آشور إتّبعوا سياسة القسوة والتدمير والبطش والقتل الجماعي والإرهاب والتمثيل بالأسرى وبِجثث القتلى وإتباع سياسة الأرض المحروقة وسلكوا كذلك سياسة التهجير الجماعي التي تسبّبت في موت أعداد ضخمة من الأطفال والنساء والشيوخ، مِمّن تمّ تهجيرهم وإقتلاعهم من أرضهم وإجبارهم تحت تهديد السلاح، قطع مسافات طويلة جداً عبر طرقٍ وعرة و في ظروفٍ مناخية صعبة، مُتعرّضين لِأشعة الشمس الحارِقة ولِقسوة الشتاء البارد، حيث تساقط الثلوج والأمطار. كما أنّ سياسة التهجير تسبّبت في إنقراض أقوامٍ عديدة في المنطقة.

يصف (ول ديورانت) الآشوريين في كتابه (قصة الحضارة) بما يلي: إن ظروفهم الخاصة باعدتْ بينهم وبين النجم المُخنّث الذي إنحدر إليه البابليون، ولذلك ظلوا طوال عهدهم شعباً مُحارِباً، مفتول العضلات، ثابت الجنان، غزير الشعر، كث اللحى، معتدل القامة، يبدو رجالهم في آثارهم عابسين ثقيلي الظل، يطأوون بأقدامهم الضخمة عالَم البحر المتوسط الشرقي وتاريخهم هو تاريخ الملوك والرقيق والحروب والفتوحات والإنتصارات الدموية والهزائم المفاجئة، وملوكهم كهنة الإله آشور[3].

في ربيع كل عام تقريباً، كان الملِك الآشوري يدعو جنوده "بِأمر الإِله آشور"، الى الحرب، حيث كان يستولي على الغنائم ويحصل على الجزية ويجلب عشرات الآلاف من الأسرى. كما أنّه كان يُعاقب الذين كانوا يتمردون على الحُكم الآشوري، من خلال التنكيل بهم وقتلهم أو إستعبادهم وحرق مدنهم وقراهم ومحاصيلهم الزراعية وقلع أشجارهم، ثم تعود الحملة العسكرية مع أرتال من الأسرى وعربات مملوءة بالغنائم والأشياء المنهوبة، من منتجات زراعية، ومعادن ومصنوعات معدنية من الذهب والفضة والرصاص والنحاس، ومصنوعات عاجية وأواني معدنية وأثاث خشبية، بما في ذلك ممتلكات قصور الحُكّام الثائرين و نسائهم.

عند إستيلاء الآشوريين على مدينةٍ ما، كانوا يقومون بِنهب تلك المدينة وحرق وتخريب وتدمير المدينة والإستيلاء على محتويات قصورها ونهبها وثم إشعال النار فيها. كان يتمّ تنصيب عرش الملك أمام باب المدينة وإستعراض الأسرى أمامه، يقودهم حاكم المدينة المُستسلِمة والذي قد يقومون بِقلع عينَيه أو إحضاره في قفص، الى أنْ يقوم الملِك بِقتله. كان يتمّ وضع زوجات الحاكم المهزوم وبناته في بيت الحريم الآشوري، ويتم إستخدام النساء اللواتي لا ينحدرن من أصلٍ نبيل، في الرق والعبودية. كما أنّ الجنود الآشوريين كانوا يقومون بِذبح سكان المدن المحتلة والإتيان برؤوس الضحايا الى الملِك، حيث يتم إحصاء عدد الرؤوس من قِبل الكتَبة. بالإضافة الى قتلهم الرجال الأسرى، كان الآشوريون يقومون بِأسر الصبيان وإستخدامهم في القيام بأعمالٍ شاقة في مشاريع البناء الملكية والتي كانت تتسبّب في موت الكثير منهم. كان الآشوريون يقومون أيضاً بِتهجير البقية الباقية من السكان الى مناطق بعيدة في آشور ويحلّون محلّهم أقواماً أخرى[4]. إستناداً الى مدوّنات ملوك آشور، يُقُدِّر عدد المُهجّرين في عصر الإمبراطورية الآشورية بـ 4.5 مليون شخص، الذين تمّ إقتلاعهم من أوطانهم في أكثر من 220 حالة تهجير، الى مناطقٍ بعيدة واقعة في أطراف مملكة آشور. شملت عمليات التهجير مختلف سكان الإمبراطورية، بما فيهم أعضاء من العائلة المالِكة وأشخاص يحملون رُتب مدنية وعسكرية عالية وشمل التهجير حتى الجنود والعبيد. من بين 122 حالة تهجير معروفة، كانت حصة سكان بابل 36 حالة تهجير والميديين 18 حالة وإيلام 13 حالة تهجير[a].

أدخل (آشور بانيپال) نظام إستخدام الفرسان لِمعاونة المركبات، وكان هذا النظام ذا أثر حاسم في كثير من الوقائع. كانت أهم أدوات الحصار هي الكِباش المسلحة، مقدماتها بالحديد، وكانت أحياناً تُعلّق بالحِبال في محاول، وتطوح إلى الوراء لِتزيد بذلك قوتها، وأحياناً أخرى كانت تجري على عجلات. أما المحاصَرون، فكانوا يُحارِبون من وراء الأسوار بالقذائف والمشاعل والغاز الملتهب والسلاسل التي يُراد بها عرقلة الكِباش، وأوعية من غازات نتِنة، تذهب بعقول الأعداء. كانت العادة المألوفة، أن يتمّ تدمير المدينة المغلوبة وحرقها عن آخرها؛ وكان المنتصرون يُبالغون في محو معالمها بتقطيع أشجارها. كان الملوك يكسبون ولاء جنودهم بِتوزيع جزء كبير من الغنائم عليهم. كان الآشوريون يضمنون شجاعتهم بإتّخاذ جميع أسرى الحرب عبيداً أو قتلهم عن آخرهم وكانت تتمّ مكافأة الجنود على كل رأس مقطوع يحملونه من ميدان القتال، ولذلك فأنه في أعقاب المعركة في أغلب الأحيان، كان يتمّ إرتكاب مجزرةٍ، تُقطَع فيها رؤوس الأعداء. في أكثر الأحيان، كان يتمّ قتل جميع الأسرى بعد إنتهاء المعركة حتى لا يستهلكوا الكثير من الطعام وحتى لا يكونوا خطراً على مؤخرة الجيش أو مصدر متاعبٍ للآشوريين. كانت طريقة التخلص من الأسرى تتمّ بأن يركعوا متجهين بِظهورهم نحو مَن أسروهم، ثم يضرب الآسرون رؤوس الأسرى بالهراوات، أو يقطعونها بِسيوفهم القصيرة. كان الكَتبة يقفون إلى جانبهم، يحصون عدد مَن يأسرهم ويقتلهم كل جندي، ويُقسّمون الفيء منهم بِنسبة قتلاهم؛ وكان الملِك إذا سمح له وقته، يرأس هذه المجزرة، أما الأشراف المغلوبون، فكانوا يلقون شيئاً من المعاملة الخاصة، فكانت تُصلَم آذانهم وتُجدع أنوفهم، وتُقطع أيديهم وأرجلهم، أو يُقذَف بهم من أبراج عالية إلى الأرض، أو تُقطَع رؤوسهم ورؤوس أبنائهم، أو تُسلخ جلودهم وهم أحياء، أو تُشوى أجسامهم فوق نار هادئة. يلوح أن القوم لم يكونوا يشعرون بشيء من وخز الضمير وهم يسرفون في إتلاف الحياة البشرية بهذه الطرق الجهنمية، حيث أنّ نسبة المواليد العالية تُعوّضهم هذا التقتيل، أو أنّ هذه الوسيلة تُقلل من تزاحم الأهلين على موارد العيش إلى أن يتناسلوا أو يتكاثروا[5].

المصادر

1. طه باقر. مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين. الطبعة الأولى، بغداد، 1973، صفحة 527 – 528.

2. جورج رو. العراق القديم. ترجمة وتعليق حسين علوان حسين، بغداد، وزارة الثقافة والإعلام، الطبعة الثانية، 1986م - 1406هـ، صفحة 382 – 448.

3. ول ديورانت. قصة الحضارة. التراث الشرقي، الشرق الأدنى، آشور، صفحة 470.

4. جورج كونتينو. الحياة اليومية في بلاد بابل و آشور. ترجمة: سليم طه التكريتي وبرهان عبد التكريتي، دار الرشيد، بغداد، 1979 صفحة 257 - 258.

5. ول ديورانت. قصة الحضارة. التراث الشرقي، الشرق الأدنى، آشور، صفحة 478 - 479.

a. Oded, Bustenay. Mass Deportation and Deportees in Neo-Assyrian Empire. DR. LUDWIG REICHERT VERLAG •







اخر الافلام

.. لبنان: مصالحة تاريخية بين جعجع وفرنجية خصمي الحرب الأهلية


.. سفيان جيلالي عن استقالة ولد عباس: دخلنا في مرحلة انهيار النظ


.. وزير المالية اللبناني يعلن استنفاد احتياطي الموازنة بشكل كام




.. محمد البخيتي: لا وساطة ولا اتفاق لتسليم ميناء الحديدة


.. إسرائيل: ما هي الأسباب الفعلية الكامنة وراء استقالة ليبرمان؟