الحوار المتمدن - موبايل



-حكايا النافذة- فاطمة يوسف عبد الرحيم

رائد الحواري

2018 / 10 / 24
الادب والفن


"حكايا النافذة"
فاطمة يوسف عبد الرحيم
عندما ينحاز الكاب إلى قضاياه بالتأكيد يُشعر المتلقي أنه صادق ومتماهي مع كتابته، فهو يكتب من خلال الوجع، لهذا تجدنا ننحاز إلى كتاباته، وهي الحميمة بين الكاتب وما يكتب تنعكس اجابا على القارئ، الذي سيجد صدق فيما يقرأه ـ في زمن فقدت فيه هذه الظاهرة النبيلة ـ.
بكل تجرد نحن أمام مجموعة قصصية مميزة، بلغتها وبالطريقة التي قدمت بها وبالمضمون الذي تحمله، غالبية القصص تحدث عن المرأة العربية وما تتعرض له من اضطهاد، كما تتحدث حن الفقر وأثره السلبي على المجتمع، فهناك العديد من النساء يعمل ليعن الأسرة بينما نجد الرجل مجرد سكير/مدخن/شهواني/مُصرف/شكلاني/سادي/متخلف/متعجرف/قاسي، بينما نجد المرأة على النقيض منه تماما، عاملة/مضحية/مخلصة/صابرة/ ثائرة/متمردة/نبيلة/منتمية، وهذه المفارقات بينهما هو الجدار الذي تقرعه القاصة "فاطمة عبد الرحيم"، وكأنها من خلال المفارقات بينهما تقول أن المشكلة في المنطقة العربية أن الطرف (الضعيف) هو من يعطي ويعمل وينتج ويصبر، بينما الطرف (القوي) هو المستهتر والخامل والهادم والمنهزم.
سنحاول أن نأخذ نماذج من هذه المجموعة لنقدم القارئ أكثر منها، في قصة "عندما يعشق دمية" تتحدث عن حاجة الرجل إلى المرأة لكن الفقر وضيق الحال، تعل الشاب الذي يعمل في متجر لبيع الملابس يعشق دمية العرض، ويقم معها علاقة حب: "يجلس معها ويكلمها: أجلسي، أتريدين قهوة وسيجارة، قهوتي لذيذة أصنعها بيدي" ص8، هذه العلاقة تتنامى لتصبح علاقة حقيقية، وعندما يطلب منه صاحب المتجر أن يلبسها ملابس داخلية فاضحة لتعرض على الزبائن يرفض: " رفض أن يلبسها ملابس النوم القصيرة جدا والفاضحة" ص10، لكن من خلال مشاهدته للزبونات يكتشف الهوة التي تفصل الخيال/الوهم عن الواقع فيقدم على: "حمل هراوته وبعصبية جنونية كسرها" ص11، الجميل في هذه القصة أنها تحمل الهم الطبقي من خلال طرح موضوع الزواج/الجنس، وكأن القاصة من خلاله تؤكد نظرية "ولهم رايش" الذي ربط بشكل موضوعي بين الصراع الطبقي والجنس، فهما يمثلان الهم الأكبر للإنسان، وإذا ما تم تأمينهما ستكون الحياة طبيعية وسوية، والعكس صحيح.
ونجد في قصة "سراب في اللقاء" حاجة المرأة إلى الرجل/الحب/الجنس، فتحدثنا عن مكامن المرأة من الداخل وما تعانيه من ألم/من جوع/من حاجة للرجل من خلال هذه الفقرة: "وشبابي الذي ارتشف رحيقه، أتتركني وحيدة في زمهرير نهايات العمر" ص12، فمثل هذا الكلام، يشير إلى الجوع الذي تعانيه المرأة في مجتمع ذكوري لا يرحم الضعفاء، ورغم الظلم الواقع عليها إلا أنه تجد في الرجل شيء لا يمكن أن يعوض، فهو بمثابة الهواء لها: "كلماته ما زالت تدفئ صقيع وحدتي تذكرني بما كان، أفتقد كثيرا، كم انتظرته بأشواق كل المحبين، كم تلسعني نفسي حين تجبرني على نسيانه" ص13، الجميل في هذا الكلام أننا نجد فيه الانسجام بين الكلمة والحالة، وهذا ما يجعله يدخل إلى القلب والعقل معا، وبعد أن تقيم علاقة مع احد الشباب من خلال النت ويتم تحديد موعد للقاء في المكان وزمان محددين، تكتشف هذه الحقيقة: "مرت من أمامه وتعمدت التعثر، ساعدني وأجلسني على المقعد:
استريحي يا خالة، أني أنتظر رفيقة دربي/ ابتهلي لله أن ألتقي بها" ص19، وبهذه النهاية تطرق القاصة مسألة المطلقات والعنوسة التي تعاني منها المرأة في سيدة مجتمع الذكور، الذي يهمشها ويهينها وينظر إليها نظرية دونية، وكأنها كائن حقير لا يستحق حتى أن يعامل باحترام.
وفي قصة "لم سفكت دمي!" تحدثنا عن جرائم (الشرف) التي يقترفها الذكور بحق النساء دون وجه حق، وطرق مثل هذا الجدار مهم جدا خاصة بعد أن اكتشف أن العديد من المغدورات كن ما زلنا ابكارا، لم يسمهن أحد، ولا ندري لماذا تقتل المرأة لا يقتل الرجل؟، وهل هذا استمرار الشكل من الجرائم يخدم المجتمع؟ أم أنه عبء يزيدنا تقهقرا وتخلفا؟.
تتحدث القاصة عن رجل يقتل ابنته على أساس "الشرف" ويقضي في السجن عقوبة خمسة عشر عاما، ولكنه يعلم أن ابنته بريئة وشريفة، وأن الشاب الذي أخبره بفسوقها كان كاذبا، وما قاله ما كان إلا انتقاما منها لأنها رفضت أن تعطيه جسدها، فقرر ان ينتقم منها بأن يكذب على أبيها، وهذا ما سمع حتى اقدم على جريمته، يخرج من السجن، يذهب إلى قبرها: "سامحيني يا ابنتي" ص29، لكنها ـ حتى من داخل القبر ـ تخالطبه قائلة:
"يدك ملوثة بدمائي، لا يمكن ملامستك، لن أنسى صورة الوحش الذي خرج من داخلك في تلك اللحظات الرهيبة حين قطعت أوصالي" ص30، وكأنها بهذا الكلام تحسم مسالة رفض الأبوة والمسامحة حين تتعلق بالقتل، أو بالتفكير غير الإنساني، غير الأبوي تجاه الابناء، وكأنها بهذا الكلام تقول حتى لو أن القانون عاقبك على جريمتك، أخذت عقابك قانونيا، إلا أنني أنا المغدورة لا اسامح ولا اغفر لك.
ونجد طرق آخر لجرائم (الشرف) في قصة "وتاه العقل منها" والتي تتحدث عن جريمة (شرف) ورغم براءة البنت من التهمة وما باحت به لخالها: "بريئة يا خالي، لم يلمسني خليل، ... لم يستمع لصوت براءتي، جرني من جديلتي الشقراء" ص89، وتحدثنا عن حالتها قبل الذبح فتقول:
"شحذ السكين، وضعها على رقبتي، عيونه تصب نيران حقدها في قلبي، حد السكين يلمع، خلت روحي زهقت قبل سفك دمي، دموعي لم تخدش جدار قسوته، رجوته:
أرحني، أسرع!!" ص90، وكأن التحضير للجريمة كان أقسى من الجريمة نفسها، لهذا ارادت أن ينهي جريمته بسرعة، لترتاح من التعذيب وليس العذاب، وكادت أن تحصل لولا هجوم اليهود على القرية، مما جعل الخال يتراجع عن قتل الفتاة، لكنها تبقى تعاني من هول المشهد وتصاب بمرض نفسي، وما يحسب لهذه القصة أنها جعلت خلاص الضحية بسبب اليهود، الذي من المفترض أن يكون وسيلة قتل وليس حياة، والقاصة من خلال الأحداث تشير إلى أن جريمة (الشرف) هي جريمة لا ينتهي أثرها بمعاقبة القاتل أو حتى لو لم تكتمل الجريمة، فأثرها حي وباق.
اضطهاد المرأة نجده في قصة "اليمين وحكايا النافذة" والتي تتحدث عن رجل يحلف الطلاق على زوجته إذا ما زارت أهلها، فتذهب إلى النافذ لتتحدث مع أمها، التي كانت تؤكد على عدم مخالفة الزوجة ليمين زوجها: " كلما حاولت الانعتاق من سجن الزوجية تتصدى لها أمها:
الصبر يا سعدية، لمن تتركين بناتك" ص33، رغم أنه كان يعاملها بهذا الشكل: "زوج توطن النكد فيه بكل أشكاله، البخل نهج حياته، سلاطة في اللسان، يد تهوى الصفعات" ص33، هذا حال المرأة العربية، لكننا نجدها تتمرد على واقعها ـ حتى لو كان متأخرا ـ إلا أنه يبقى تمرد، فبعد أن تتوفى أمها تتجاوز النافذة وتدخل بيت العزاء قائلة: "يكفيني ما عانيت من ألم، التي تحملت من أجل إرضائها غادرت الحياة، لم أعد قادرة على تحمل لؤم هذا الرجل" ص36، الجميل في هذه القصة أنها جعل "سعدية" تتحمل زوجها ليس لأنها ضعيفة، بل لأنها لا تريد أن تخالف أمها، لكنها بعد رحيها، لم تجد أي مبرر لتبقى تحت رحمة رجل متوحش.
ونجد نفاق الذكور في قصة "لن أكون كما تريد" والتي تتحدث عن زوج يعامل زوجته بوحشية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، لكن الزوجة تعرفه على جارتها اللعوب، فيبدأ يميل إليها، ويخرج مع الأسرة إلى المطعم وإلى المتنزه، علما بأنه كان شعاره :شاورهن وخالفوهن، من يستمع إلى رأي امرأة فهو امرأة، ليس لك إلا أن تأكلي وتخدمي الأولاد" ص99، وليته توقف عند هذا الأمر بل كان: "يثور لأتفه الاسباب، وتمتد يده بالضرب لأدنى مقاومة أو اعتراض" ص99، وبعد أن يدخل في شباك الجارة اللعوب يتحول سلوكه مع الجارة بطريقة معكوسة: " يجلس أمامها مثل قط وديع" ص102، وبعد أن يقع تماما في حبالها، يطلب الزواج منها، لكن الزوجة تضع شروط لطلاقها وأن يكتب الشقة باسمها، وأن تستأجر شقة مقابل شقتها حتى يتمكن الأولاد من مشاهدته عندما يريد، يتم الزواج، حتى أن الزوجة تفرح برحا شديدا بهذا الزواج والذي عبرت عنه من خلال: "ورقصت في عرسه رقص الخلاص والكل مذهول مني" ص105، لكن بعد أن ينتهي شهر العسل، تتحول العلاقة مع زوجته الجديدة بطريقة صادمه له وتعامله وكأنه هي الذكر وهو الأنثى: " لاحظت بقعة منتفخة في جبينه، أدركت أن الحذاء يلعب دوره" ص105، وحتى بعد أن يكتشف الفرق بين زوجته أنم أولاده وبين هذه اللبوءة، وحتى بعد أن تطلب منها أمها ان ترجع إليه ترفض: بقولها "ظل راجل ولا ظل حيطة" ترد عليها:
"أنه بقايا إنسان حتى ظله لم يعد يصلح للاحتماء به" ص105.
العقل الباطن عند القاصة وتحاملها على الذكور نجده في قصة " محرقة كاتب" والتي تتحدث عن كاتب يؤلف ويقرأ لكن القاصة تقدمه لنا بهذا الشكل: "رفعت يدي وصفعته على وجهه: اخرس يا ولد" ص118، مثل هذا السلوك لا يشير إلى كاتب، بل إلى ذكر في مجتمع متخلف، لكن القاصة تتدارك هذا الأمر في القصة وتجعله يقدم على حرق كتبه وتوزيعها بطريقة القانط من الثقافة، بأن يمنح مكتبه لأحد أولاده ليتزوج فيها.
في نهاية المجموعة نجد مجموعة قصص تخرج عن خط المجموعة وتبدأ الحديث عن هموم اجتماعية عامة تبتعد عن موضوع الفقر والمرأة، واعتقد أن القاصة أضافتها ـ إقحاما ـ في " حكايا النافذة" وكان يمكن أن تكون في مجموعة مستقلة، لكن هذا ما كان.
المجموعة من منشورات امواج للطباعة والنشر والتوزيع، بالتعاون مع وزارة الثقافة الأردنية، الطبعة الأولى 2007







اخر الافلام

.. سنصل إلى السلام.. فيلم بتقنية 360 ????


.. خان المدلل في بغداد.. هنا غنت أم كلثوم


.. سألنا الجماهير ..مع أو ضد بقاء كارتيرون فى القيادة الفنية لل




.. تونس: عرض أفلام أيام قرطاج السينمائية في ستة سجون عبر البلاد


.. الغناء الجماعي يساعد مرضى الرئة على سهولة التنفس